خلفان الطوقي لـ«الوصال»: الدبلوماسية الاقتصادية العُمانية أصبحت أداة فاعلة لجذب الاستثمار وفتح الأسواق وتهيئة الفرص للقطاع الخاص
منتدى الوصال
الوصال ــ تناول خلفان الطوقي، الإعلامي المهتم بالشأن الاقتصادي، أبعاد الدبلوماسية الاقتصادية التي تنتهجها سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة، مؤكدًا أن هذا المسار لم يعد مجرد حضور بروتوكولي في الزيارات الرسمية، وإنما أصبح نهجًا واضحًا في إعادة رسم مستقبل الاقتصاد العُماني، من خلال توسيع الشراكات، وتهيئة الأرضية للاستثمارات، وفتح نوافذ جديدة أمام القطاع الخاص العُماني للوصول إلى الأسواق الخارجية.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن المتابع لمسار هذه الدبلوماسية خلال الفترة الماضية يلحظ بوضوح حجم ما تحقق من منجزات، سواء عبر الاتفاقيات التي وقعت في عدد من العواصم، أو من خلال الحضور المتنامي لرجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية في هذه الزيارات.
نهج مستمر
وأشار الطوقي إلى أن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ومنذ توليه مقاليد الحكم، انتهج مسارًا واضحًا في اختيار وجهات خارجية محددة تحمل أبعادًا اقتصادية واستراتيجية، بحيث لا تكون الزيارات في إطارها السياسي والدبلوماسي فقط، وإنما في إطارها الاقتصادي كذلك. وأضاف أن استمرار هذه الزيارات سنويًّا إلى عواصم مؤثرة يعكس اهتمامًا مباشرًا من جلالة السلطان بالاقتصاد الخارجي، إلى جانب الاهتمام المعروف بالاقتصاد المحلي والاستثمار الداخلي، وهو ما يبعث برسائل واضحة إلى الحكومة والقطاع الخاص في آن واحد بأن المرحلة المقبلة تتطلب تحركًا اقتصاديًّا متكاملًا داخل سلطنة عُمان وخارجها.
رسائل من الوفد المرافق
وأوضح الطوقي أن طبيعة الوفد المرافق لجلالة السلطان في هذه الزيارات تحمل هي الأخرى دلالات مهمة، خاصة مع حضور وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ورئيس جهاز الاستثمار العُماني، إلى جانب رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات. وأضاف أن هذا الحضور ليس تفصيلًا جانبيًّا، وإنما يعكس رسالة مفادها أن الدولة تهيئ الأرضية وتفتح الأبواب وتبني الجسور، وعلى القطاع الخاص أن يقرأ هذه الرسائل جيدًا وأن يتحرك لاستثمار الفرص التي تتهيأ له عبر هذه المسارات الرسمية رفيعة المستوى.
الدور الحقيقي للزيارات
وأكد الطوقي أن قيمة هذه الزيارات لا تقتصر على توقيع الاتفاقيات فحسب، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن وجود رأس الدولة بنفسه في غرفة تجارة أو في ملتقى اقتصادي يعطي ثقلًا استثنائيًّا للمشهد بأكمله، ويجعل المؤسسات والشركات الكبرى في تلك الدول أكثر استعدادًا للتفاعل والانفتاح. وأضاف أن هذه اللقاءات تفتح لرجال الأعمال العُمانيين فرصة نادرة للجلوس مع نظرائهم في الخارج، وتختصر عليهم مسافات طويلة في بناء العلاقات والوصول إلى الشركاء، كما تمنحهم منصة ذات مصداقية عالية يتقدمون من خلالها إلى الأسواق الجديدة.
القطاع الخاص أمام مسؤولية
ورأى خلفان الطوقي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تصل إلى القطاع الخاص العُماني هي أن الدولة تقوم بدورها في إعداد الأرضية وفتح القنوات وتوقيع الاتفاقيات، لكن على رجال الأعمال أن يلتقطوا الإشارة ويتحركوا. وأضاف أن هناك قطاعًا خاصًّا ذكيًّا يستطيع أن يقرأ ما بين السطور ويستفيد من هذه الزيارات، في مقابل فئات أخرى ما تزال تنتظر أن تأتيها الفرص جاهزة أو أن يتم استهدافها مباشرة، وهو ما لم يعد مناسبًا لمرحلة تتحرك فيها سلطنة عُمان نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية. وأكد أن المطلوب اليوم من أصحاب الأعمال، رجالًا ونساء، أن يتابعوا القطاعات التي تحتاجها السلطنة، وأن يقرأوا المؤشرات، وأن ينظروا إلى الخارج بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لفرصهم لا مجرد خيار بعيد.
مؤشرات السيولة والثقة
وفي سياق حديثه عن البيئة الاستثمارية في سلطنة عُمان، استدل الطوقي بالاكتتاب الأخير في شركة «أوميفكو»، معتبرًا أنه يمثل مؤشرًا مهمًّا على حجم السيولة والثقة الموجودة في السوق العُماني. وأوضح أن الشركة طرحت 25 بالمائة من أسهمها، وكانت تحتاج إلى نحو 260 مليون ريال عُماني، لكن الاكتتاب غُطي نحو ثماني عشرة مرة، بمبالغ قاربت أربعة مليارات وسبعمائة مليون ريال عُماني، وهو رقم وصفه بالكبير والصادم في الوقت نفسه من حيث دلالته على وجود سيولة محلية ودولية، وقدرة السوق على التفاعل مع الفرص الموثوقة. وأضاف أن عدد المكتتبين من الأفراد بلغ عشرات الآلاف، إلى جانب مشاركة واسعة من المؤسسات، بما يعكس وجود شهية استثمارية حقيقية ينبغي أن تستوعبها الجهات المعنية وتبني عليها.
زيارة باريس
وفي حديثه عن الزيارة الأخيرة إلى الجمهورية الفرنسية، أوضح الطوقي أن فرنسا تمثل لاعبًا رئيسيًا في الاتحاد الأوروبي، وفي مجموعة السبع ومجموعة العشرين، كما أنها دولة ذات ثقل اقتصادي وتقني وسياسي كبير، وهو ما منح الزيارة أهمية خاصة. وأضاف أن الاتفاقيات التي وقعت هناك تنوعت في قطاعات حيوية، من بينها المياه والطاقة المتجددة واللوجستيات والفضاء والهيدروجين الأخضر، إلى جانب الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وإعلانات النوايا التي بلغ عددها اثني عشر اتفاقًا ومذكرة وإعلانًا، ما يعكس أن الزيارة لم تكن رمزية، وإنما حملت مضمونًا اقتصاديًّا مباشرًا.
اتفاقية المياه
وخصّ الطوقي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» بالذكر الاتفاقية الموقعة مع شركة «سويس» الفرنسية، واعتبرها من أهم الاتفاقيات التي خرجت بها الزيارة، نظرًا لأنها تستهدف قطاعًا حيويًّا هو قطاع المياه، وتمتد لخمسة عشر عامًا، وتخدم أكثر من محافظة، وتستفيد منها شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين. وأضاف أن الاتفاقية تتضمن تقليل الهدر في المياه من نسب مرتفعة حاليًّا إلى نسب أقل بكثير بحلول عام 2040، إلى جانب صيانة الشبكات والاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة المياه، فضلًا عن توظيف بعض الإمكانات في توليد الطاقة الكهرومائية والاستفادة من البنية المائية الموجودة في سلطنة عُمان. وأكد أن هذه الاتفاقية تمثل نموذجًا واضحًا لاتفاقيات تخدم الاقتصاد والبيئة والخدمات في وقت واحد.
الطاقة واللوجستيات
كما أشار الطوقي إلى أهمية الاتفاقيات المرتبطة بالطاقة المتجددة، ومنها محطة الكامل والوافي، موضحًا أن سلطنة عُمان تمضي بخطى واضحة نحو رفع مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني، وأن التعاون مع دولة مثل فرنسا، المعروفة بخبرتها في هذا المجال، من شأنه أن يسرع الوصول إلى المستهدفات المعلنة. وأضاف أن الجانب اللوجستي بدوره حضر بقوة في الاتفاقيات، خصوصًا ما يرتبط بشركة «أسياد»، وهي اتفاقيات تفتح آفاقًا كبيرة أمام النقل والتجارة وإعادة التصدير، وتربط الموقع العُماني بالإمكانات التشغيلية والاستثمارية الأوسع.
الشركات الناشئة
وتوقف الطوقي عند الاتفاقية الموقعة بين جهاز الاستثمار العُماني وإحدى الشركات الفرنسية لإطلاق برنامج يتيح للشركات الناشئة العُمانية استكشاف الأسواق الفرنسية والأوروبية، معتبرًا أنها من الخطوات الذكية للغاية. وأوضح أن الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة كانت تواجه دائمًا تحديًا في كيفية الوصول إلى الأسواق الأوروبية، بما تتطلبه من شبكات وعلاقات ومعرفة بالمسارات، لكن هذه النوعية من الاتفاقيات تختصر الزمن وتفتح منصة جاهزة لتلك الشركات، وتضعها في مسار أسرع نحو العالمية. وأضاف أن ما قام به جهاز الاستثمار العُماني في هذا الإطار لا يتعلق فقط بالتمويل، وإنما أيضًا بربط الشركات العُمانية بالأسواق والمنصات والشركاء الذين يستطيعون نقلها من نطاق محلي أو إقليمي محدود إلى فضاء أوسع.
دور جهاز الاستثمار
وأكد الطوقي أن جهاز الاستثمار العُماني لا يقتصر دوره على الاستثمار المباشر أو إدارة الأصول، وإنما يضطلع أيضًا بدور مهم في نقل التكنولوجيا، وإقناع المستثمرين العالميين بالقدوم إلى سلطنة عُمان، وربط الشركات العُمانية بالفرص الخارجية. وأضاف أن هذه الأدوار تزداد أهمية مع وجود صندوق «مستقبل عُمان» وما يحمله من فرص لتمويل الشركات والمشروعات وربطها بشركاء عالميين، وهو ما قد يمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الواعدة قفزة نوعية في السنوات المقبلة إذا أحسنت استغلال هذه المسارات.
دور السفارات
وفي جانب آخر من حديثه، تناول الطوقي دور السفارات العُمانية في دعم الدبلوماسية الاقتصادية، مؤكدًا أن تفعيل هذا الدور أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها. وأوضح أن سلطنة عُمان تمتلك عشرات السفارات والقنصليات حول العالم، وأن هذه البعثات ينبغي أن يقاس أداؤها أيضًا من زاوية ما تحققه من فرص اقتصادية واستثمارية، لا من زاوية الحضور البروتوكولي فقط. وأضاف أن المطلوب هو أن تتقن السفارات اللغة الاقتصادية إلى جانب اللغة الدبلوماسية، وأن تعمل بتنسيق مباشر مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والمناطق الاقتصادية، وجهاز الاستثمار العُماني، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، ووزارة الاقتصاد، والبنك المركزي، وهيئة الخدمات المالية، حتى تتحول إلى أذرع فاعلة في الترويج لسلطنة عُمان اقتصاديًّا.
مستهدفات واضحة
ورأى الطوقي أن على كل سفارة أن تمتلك مستهدفات واضحة ومحددة بحسب طبيعة الدولة التي تعمل فيها، لأن كل دولة فيها قطاع خاص ورجال أعمال وفرص مختلفة، ومن ثم لا بد من توجيه الجهد الدبلوماسي نحو تعريف هؤلاء بعُمان وبيئتها وقطاعاتها وفرصها. وأضاف أن وجود نائب لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وإنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي، وتأسيس مركز عُمان العالمي المالي، كلها مؤشرات على أن السلطنة تتجه نحو مرحلة اقتصادية أكثر كثافة وتنظيمًا، وهو ما يقتضي من كل مؤسسة داخلية وخارجية أن تكون مستعدة لهذا التحول.
الإعلام الاقتصادي
كما تطرق الطوقي إلى دور الإعلام في مواكبة هذا المسار، مؤكدًا أن الإعلام الاقتصادي مطالب بأن يكون أكثر حضورًا في التعريف بالفرص والاتفاقيات والتحولات الجارية، وألا يكتفي بنقل الخبر فقط. وأشار إلى أن بعض المنصات الترويجية تقوم بعمل جيد، لكنه شدد على أهمية أن يكون هذا الجهد أكثر ظهورًا، وأكثر انتظامًا، وأن يتوجه أيضًا بلغات مختلفة، وليس بالعربية فقط، لأن الرسالة الاستثمارية تستهدف شركاء ومقيمين ومستثمرين من خلفيات مختلفة، ويجب أن تصل إليهم بلغتهم وأدواتهم.
قراءة المستقبل
وختم الإعلامي خلفان الطوقي حديثه في برنامج «منتدى الوصال» بالتأكيد على أن سلطنة عُمان مقبلة على مرحلة مختلفة اقتصاديًّا، وأن المؤشرات المتتالية، من استحداث المناصب الاقتصادية الجديدة، إلى المجالس التنسيقية، إلى الزخم الذي يصاحب الزيارات الرسمية، جميعها تؤكد أن القادم أكبر، وأن على الجميع، من مؤسسات حكومية وسفارات وقطاع خاص وإعلام، أن يرفعوا مستوى الجاهزية والوعي والاستفادة. وأضاف أن هذه المرحلة تتطلب عقولًا حاضرة تقرأ المستقبل جيدًا، وتلتقط الفرص بسرعة، حتى تتحول الدبلوماسية الاقتصادية من مفهوم نظري إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


