خلفان الطوقي لـ«الوصال»: «مركز عُمان المالي العالمي» يفتح الباب لرؤوس أموال وصناديق عالمية وأدوات استثمار جديدة للأفراد.. وحصة محدودة من السوق الدولية قد تعني مليارات الريالات
منتدى الوصال
الوصال ـ تحدّث خلفان الطوقي، الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي، مركز عُمان المالي العالمي باعتباره مشروعًا يتجاوز إنشاء منطقة مالية مستقلة إلى بناء منظومة قادرة على استقطاب كبار البنوك ومديري الأصول والصناديق الاستثمارية والسيادية وشركات التأمين وإعادة التأمين وشركات التقنية المالية، إلى جانب خلق فرص جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمتخصصين والباحثين عن مسارات مهنية واستثمارية جديدة.
وخلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، فرّق الطوقي بين وجود مؤسسة مالية منفردة، كالبنك أو الصندوق أو شركة الاستثمار، وبين وجود مركز مالي عالمي يجمع مختلف اللاعبين الماليين في منظومة واحدة ذات تشريعات وتنظيمات وبيئة تشغيلية جاذبة لرؤوس الأموال. وأوضح أن الهدف من إنشاء مثل هذه المراكز يتمثل في استقطاب المؤسسات المالية الكبرى، وفي مقدمتها البنوك العالمية وشركات إدارة الأصول والصناديق الاستثمارية والسيادية وشركات التأمين وإعادة التأمين، فضلًا عن الشركات العاملة في التقنية المالية والحلول المبتكرة في القطاع المالي.
الاقتصاد كله يستفيد
وأشار الطوقي إلى أن الاستفادة من المركز لا تنحصر في المؤسسات التي تعمل داخله، موضحًا أن جذب رؤوس الأموال والمؤسسات الكبرى ينعكس على البيئة الاقتصادية المحيطة، سواء على الشركات أو المواطنين أو المقيمين أو الكفاءات العاملة في المجال الاستثماري. وقال إن الدخول في منافسة المراكز المالية العالمية يفرض على الدولة تطوير منظومتها القانونية والتشريعية والتنظيمية، وهو ما يرفع بدوره من جودة البيئة الاستثمارية عمومًا وليس داخل حدود المركز فقط.
وأضاف أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وشركات نظم المعلومات والبيانات الضخمة وغيرها من الأنشطة المساندة يمكن أن تستفيد من وجود المركز، لأن المنظومة المالية لا تعمل بمعزل عن الخدمات التقنية والاستشارية والمهنية المرتبطة بها.
فرص للشركات الصغيرة والتقنية
وبيّن الطوقي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن مركز عُمان المالي العالمي يمكن أن يخلق طلبًا على خدمات متعددة خارج نطاق المؤسسات المالية التقليدية، من بينها مراكز البيانات والأنظمة التقنية والشركات المتخصصة في البيانات الضخمة والخدمات المهنية والاستشارية. وأوضح أن الفكرة لا تقوم على بناء منطقة عقارية أو مقار للمؤسسات فحسب، وإنما على استقطاب جزء من التدفقات الاستثمارية العالمية إلى سلطنة عُمان، وما يتبع ذلك من تشكل أنشطة جديدة حولها. وأكد أن بناء هوية عالمية للمركز يحتاج إلى وقت وإلى إثبات الجاهزية التشريعية والتنظيمية والتقنية أمام المستثمرين الدوليين، ولا يمكن تحقيق أثره الكامل في فترة قصيرة.
عوامل جذب متعددة
وحدد الطوقي عددًا من العوامل التي يرى أنها تمنح سلطنة عُمان قاعدة جيدة لبناء مركز مالي عالمي، من بينها الاستقرار، والموقع الجغرافي، وتطور البنية التشريعية والتقنية، إلى جانب التطورات التي شهدها سوق رأس المال. وأشار إلى نمو بورصة مسقط منذ بداية العام بنحو 33 بالمائة وفق حديثه، إضافة إلى تحسن التصنيفات الائتمانية ودخول السوق قائمة المراقبة لدى مؤشر «فوتسي راسل»، معتبرًا أن هذه التطورات تعزز حضور سلطنة عُمان أمام المؤسسات الاستثمارية العالمية.
كما أشار إلى تحديث جانب من لوائح هيئة الخدمات المالية بما يتجاوز 30 بالمائة وفق ما أورده، معتبرًا أن هذه التغييرات تستهدف الاستعداد لمرحلة جديدة في سوق الاستثمار والخدمات المالية.
بنوك الاستثمار
ولفت الطوقي إلى أن بعض التشريعات الجديدة تمهد لتطوير أنشطة قد لا تكون موجودة حاليًا بصورتها المستقلة، ومن بينها بنوك الاستثمار. وضرب مثالًا بالأقسام الاستثمارية الموجودة داخل بعض البنوك، موضحًا أن التشريعات الجديدة يمكن أن تقود خلال السنوات المقبلة إلى استقلال بعض هذه الأنشطة وتكوين مؤسسات متخصصة قادرة على أداء أدوار أكبر في سوق المال. واعتبر أن استحداث مثل هذه التنظيمات مؤشر على الاستعداد لمرحلة استثمارية مختلفة وأكثر تنوعًا.
الإعفاءات ليست وحدها عامل الجذب
وتطرق الطوقي إلى الامتيازات الضريبية التي عادة ما ترتبط بالمراكز المالية العالمية، موضحًا أن الإعفاءات الضريبية تمثل عاملًا مهمًا لجذب رؤوس الأموال والأفراد والمؤسسات. وأشار إلى أن بعض المراكز تتيح إعفاءات على الأموال المدارة أو المعاد استثمارها داخل منظومتها، ما يشجع أصحاب رؤوس الأموال على تأسيس أنشطتهم فيها.
إلا أنه أكد أن سلطنة عُمان لا تعتمد على الامتيازات الضريبية وحدها، وإنما تراهن كذلك على موقعها الجغرافي القريب من أفريقيا والأسواق الآسيوية، وعلى بنيتها الأساسية والتقنية المتطورة.
مراكز البيانات والكابلات البحرية
وأشار الطوقي إلى أن البنية الرقمية في سلطنة عُمان تمنحها فرصة إضافية في المنافسة، لافتًا إلى إمكانية استقطاب استثمارات مرتبطة بمراكز البيانات والاستفادة من الكابلات البحرية التي تمر بالمنطقة. ويرى أن هذه العناصر يمكن أن تدعم الحلول التقنية المستخدمة في القطاع المالي والاستثماري، وتمنح المركز ميزة إضافية عند مقارنته ببعض الأسواق الأخرى.
وأوضح أن المنافسة ستكون مع مراكز مالية قائمة في دول الخليج، إلى جانب مراكز عالمية في سنغافورة وهونغ كونغ وشنغهاي وغيرها، وهو ما يتطلب تقديم منظومة متكاملة لا تعتمد على عنصر واحد فقط.
منافسة عالمية
وقال الطوقي في برنامج «منتدى الوصال» إن جذب رؤوس الأموال إلى المركز يتطلب الاستعداد لمنافسة أسواق عالمية سبقت في هذا المجال، ما يجعل تطوير البيئة الاستثمارية ضرورة مستمرة.
وأشار إلى أن البرنامج الوطني للاستدامة المالية أسهم في جمع عدد من الجهات المرتبطة بالتجارة والاستثمار ورأس المال ضمن مسار واحد، ومن بينها جهاز الاستثمار العُماني ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار والبنك المركزي العُماني وهيئة الخدمات المالية وبورصة مسقط. وأضاف أن هذه الجهات عملت على مبادرات وتشريعات متعددة تستهدف رفع تنافسية البيئة الاستثمارية وجاذبيتها أمام رؤوس الأموال.
توقيت محسوب
واعتبر الطوقي أن إنشاء مركز مالي عالمي لا يتم لمجرد محاكاة تجارب دول أخرى، وإنما يأتي عندما تتوافر مؤشرات تدل على وجود فرص فعلية يمكن البناء عليها. وأشار إلى أن التحركات الاقتصادية لسلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك توسيع العلاقات مع آسيا الوسطى وروسيا وأفريقيا والهند ودول أخرى، تفتح مساحات جديدة للاستثمارات والشراكات.
وأوضح أن المستثمر العالمي يبحث في الأساس عن السوق الأكثر جاهزية، سواء على صعيد القوانين أو التصنيف الائتماني أو البنية الأساسية أو سهولة الوصول إلى الأسواق.
نصف بالمائة تعني مليارات
وذهب الطوقي إلى أن سلطنة عُمان لا تحتاج إلى الاستحواذ على حصة ضخمة من سوق الاستثمارات العالمية حتى يتحقق أثر اقتصادي مهم. وقال إن الحصول على حصة صغيرة، حتى لو بلغت نصف بالمائة أو واحدًا بالمائة من بعض التدفقات أو الأنشطة العالمية، يمكن أن يعني مليارات الريالات بالنظر إلى حجم الأسواق المالية الدولية. وأضاف أن النهج الأنسب هو النمو المتدرج والمستمر بدل القفز السريع، موضحًا أن بعض التجارب التي توسعت بسرعة كبيرة واجهت لاحقًا فراغات أو تعثرات عندما لم يكن الطلب الفعلي متناسبًا مع حجم التوسع.
نمو تدريجي لا قفزات
وأكد الطوقي أهمية بناء المركز وفق نهج متدرج يرتبط بأداء الاقتصاد الكلي، معتبرًا أن التصنيفات الائتمانية وحضور السوق في المؤشرات العالمية ومستويات النمو الاقتصادي كلها عناصر مترابطة. وأضاف أن نجاح المركز يعتمد على عمل هذه المكونات بصورة متكاملة، بحيث يخدم كل عنصر الآخر، بدل النظر إلى المركز كمشروع منفصل عن بقية الاقتصاد.
ويرى أن توقيت إطلاق المركز خلال المرحلة الحالية يعكس قراءة لمجموعة من المؤشرات التي جعلت عام 2026 وما بعده مناسبًا لتوسيع حضور سلطنة عُمان في الأنشطة المالية والاستثمارية.
تنويع مصادر الدخل
وأشار الطوقي إلى أن من بين الأهداف المهمة للمركز توسيع قاعدة الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط والغاز والصناعات التقليدية وحدها. وأوضح أن تطوير قطاع الخدمات المالية يمكن أن يضيف نشاطًا اقتصاديًا جديدًا ويخلق مصادر دخل وفرصًا مختلفة، خاصة إذا نجح في استقطاب مؤسسات ورؤوس أموال من الخارج. وأضاف أن وجود المركز يمكن أن يرفع من مساهمة الأنشطة المالية والاستثمارية في الاقتصاد الوطني بمرور الوقت.
التخصصات ستتغير
ولفت الطوقي إلى أثر آخر قد يمتد إلى سوق العمل والتعليم، موضحًا أن استقطاب قيادات وكفاءات عالمية في الاستثمار وإدارة الأموال قد يغير نظرة المجتمع إلى التخصصات المطلوبة مستقبلًا. وقال إن وجود منظومة مالية متقدمة داخل سلطنة عُمان قد يدفع الطلبة والأسر إلى الاهتمام بصورة أكبر بتخصصات الاستثمار وإدارة الأصول والتمويل والتقنية المالية والبيانات.
وأضاف أن ذلك يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى إعادة تشكيل جزء من هيكل التخصصات المهنية والأكاديمية بما يتناسب مع احتياجات القطاع الجديد.
لا يشترط نقل الشركات بالكامل
وعن آلية دخول المؤسسات العالمية إلى المركز، أوضح الطوقي أنه ليس من الضروري أن تنقل الشركات أو الصناديق مقارها الرئيسية بالكامل إلى سلطنة عُمان.
وقال إن بإمكانها تأسيس أنشطة أو صناديق أو الدخول في مشروعات محددة من خلال المركز، إلى جانب تكوين شراكات استراتيجية أو صناديق ملكية خاصة تستثمر من سلطنة عُمان في أسواق مختلفة. وأشار إلى أن قرب سلطنة عُمان من الهند والصين وشرق أفريقيا يمنح هذه المؤسسات قاعدة يمكن الانطلاق منها نحو أسواق ناشئة ذات معدلات نمو مرتفعة.
من عُمان إلى آسيا وأفريقيا
وأوضح الطوقي أن وجود المؤسسات الاستثمارية داخل سلطنة عُمان يمكن أن يتيح لها دراسة مشروعات داخل السلطنة ودول الخليج والأسواق الآسيوية والأفريقية في الوقت نفسه.
وأضاف أن علاقات سلطنة عُمان التاريخية والاقتصادية مع شرق أفريقيا، إلى جانب قربها الجغرافي من الهند والأسواق الآسيوية، يمكن أن تعزز جاذبية المركز أمام الصناديق التي تبحث عن قاعدة قريبة من الأسواق الناشئة. وأكد أن شركات الملكية الخاصة والمشروعات المشتركة التي تؤسس من سلطنة عُمان لن تكون محصورة بالاستثمار محليًا، وإنما يمكنها توظيف الأموال في أسواق مختلفة حول العالم.
أوعية استثمارية جديدة للأفراد
وفي جانب يرتبط بالأفراد، أشار الطوقي إلى أن وجود المركز يمكن أن يفتح أمام المواطنين مستقبلًا أدوات وأوعية استثمارية لم تكن متاحة أو معروفة على نطاق واسع سابقًا. وقال إن اتساع المنتجات والخدمات الاستثمارية يمكن أن يغير طريقة تفكير الأفراد في الادخار والاستثمار واقتناص الفرص، ويعزز المعرفة بالأدوات المالية الحديثة. وأضاف أن الأثر المتوقع للمركز لا يقتصر على جذب رؤوس الأموال من الخارج، بل يمكن أن يمتد إلى رفع الثقافة الاستثمارية وتغيير السلوك المالي للمجتمع تدريجيًا.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


