م. المعتصم اليعقوبي لـ«الوصال»: الخطة الخمسية الحادية عشرة تضع التشغيل والاقتصاد الرقمي في صدارة أولويات التنويع الاقتصادي
منتدى الوصال
الوصال ــ أوضح المهندس المعتصم بن علي اليعقوبي، مدير البرنامج الوطني للتنويع الاقتصادي بوزارة الاقتصاد، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن «الخطة الخمسية الحادية عشرة» جاءت امتدادًا لمسار التخطيط الوطني، مع تركيز مباشر على ما يلامس المواطن، وفي مقدّمته «سوق العمل» وتوليد «فرص نوعية» عبر قطاعات ذات أولوية، مؤكدًا أن نمو الأنشطة غير النفطية وتوسّع الصادرات وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تشكل محركات رئيسية لتحقيق المستهدفات، بالتوازي مع قراءة واقعية للتحديات الإقليمية والدولية، والاستفادة من البنى الأساسية القائمة ورفع كفاءتها.
ملامح تهم المواطن
استهل اليعقوبي حديثه بالتأكيد على أن «الخطة الخمسية الحادية عشرة» تميّزت بكونها أُعدّت في ظروف اقتصادية «أكثر استقرارًا» مقارنة بالخطة العاشرة التي تزامنت مع «الجائحة العالمية»، مبينًا أن الخطة الجديدة ربطت مستهدفاتها الاستراتيجية بما ينعكس على المواطن بصورة مباشرة، وعلى رأس ذلك «فرص العمل» وملف «سوق العمل والتشغيل». ولفت إلى أن الخطة أولت اهتمامًا ببرامج ومشروعات وسياسات قادرة على خلق «محتوى محلي» وتعزيز «سلاسل القيمة» في القطاعات المختلفة، بما يرفع من كفاءة التوسع الاقتصادي ويترجم الأثر إلى فرص وظيفية ومكاسب ملموسة.
وتطرق إلى قراءة أداء القطاعات غير النفطية خلال المرحلة الماضية، موضحًا أن عددًا من القطاعات «اقترب أو تجاوز» متوسطات النمو المستهدفة في الخطة العاشرة، معتبرا أن ذلك لم يكن ليتحقق لولا منظومة السياسات والتدابير، وتكامل الأدوار بين الجهات الحكومية وشركاء القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر، بما انعكس على «ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي» وتحسن الإيرادات الحكومية والوظائف التي تولدت نتيجة هذا النمو.
محور التشغيل
وفيما يتعلق بملف الباحثين عن عمل، أشار اليعقوبي إلى أن محور «سوق العمل والتشغيل» في الخطة يتضمن برامج استراتيجية تُلامس جميع مكونات سوق العمل، من جهات العمل والموظف ورب العمل، موضحًا أن هذه البرامج تستهدف رفع «الكفاءة في الأداء» وتحسين قدرة القطاعات على خلق «فرص عمل نوعية»، لافتًا إلى أن الإطار العام لهذه البرامج سيعزز من حضور التشغيل ضمن توجهات الخطة، بما يمنح الباحث عن عمل مساحة أوسع للوصول إلى فرص تتناسب مع طموحه ضمن القطاعات المستهدفة.
وأوضح أن معايير اختيار «قطاعات التركيز» ارتبطت بقدرتها على توليد وظائف «نوعية وكريمة»، مبينا أن الخطة ركزت على ثلاثة قطاعات اقتصادية رئيسية هي: «السياحة» و«الاقتصاد الرقمي» و«الصناعات التحويلية»، بوصفها روافع يمكن أن تدفع بالتشغيل والنمو إلى الأمام، بالتوازي مع برامج وسياسات داعمة تُسهم في تهيئة البيئة وتعزيز المحتوى المحلي.
الاقتصاد الرقمي
وعرّف اليعقوبي «الاقتصاد الرقمي» بأنه كل ما يتصل بـ«تقنية المعلومات» و«الاتصالات» و«التقنيات الحديثة» بما يشمل مجالات مثل «التقانة المالية» و«التقانة التجارية» والبرمجيات، موضحًا أن تسارع هذا القطاع عالميًا جعل من الضروري أن تضع سلطنة عمان تركيزًا واضحًا عليه، واصفًا السنوات الخمس المقبلة بأنها مرحلة «تأسيس لبنة» للمستقبل في هذا المجال.
وأشار إلى أن الجهة المشرفة على الاقتصاد الرقمي هي «وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات»، مبينًا أن ضمن هذا المسار «ثمانية برامج استراتيجية» ترتبط بالذكاء الاصطناعي وتقنية المعلومات والتحول الرقمي وتقنيات الفضاء، موضحًا أن منظومة الاقتصاد الرقمي تتسم بتعدد المكونات، ما يجعلها أقرب إلى «هرم» تتدرج فيه المستويات والفرص.
ولفت إلى أن سلطنة عمان تمتلك مقومات يمكن البناء عليها في تقنيات الفضاء، مستشهدًا بإطلاق أقمار صناعية، ومشيرًا إلى أن «منطقة الدقم» تُعد من المواقع المميزة عالميًا في ما يتعلق بخطوط الإطلاق، مؤكدًا أن جذب هذا النوع من الاستثمارات يتطلب وجود منظومة اقتصادية متكاملة «إيكو سيستم» تُهيئ العناصر اللازمة قبل التوسع في الاستثمارات النوعية، ومضيفًا أن المقارنات المعيارية أظهرت أن دولًا ركزت على هذا الجانب «وانطلقت» بوضوح.
نمذجة النمو
وحول الأرقام المتعلقة بمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي «بالأسعار الثابتة»، أوضح اليعقوبي أن القفزة المسجلة في عام «2027» جاءت نتيجة «النمذجة الاقتصادية (المودلينج)» التي تعتمد على مجموعة من المدخلات والافتراضات، مشيرًا إلى أن من أبرز تلك المدخلات «إنتاج النفط» وفق ما يتوفر من خطط وبيانات، إلى جانب افتراضات أخرى مثل «النمو السكاني» و«سعر برميل النفط» في ذلك العام، وغيرها من المدخلات التي تُنتج مخرجات النموذج.
وبيّن أن طبيعة الخطط تتسم بـ«الديناميكية والمرونة»، ما يجعل الأرقام قابلة للتغير بحسب القراءات الفعلية والواقع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن النموذج يستند أيضًا إلى منظور تاريخي عند بناء الافتراضات، ثم يخرج بتوقعات تتغير مع الوقت تبعًا لمستجدات الواقع.
تضخم دون ضغط
وفي تفسيره لمفهوم الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، أوضح اليعقوبي أنه يمثل قيمة ما ينتجه الاقتصاد من سلع وخدمات خلال سنة معينة «دون احتساب أثر التضخم»، مبينًا أن عدم احتساب التضخم يوضح الصورة الحقيقية للنمو بعيدًا عن ارتفاعات الأسعار.
وتطرق إلى طبيعة التضخم في سلطنة عمان، موضحًا أن جزءًا معتبرًا من التضخم المحتسب يرتبط بعوائد النفط، واصفًا إياه بـ«التضخم الخارجي» الذي قد يُنظر إليه بإيجابية في هذا السياق لأنه يُسهم في دعم الإيرادات وتوفير عملة صعبة تمكّن من دعم الإنفاق الاجتماعي وسداد الدين العام. وفي المقابل، أشار إلى أن «التضخم المحلي» المتصل بالقوة الشرائية يُسجل مستويات «منخفضة جدًا»، موضحًا أن التوقعات ضمن الخطة تشير إلى متوسطات «أقل من 2%»، وهو ما اعتبره وضعًا «مريحًا» مقارنة بالمعدل العالمي، ومقارنة أيضًا بمستهدف «رؤية عمان 2040» الذي يتراوح بين «2% و3%».
مفهوم أوسع للتنويع
وحول معنى «التنويع الاقتصادي»، بيّن اليعقوبي أنه أوسع من مجرد «تنويع مصادر الدخل»، إذ يرتبط ببناء اقتصاد قادر على تقليل الاعتماد المباشر على النفط والغاز، والحد من أثر تقلبات الأسعار العالمية والعرض والطلب، عبر وجود قطاعات إنتاجية متعددة مثل الصناعات التحويلية والسياحة والنقل واللوجستيات، إلى جانب القطاعات الزراعية والسمكية وغيرها من هياكل الإنتاج التي تسير بالتوازي مع الاقتصاد النفطي.
وأوضح أن التنويع لا يكتمل بمجرد مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي كأرقام، بل يجب أن يواكب ذلك ارتفاع ملموس في «الإيرادات المالية» لهذه القطاعات، وهو ما يفسر التركيز على «قطاعات الأولوية» بوصفها محركات للنمو والصادرات.
وبيّن أن القطاعات الثلاثة الرئيسية «الصناعات التحويلية» و«السياحة» و«الاقتصاد الرقمي» تعمل كمحركات، بينما تدعمها قطاعات أخرى تضخ المدخلات وتستكمل حلقات القيمة، مشيرًا إلى «الأمن الغذائي» بشقيه الزراعي والسمكي بوصفه مدخلًا للصناعة، وإلى «التعدين» باعتباره قطاعًا داعمًا بشرط تعظيم القيمة المضافة وعدم الاكتفاء بالتصدير الخام. وأكد أن رفع الصادرات يمنح الاقتصاد ثقلًا أكبر في تحقيق النمو، إذ إن الاقتصادات التي تعتمد على أنشطة قابلة للتصدير تكون «أكثر صحة» في المدى المتوسط والطويل.
الأنشطة غير النفطية والاستثمار
وفي معرض حديثه عن نمو الأنشطة غير النفطية، أوضح اليعقوبي أن مستهدف الخطة الحالية لمتوسط نمو الأنشطة غير النفطية أعلى من المستهدف في الخطة السابقة، لافتًا إلى أن الخطة العاشرة استهدفت نحو «3.2%» بينما تتجه الخطة الحالية إلى متوسط أعلى، موضحًا أن الأداء الفعلي خلال سنوات سابقة شهد نموًا «تجاوز في كثير من الأحيان 6% وقد يصل 7%»، معتبرا أن الأنشطة غير النفطية قادت النمو في المرحلة الماضية بصورة واضحة.
وتطرق إلى الاستثمار الأجنبي المباشر، مشيرًا إلى أن نمو تدفقاته كان كبيرًا في الخطة السابقة، وأن المستهدف في الخطة الحالية يصل إلى نحو «11%»، موضحًا أن تحقيق مستهدفات الاستثمار الأجنبي المباشر —ومنها ضخ «15 مليار» كاستثمارات أجنبية مباشرة— سيعزز فرص تجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي لمستهدف «رؤية عمان 2040» البالغ «5%» سنويًا، مؤكدًا أن الخطة ربطت النمو أيضًا بهذا المحرك الاستثماري.
وفي سياق المصطلحات، أوضح أن «الاستثمار الخاص» يعني ما يستثمره القطاع الخاص المحلي داخل سلطنة عمان، في مقابل «الاستثمار الأجنبي المباشر» الذي يدخل من الخارج بعملات ومصادر دولية، لافتًا إلى أن الشركات المملوكة للدولة تُحسب ضمن «الاستثمارات الحكومية»، بينما الاستثمار الخاص يمثل نشاط القطاع الخاص المحلي.
تحديات وفرص
وعن التحديات المتوقعة، قسّم اليعقوبي المشهد إلى تحديات «إقليمية ودولية» وأخرى «محلية». وعلى الصعيد الخارجي، أشار إلى حالة «الغموض» التي تحيط بالمشهد الاقتصادي العالمي، وما يرتبط بها من «الحمائية التجارية» والضرائب وغيرها من العوامل التي قد تحد من فرص التصدير. وفي المقابل، أشار إلى أن سلطنة عمان عززت من قدرتها على التعامل مع هذه التحديات عبر «اتفاقيات وشراكات استراتيجية»، مستشهدًا بـ«اتفاقية التجارة الحرة» مع الولايات المتحدة، وبـ«الاتفاقية الاقتصادية الشاملة» مع جمهورية الهند، معتبرًا أن هذا المسار من «الدبلوماسية الاقتصادية» يوفر مساحة للتعامل مع التحديات ويمنح الاقتصاد مرونة إضافية.
أما على الصعيد المحلي، فاعتبر اليعقوبي أن من أبرز التحديات وجود «بنى أساسية كبيرة» غير مستغلة بنسبة كاملة، موضحًا أن ذلك يمثل تحديًا وفي الوقت نفسه «ميزة» لأنه يتيح مساحة للنمو، مستشهدًا بـ«المطارات» و«الموانئ» و«الطرق»، ومشيرًا إلى أن رفع كفاءة الاستخدام وزيادة نسبة الاستغلال يمثل محورًا ضمن البرامج الاستراتيجية لتعظيم مساهمة هذه البنى الأساسية في الاقتصاد.
برامج استراتيجية
واختتم اليعقوبي حديثه بالإشارة إلى أن البرامج الاستراتيجية ترتكز على تعزيز «القيمة المضافة» في القطاعات الإنتاجية، وعدم الاكتفاء بتصدير الموارد بشكل خام، إلى جانب تعزيز «التكامل» بين الجهات المختلفة في ملفات اقتصادية مثل «الاقتصاد الأخضر» و«الاقتصاد الأزرق» و«اقتصاد الفضاء»، بوصفها منظومات وطنية تتطلب مشاركة واسعة. كما أشار إلى أن البرامج ركزت على تطوير «الصناعات التحويلية» وتهيئة بيئة مناسبة لصناعات «نوعية» منخفضة الاستهلاك للطاقة، بما يعزز القدرة على جذب استثمارات نوعية وتوليد وظائف تلائم تطلعات المواطن خلال المرحلة المقبلة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


