الوصال ـ قال الدكتور أحمد بن سعيد كشوب، رئيس ومؤسس المؤشر للاستشارات الاقتصادية والمالية والإدارية، إن إنشاء أسواق حرة في منافذ الوجاجة وخطمة ملّاحة والربع الخالي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إضافة متاجر للبيع، وإنما فرصة لبناء منظومة اقتصادية متكاملة حول المنافذ، تشمل النقل والتخزين والتغليف والشحن والمقاهي والمطاعم والإقامة والخدمات اللوجستية، بما يفتح مجالًا أوسع أمام القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وأوضح كشوب خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن السوق الحرة تختلف عن المنطقة الحرة؛ فالسوق الحرة ترتبط عادة بالمطارات والموانئ والمنافذ الحدودية، وتستهدف المسافر والمستهلك الذي يشتري للاستخدام الشخصي، فيما تتمتع المناطق الحرة بطبيعة استثمارية وتنظيمية مختلفة وترتبط بأنشطة اقتصادية وتجارية أوسع.

وأشار إلى أن المتسوق في السوق الحرة لا يتعامل معها كمصدر لشراء كميات تجارية، وإنما للحصول على احتياجات وهدايا ومنتجات للاستخدام الشخصي أثناء السفر، موضحًا أن تجاوز حدود الاستخدام الشخصي ينقل المشتريات إلى الجانب التجاري وما يرتبط به من ضرائب ورسوم. وبيّن أن الفكرة الأساسية ليست في مجرد وجود الإعفاءات، وإنما في قدرة السوق الحرة على جذب المسافر وإقناعه بالتوقف والتسوق، عبر اختلاف المنتج وجودة الخدمة وسرعتها وتهيئة المكان بصورة تمنحه تجربة أفضل.

وأضاف أن حركة المسافرين عبر المنافذ البرية تمنح الأسواق الجديدة قاعدة واسعة من العملاء المحتملين، لكن ذلك لا يعني أن كل من يعبر المنفذ سيدخل السوق الحرة، إذ يرتبط القرار بما يقدمه السوق من منتجات وخدمات ومقاهٍ واستراحات ومرافق تجعله محطة جاذبة للمسافر. وضرب مثالًا افتراضيًا بأنه إذا عبر 10 ملايين شخص المنافذ خلال عام، ودخل 5 بالمائة منهم الأسواق الحرة، فإن العدد يصل إلى نحو 500 ألف متسوق، ما يعني قدرة هذه الأسواق على توليد حجم مبيعات معتبر متى توافرت العناصر الجاذبة، مؤكدًا أن هذه الأرقام جاءت لتوضيح الفكرة وليست إحصاءات فعلية لحركة المنافذ.

سلاسل القيمة أوسع من المتجر

وأكد كشوب أن القيمة الأكبر اقتصاديًا قد لا تكون في متجر السوق الحرة نفسه، وإنما في الأنشطة التي تحيط به، موضحًا أن كل سوق يحتاج إلى موردين ونقل وتخزين وتغليف وشحن وخدمات أخرى، وهو ما يخلق فرصًا جديدة لشركات محلية متعددة. وقال إن إنشاء متجر وتوظيف بائع ومحاسب لا يمثل كامل الأثر الاقتصادي، لأن ما يهم هو سلسلة القيمة المرتبطة به، مشيرًا إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تدخل كموردين أو مشغلين في العديد من هذه الأنشطة.

وأضاف أن تخصيص جانب من مشتريات الأسواق الحرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة سيمنحها سوقًا جديدًا لتصريف منتجاتها وخدماتها، بدل أن تنحصر الاستفادة في الشركة المشغلة وحدها. وأوضح أن دور الجهة المنظمة يتمثل في وضع الاشتراطات والأنظمة والرقابة، فيما يفترض أن يتولى القطاع الخاص تشغيل الأسواق وفق مناقصات ومواصفات محددة تضمن أن تكون التجربة مختلفة عن السوق التقليدي.

وأشار إلى أن تجربة السوق الحرة في مطار مسقط يمكن الاستفادة منها، لكن لا يمكن نسخها بحذافيرها إلى المنافذ البرية، لأن طبيعة المسافر ومدة بقائه واحتياجاته تختلف من موقع إلى آخر.

الأولوية لأبناء المحافظات

ورأى كشوب أن إشراك أبناء المحافظات القريبة من المنافذ ينبغي أن يكون جزءًا مهمًا من النموذج المقبل، سواء في التشغيل أو التوريد أو الخدمات اللوجستية المصاحبة. وأضاف أن الوظائف لا تنحصر في البائع أو أمين المخزن أو المحاسب، وإنما تمتد إلى صاحب الناقلة والمورد وشركة التخزين والتغليف والخدمات، مشيرًا إلى أن السوق الواحد قد يولد عشرات الفرص المباشرة وغير المباشرة عبر هذه الأنشطة.

وأوضح أن المحافظات المعنية تحتاج إلى الاستعداد مبكرًا، ودراسة كيفية إعطاء الأولوية لمؤسساتها المحلية في المناقصات والعقود والخدمات التي ستنشأ حول الأسواق. ولفت إلى إمكانية أن يبدأ بعض الأسواق بنموذج مصغر يمكن تنفيذه بصورة أسرع إذا كانت المباني القائمة مهيأة، فيما قد تحتاج النماذج الأكبر إلى فترات تنفيذ أطول تصل، وفق تقديره، إلى عام أو 18 شهرًا بحسب طبيعة المشروع والتصميم المطلوب.

وأضاف أن أحد النماذج الممكنة هو إنشاء مجمع تجاري مصغر تتوافر فيه خدمات متعددة للأسرة والمسافر، بما يسمح بتحويل فترة العبور من توقف قصير إلى تجربة أطول تتضمن التسوق والطعام والراحة والترفيه.

منفذ خطمة ملّاحة وحركة المسافرين

وأشار كشوب ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  إلى أنه حاول الوصول إلى إحصاءات حركة المنافذ، واستند إلى بيانات مقابلة من الجانب الإماراتي بحسب ما ذكر، موضحًا أن نحو 5.29 مليون حركة دخول وخروج سجلت عبر خطمة ملّاحة خلال عام 2025، مع نمو بنحو 8 بالمائة مقارنة بعام 2024. وقال إن مثل هذه الأعداد تعطي مؤشراً على حجم السوق المحتمل، لكنها تفرض في الوقت نفسه ضرورة الإجابة عن سؤال رئيسي: ما الذي سيدفع هذا المسافر إلى دخول السوق الحرة بدل المرور مباشرة؟

وأوضح أن الإجابة ترتبط بالسعر والخدمة وسرعة الشراء والنظافة وجودة التصميم وتوافر المنتجات غير الموجودة في الأسواق الأخرى، إلى جانب المقاهي والاستراحات والمرافق المساندة. وأضاف أن تجربة المسافر يجب أن تكون عنصرًا رئيسيًا في التصميم، لأن من يعبر منفذًا بريًا لا يرغب في الانتظار طويلًا، ولذلك يحتاج إلى خدمة سريعة ومريحة ومنتجات تستحق التوقف من أجلها.

المنتج العُماني عنصر المنافسة

ورأى كشوب أن منافسة الأسواق الحرة المقابلة لا ينبغي أن تبنى على السعر وحده، لأن الفارق السعري قد يكون محدودًا، فيما يمكن لسلطنة عُمان أن تتميز بالخدمة والجودة والمنتجات المحلية. وأوضح أن بيع المنتج الأجنبي نفسه الموجود في الطرف الآخر لا يضيف فارقًا تنافسيًا كبيرًا، بينما يمثل حضور المنتجات العُمانية فرصة لصناعة هوية مختلفة للسوق.

وأشار إلى إمكانية عرض التمور والألبان والمنتجات العُمانية المختلفة، شريطة تقديمها بمواصفات وجودة وتغليف مرتفع، بحيث تصبح جزءًا من تجربة السائح والمسافر وليس مجرد سلعة تقليدية. وأكد أن المنتج العُماني يمكن أن يكون أحد أبرز أدوات جذب المتسوق الأجنبي، خصوصًا عندما يقدم بطريقة لا يجدها في الأسواق الحرة الأخرى.

الخدمات المصاحبة قد تصنع الفارق

وأضاف كشوب أن الأسواق الحرة البرية يمكن أن تحاط بمساحات واسعة تتضمن استراحات ومظلات وجلسات ومقاهي ومطاعم، إلى جانب خدمات أخرى مرتبطة بالمركبات والمصارف والتأمين والصيانة. وأوضح أن بعض المواقع يمكن أن تضم خدمات غسيل المركبات والصرافة والتأمين وغيرها، مع الفصل بين ما يقع تحت مظلة السوق الحرة وما يعد نشاطًا خدميًا مستقلًا خاضعًا لأنظمة أخرى.

وأشار إلى أن وجود هذه الخدمات يزيد مدة بقاء المسافر في الموقع ويرفع فرص الإنفاق، خصوصًا إذا توافرت مرافق مناسبة للأسر وللمسافرين لمسافات طويلة.

الربع الخالي.. فرصة مختلفة

واعتبر كشوب أن منفذ الربع الخالي يحمل ميزة اقتصادية مختلفة عن المنافذ القريبة من دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن المسافات الطويلة تجعل المسافر بحاجة إلى حزمة أكبر من الخدمات. وأوضح أن المسافر عبر المنافذ القريبة قد لا يمكث سوى فترة قصيرة، بينما قد يقضي القادم عبر الربع الخالي ثلاث أو أربع ساعات، وربما يحتاج إلى المبيت حتى اليوم التالي، ما يفتح المجال أمام الشقق الفندقية والاستراحات والمطاعم والخدمات اللوجستية والأسواق والمنتجات العُمانية.

وقال إن السوق الحرة في الربع الخالي إذا بنيت وفق نموذج متكامل، فإن سلاسل الإمداد والخدمات المحيطة بها قد تحقق عوائد أكبر من المتجر ذاته، وتخلق نشاطًا اقتصاديًا جديدًا في المناطق القريبة من المنفذ. وأضاف أن تحويل المنفذ من نقطة عبور فقط إلى وجهة تتوافر فيها الإقامة والطعام والخدمات والتسوق يمكن أن يجعله أصلًا اقتصاديًا يدر عائدًا على المحافظة والاقتصاد الوطني.

الإعفاء للاستخدام الشخصي

وتطرق كشوب خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى طبيعة الإعفاءات، موضحًا أن السوق الحرة تستهدف في الأساس الاستخدام الشخصي وليس إعادة البيع، وأن الانتقال إلى شراء كميات تجارية يعني الخضوع للرسوم والضرائب المطبقة على التجارة. وأشار إلى أن النظام الحالي للمسافرين عبر المنافذ يميز بين الاستخدام الشخصي والنشاط التجاري، وذكر أن البضائع الشخصية التي لا تتجاوز قيمتها 300 ريال تعامل ـ وفق ما أشار إليه ـ ضمن حدود الإعفاء المعمول بها حاليًا، بينما تتغير المعاملة عند تجاوز تلك الحدود أو ظهور طابع تجاري للمشتريات.

وأضاف أن تكرار دخول الشخص وشرائه كميات صغيرة بصورة متواصلة يمكن أن يكون محل متابعة للتأكد مما إذا كانت المشتريات للاستخدام الشخصي أو بغرض التجارة وإعادة البيع. وأكد أن التفاصيل النهائية المتعلقة بالأسواق الحرة الجديدة ستتضح بصورة أكبر عند صدور الأنظمة والاشتراطات المنظمة لها، إلا أن النجاح الاقتصادي للمشروع، في تقديره، سيعتمد على قدرته على بناء منظومة كاملة تتجاوز البيع المباشر إلى دعم المنتج العُماني والمؤسسات المحلية وخلق سلاسل إمداد وخدمات جديدة حول المنافذ.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو