الوصال ــ أوضح علي الريامي، الخبير في مجال الطاقة، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن ما يشهده قطاع الطاقة اليوم لم يعد مجرد أزمة عابرة أو ظرفًا مؤقتًا، وإنما يمثل تحولًا عالميًّا حقيقيًّا في مسارات النفط وأمن الطاقة، مشيرًا إلى أن ملامح هذا التحول بدأت بالفعل، وأن ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها، سواء على مستوى تدفقات النفط عبر المضايق أو على مستوى قراءة الأسواق لمفهوم أمن الطاقة. وأضاف أن هذه التطورات ستدفع إلى إعادة تقييم أوسع لملف الطاقة عالميًّا، وقد تسرّع من وتيرة التحول نحو مصادر أخرى، مثل الكهرباء والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من البدائل النظيفة، في ظل حدث وصفه بالجلل الذي سيغيّر طريقة التفكير وتوقعات الأسواق في المرحلة المقبلة.

أسعار شديدة الحساسية

وأشار الريامي إلى أن أسعار النفط أظهرت خلال الفترة الماضية درجة عالية من الحساسية تجاه أي تطور سياسي أو أمني، سواء كان إيجابيًّا أو سلبيًّا، موضحًا أن الأسعار انخفضت بنحو 12 بالمائة تقريبًا بمجرد ورود أنباء عن احتمال العودة إلى طاولة التفاوض، وفتح مضيق هرمز في تلك المرحلة. ولفت إلى أن هذا التراجع أكد مدى تذبذب السوق وتأثره السريع بالأخبار والتصريحات، غير أن هشاشة الموقف تجعل أي تحول في الاتجاهات واردًا خلال وقت قصير جدًا، خاصة مع استمرار التصريحات المتضاربة والتطورات المتسارعة على أكثر من جبهة، من بينها مضيق هرمز والحدود اللبنانية الإسرائيلية، وهو ما يجعل قراءة السوق مرتبطة يوميًّا بالمستجدات السياسية أكثر من أي وقت مضى.

بين 101 و90 دولارًا

وبيّن أن أسعار النفط كانت قد بلغت نحو 101 دولار قبل إعلان فتح مضيق هرمز، ثم تراجعت يوم الجمعة إلى حدود 90 دولارًا، مع انخفاض خام برنت وتراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون مستويات برنت، بما أعاده إلى موقعه الطبيعي في السوق الأمريكية. وأضاف أنه يتوقع مع افتتاح الأسواق الآسيوية تغيرًا في المنحنى النزولي، سواء عبر تعديل طفيف في الأسعار أو بقائها على مستوياتها الحالية أو عودتها إلى الارتفاع، وذلك بحسب ما ستسفر عنه الأنباء المرتبطة بإغلاق المضيق من جديد، أو ما إذا كانت هناك مؤشرات حقيقية على انفراجة في المباحثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وأكد أن الأيام القليلة المقبلة ستظل حاسمة في رسم اتجاه الأسعار، في ظل صعوبة التنبؤ بمآلات هذه الأزمة.

أوبك بلس والخريطة القادمة

وأوضح الريامي أن تحالف «أوبك بلس» لا يزال التحالف الأنسب في الظروف الحالية، إلا أن وجود ثلاث أو أربع دول من أعضائه داخل الخليج قلل من مرونته في معالجة أزمة الإمدادات والنقص في السوق، رغم بقائه تحالفًا قويًّا يتوقع استمراره في المرحلة المقبلة. وأضاف أن هناك تحالفات ومراكز تأثير أخرى في سوق الطاقة، مثل الوكالة الدولية للطاقة، والسوق الأمريكية التي تؤثر بياناتها في حركة النفط، غير أن ما تفرضه الأزمة الحالية يتجاوز هذه الهياكل التقليدية ليعيد رسم خريطة الطاقة نفسها. ولفت إلى أن ما بعد الحرب سيشهد مراجعات عميقة في مفهوم أمن الطاقة، خصوصًا في الدول الآسيوية التي تضررت بصورة كبيرة، مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ليس فقط في النفط، بل كذلك في المشتقات النفطية والغاز والبتروكيماويات.

آسيا تعيد الحسابات

وأشار إلى أن الاعتماد الكبير لهذه الدول على نفط وغاز ومشتقات دول مجلس التعاون الخليجي جعلها من أكثر المتضررين من الأزمة، وهو ما سيدفعها، بحسب تقديره، إلى إعادة النظر في مصادر التوريد والتركيز على بدائل أكثر أمانًا وبعيدة عن مضيق هرمز، حتى وإن كان من الصعب الاستغناء الكامل عن الأسواق الخليجية. وأضاف أن الدرس الذي فرضته هذه الأزمة كان قاسيًا على الدول الآسيوية، ولذلك بدأت تظهر ملامح خريطة جديدة للطاقة تتشكل بهدوء، وستتضح أكثر مع مرور الوقت، مدفوعة بالحاجة إلى تقليل المخاطر وتأمين الإمدادات بعيدًا عن نقاط الاختناق الجيوسياسية.

التخزين حل محدود

وتطرق الريامي إلى مسألة تخزين النفط، موضحًا أنها تظل أحد الحلول المتاحة، وأن دولًا مثل المملكة العربية السعودية تمتلك سعات تخزينية جيدة، سواء داخلها أو في بعض المواقع القريبة من المصافي والأسواق الآسيوية، كما تمتلك الإمارات والكويت قدرات في هذا الجانب، لكنها تبقى محدودة في النهاية. وأكد أن التخزين لا يمكن أن يُنظر إليه بوصفه حلًّا مفتوحًا أو دائمًا، لأن التخزين في أغلب الحالات يكون ذا طابع تجاري، بينما التخزين الاستراتيجي يظل محدودًا بفترات زمنية قصيرة، من شهر إلى ثلاثة أشهر في الغالب، ولا يمكن توسيعه من دون اعتبارات العائد والجدوى. ولفت إلى أن الدول التي لا تملك سعات كافية، مثل العراق والكويت، اضطرت في ظل الأزمة إلى إعلان القوة القاهرة وإغلاق بعض الحقول والآبار، لأن استمرار الإنتاج من دون قدرة على التخزين لم يعد ممكنًا مع تعطل المنافذ وخيارات التصدير.

تحول لا رجعة فيه

وأكد الريامي في ختام حديثه أن العالم مقبل على خريطة طاقة مختلفة، وأن ما يجري اليوم سيترك أثرًا مستدامًا في سلوك المنتجين والمستهلكين والدول والأسواق، سواء من زاوية أمن الإمدادات أو من زاوية تسريع الانتقال إلى بدائل طاقية أخرى. وأوضح أن الأزمة الحالية لم تكشف فقط هشاشة السوق أمام التوترات، بل أعادت وضع أمن الطاقة في قلب النقاش العالمي، بما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة في حساباتها وتحالفاتها وأولوياتها.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو