الوصال ـ أكدت صالحة بنت خالد الزدجالي، مديرة دائرة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بالبنك المركزي العُماني، أن العملات المشفرة لا تُعد عملة قانونية أو وسيلة دفع معتمدة في سلطنة عُمان، ولا تتمتع بقوة الإبراء القانونية التي تتمتع بها العملة الوطنية، مشيرة إلى أن البنك المركزي أصدر توضيحه الأخير لحماية الجمهور والحفاظ على سلامة منظومة المدفوعات الوطنية واستقرار القطاع المالي.

وقالت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة»: إن إصدار التوضيح جاء انطلاقًا من مسؤولية البنك المركزي العُماني بوصفه الجهة المعنية بإصدار العملة الوطنية وتنظيمها، ومتابعة كل ما قد يمس سلامة القطاع المالي وأمنه واستقراره.

وأوضحت أن البنك رصد إعلانًا متداولًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي يخاطب الجمهور بشأن إمكانية استخدام العملات المشفرة وسيلةً للدفع مقابل الحصول على السلع والخدمات في بعض المراكز والمحلات الخدمية.

وبيّنت أن استخدام هذه العملات للحصول على السلع أو الخدمات يندرج ضمن مفهوم أدوات الدفع وفق القانون المصرفي وقانون نظم المدفوعات، ما استوجب تدخل البنك المركزي لتوضيح الحقيقة والحيلولة دون زعزعة الثقة بمنظومة المدفوعات الوطنية.

اختلاف جوهري

وأشارت صالحة الزدجالي إلى أهمية التمييز بين العملة الوطنية والعملات المشفرة، موضحة أن العملة الوطنية تصدرها سلطة سيادية، وقد خول النظام الأساسي للدولة البنك المركزي العُماني مسؤولية إصدارها وتنظيمها.

وأضافت أن الفصل الخامس من القانون المصرفي نظم عملية إصدار العملة الوطنية، التي تتمتع بقوة الإبراء القانونية ولها قيمة اسمية محددة وفق القوانين، كما يتحمل البنك المركزي الالتزام تجاه حاملها.

ولفتت إلى أن العملات المشفرة تختلف جوهريًّا عن العملة الوطنية، إذ لا تصدرها أي سلطة داخل سلطنة عُمان، ولا تتمتع بقوة الإبراء القانونية، كما لا توجد جهة تتحمل الالتزامات الناشئة عنها أو تضمن قيمتها لحاملها.

وأكدت أن هذا الاختلاف يمثل أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت البنك المركزي إلى إصدار التوضيح، بهدف حماية الجمهور من الخلط بين العملة القانونية والعملات المشفرة غير المعترف بها وسيلةً للدفع.

مخاطر مباشرة

وتحدثت مديرة دائرة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عن المخاطر المرتبطة بالتعامل بالعملات المشفرة، موضحة أنها تنقسم إلى مخاطر مباشرة وأخرى غير مباشرة.

وبيّنت أن المخاطر المباشرة تتمثل في عدم وجود سلطة مختصة تقف وراء هذه العملات أو تضمن قيمتها، بخلاف العملات الوطنية، مثل الريال العُماني والدولار الأمريكي والريال السعودي، التي تصدرها البنوك المركزية وتتحمل مسؤولية قيمتها الاسمية.

وأضافت أن حامل العملة الوطنية يستطيع الرجوع إلى الجهة السيادية المسؤولة عنها، فيما لا توجد جهة مماثلة يمكن الرجوع إليها في حال تعرض مستخدم العملات المشفرة للخسارة أو فقدان أمواله.

وأشارت إلى أن المخاطر غير المباشرة تظهر عند استخدام العملات المشفرة أصولًا استثمارية، خصوصًا أن المستثمر العادي قد لا يمتلك المعرفة الكافية لتقييم طبيعة هذه الأصول والمخاطر المرتبطة بها.

وأكدت أن البنك المركزي لا يمنع الاستثمار في العملات المشفرة بوصفها أصولًا استثمارية، إلا أنه يحرص على أن يكون المستثمر مدركًا للمخاطر وقادرًا على تقييمها قبل اتخاذ أي قرار.

ولفتت إلى أن هذه المخاطر تشمل الاحتيال الإلكتروني وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب إمكانية استغلال بعض المنصات أو المحافظ الرقمية في أنشطة جرمية يصعب تتبعها أو استرداد الأموال الناتجة عنها.

ليست وسيلة دفع

وأوضحت صالحة الزدجالي أن الموقف التنظيمي الحالي سيظل قائمًا، باعتبار أن العملات المشفرة ليست عملة قانونية أو وسيلة دفع معتمدة بموجب القوانين النافذة في سلطنة عُمان.

وأضافت أن البنك المركزي أجرى دراسة مستفيضة بشأن هذه العملات، وخلص إلى عدم السماح باستخدامها في المدفوعات، نظرًا إلى المخاطر التي قد تترتب عليها بالنسبة إلى الاستقرار المالي، وعدم خضوعها للترخيص والتنظيم بوصفها وسيلة دفع.

وبيّنت أن الأمر يختلف عند شراء العملات المشفرة لأغراض استثمارية، إذ لا يوجد ما يمنع الأفراد من الاستثمار فيها، مع ضرورة إدراكهم لطبيعة المخاطر المرتبطة بها وتحملهم نتائج قراراتهم.

وأشارت إلى أن المصارف ومزودي خدمات المدفوعات يمكنهم تقديم خدمات مصرفية للعملاء الراغبين في شراء هذه العملات بوصفها أصولًا استثمارية، مع الالتزام بإجراءات العناية الواجبة والتحقق من مصادر الأموال وطبيعة المعاملات.

وأكدت أن إجراءات العناية الواجبة تستهدف منع استغلال النظام المالي والمصرفي في جرائم غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاحتيال الإلكتروني، خصوصًا عند التعامل مع منصات خارجية أو جهات غير معروفة.

منصات مرخصة

وحول كيفية التمييز بين الاستثمار الرقمي المشروع والممارسات عالية المخاطر أو الاحتيالية، أوضحت أن تنظيم المنصات المرتبطة بالأصول الافتراضية والإشراف عليها يدخل ضمن اختصاص هيئة الخدمات المالية.

وأشارت إلى صدور قرار خلال عام 2023 أسند إلى الهيئة مسؤولية تنظيم هذه الخدمات وتسجيلها والإشراف على أنشطتها، بما يوفر إطارًا رقابيًّا لحماية المتعاملين والحد من الممارسات غير المشروعة.

ودعت الجمهور إلى متابعة التعليمات والتنبيهات التي تصدرها هيئة الخدمات المالية، والتحقق من أن المنصة التي يرغبون في التعامل معها مرخصة وموثوقة ومعروفة. وأضافت أن التعامل مع منصات غير مرخصة يرفع احتمالات التعرض للاحتيال أو فقدان الأموال، ويزيد صعوبة استرداد الحقوق في حال وقوع نزاع أو توقف المنصة عن العمل.

ولفتت إلى ضرورة الابتعاد عن الإعلانات التي تقدم وعودًا بأرباح مرتفعة ومضمونة خلال مدد قصيرة، أو تطلب تحويل الأموال إلى حسابات أو محافظ مجهولة، مؤكدة أهمية إجراء البحث والتقييم قبل الدخول في أي استثمار رقمي.

غسل الأموال

وأكدت صالحة الزدجالي أن بعض خصائص العملات المشفرة قد تجعلها عرضة للاستغلال في الجرائم المالية، ومنها سرعة نقل الأموال عبر الحدود، وصعوبة تحديد الأطراف المستفيدة في بعض المعاملات.

وأوضحت أن هذه العملات قد تُستخدم في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو تحويل متحصلات الجرائم والاحتيال الإلكتروني، وهو ما يستوجب التزام المؤسسات المالية بإجراءات التحقق والمراقبة والإبلاغ عن المعاملات المشبوهة.

وبيّنت أن المخاطر لا ترتبط بالتقنية في حد ذاتها، وإنما بطريقة استخدامها والجهات والمنصات التي تتولى تقديمها، ومدى خضوعها للرقابة والامتثال للقوانين. وأضافت أن البنك المركزي يعمل على حماية النظام المصرفي من الاستغلال في الأنشطة الجرمية، مع استمرار دعم التقنيات المالية التي تُقدم من خلال مؤسسات مرخصة وضمن أطر رقابية واضحة.

الابتكار المالي

وأكدت أن البنك المركزي العُماني يدعم الابتكار المالي والتقنيات الحديثة، ويشجع الشباب والمؤسسات على تطوير خدمات مصرفية ومالية قائمة على التكنولوجيا.

وأوضحت أن البنك المركزي دشّن البيئة التجريبية الرقابية للتقنية المالية، التي تتيح للشباب والمؤسسات اختبار الحلول والخدمات المالية والمصرفية المبتكرة في بيئة منظمة وتحت إشراف رقابي.

وأضافت أن هذه البيئة تساعد على تطوير الأفكار التقنية ودراسة فرص تطبيقها، مع ضمان التزامها بالضوابط والمعايير التي تحمي المستخدمين وتحافظ على سلامة القطاع المالي. وأشارت إلى أن البنك المركزي يعمل بصورة موازية على تطوير الوسائل المبتكرة وتشجيع المصارف والمؤسسات المالية المرخصة على التحول الرقمي وتقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة.

وبيّنت أن التحول الرقمي والابتكار يمثلان إحدى ركائز استراتيجية البنك المركزي العُماني، وأن استخدام التقنيات المالية في المؤسسات المرخصة شهد توسعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية. ولفتت إلى تدشين البطاقة الوطنية للمدفوعات، بوصفها خطوة مهمة في تطوير منظومة الدفع الوطنية وزيادة الاعتماد على وسائل المدفوعات المحلية، إلى جانب الحد من عدد من المخاطر العابرة للحدود.

رسالة للشباب

ووجهت صالحة الزدجالي رسالة إلى الشباب والمستثمرين، أكدت فيها أن دعم البنك المركزي للابتكار والتقنيات الحديثة لا يعني التغاضي عن المخاطر أو التعامل مع أدوات مالية غير منظمة.

ودعت الراغبين في الاستثمار في العملات المشفرة إلى البحث عن منصات مرخصة وموثوقة ومعروفة، وعدم الاعتماد على الإعلانات أو التوصيات غير الرسمية عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية. وأضافت أن على المستثمر أن يكون ملمًّا بطبيعة الأصل الذي يشتريه، وأن يقيّم احتمالات الخسارة وتقلب الأسعار ومخاطر الاحتيال قبل ضخ أمواله.

وختمت حديثها بالتأكيد على أن العملات المشفرة لا يجوز استخدامها وسيلةً لدفع أثمان السلع والخدمات في سلطنة عُمان، فيما يظل الاستثمار فيها قرارًا يتحمل صاحبه مخاطره، مع ضرورة الالتزام بالتعامل عبر الجهات المرخصة ومتابعة التعليمات الصادرة عن الجهات الرقابية المختصة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو