الوصال ــ تحدث معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، عن التحولات التي يشهدها قطاع النقل الجوي في سلطنة عُمان، متوقفًا عند مسار إصلاح الطيران العُماني، والاستحواذ الحكومي على طيران السلام، وإعادة تنظيم شبكة الوجهات، إلى جانب خطط تنشيط المطارات الإقليمية، وتوسيع الحضور العُماني في إدارة المطارات والخدمات الأرضية خارج سلطنة عمان.

جاء ذلك خلال حديثه في برنامج «فوانيس الوصال» مع الإعلامي سالم العمري الذي يأتيكم من «بيت الجريزة».

قطاع حساس

واستهل معاليه حديثه بالتأكيد على أن قطاع الطيران من أكثر القطاعات حساسية في العالم، لأن هامش الخطأ فيه ضيق جدًا، سواء على مستوى الإنفاق أو الإيرادات أو التشغيل. وأوضح أن أي قرار في هذا القطاع لا بد أن يكون محسوبًا بدقة، لأن أثره المالي والتشغيلي يظهر سريعًا، ولذلك انصب التركيز في المرحلة الماضية على تجويد الدخل، وتعظيمه، وتقليل الصرف، وتوجيهه في المسار الصحيح.

وأشار إلى أن الإصلاح في هذا القطاع لم يقم على إجراءات متفرقة، بل على رؤية متكاملة تعيد صياغة الأولويات، وتحدد طبيعة النموذج الأنسب لعُمان، بما ينسجم مع التوجهات الاقتصادية والسياحية للسلطنة، ويضمن في الوقت نفسه استدامة شركات الطيران الوطنية.

تحول في الوجهة

وأوضح معاليه أن أحد التحولات المفصلية في هذا المسار تمثل في الانتقال من التركيز الكبير على السفر العابر «الترانزيت» إلى التركيز بصورة أكبر على السفر المباشر من وإلى عُمان، معتبرًا أن هذا الخيار أكثر فائدة للقطاع نفسه، وللاقتصاد الوطني، وللقطاع السياحي على وجه الخصوص.

وبيّن أن نسبة السفر المباشر من وإلى سلطنة عمان كانت في حدود 27 بالمائة فقط في عام 2019، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 50 بالمائة في عام 2025، بعد سلسلة من البرامج والإصلاحات التي استهدفت هذا المسار. ولفت إلى أن هذا التحول لا يعني إلغاء السفر العابر أو التقليل من أهميته، لكنه يعني الوصول إلى توازن صحي يجعل العبور مكمّلًا لا مهيمنًا.

وأضاف أن النموذج الأنسب لعُمان، في تقديره، هو أن يصل السفر المباشر إلى نحو 60 بالمائة، مقابل 40 بالمائة للسفر العابر، إلى جانب برامج التوقف القصير التي تشجع المسافر على البقاء في السلطنة يومين أو أكثر قبل استكمال رحلته، بما يعزز استفادة الاقتصاد والسياحة من الحركة الجوية.

تصحيح الأسطول

وتحدث معاليه عن إعادة هيكلة الطيران العُماني، موضحًا أن هذه العملية لم تكن تقليصًا عشوائيًّا، وإنما «تصحيح لحجم الأسطول» بما يتناسب مع الاحتياجات الحقيقية للشركة. وقال إن الأساس في قطاع الطيران ليس عدد الطائرات بحد ذاته، بل عدد المقاعد المشغولة، ومدة بقاء الطائرة في الجو، ونوعية الخطوط التي تعمل عليها.

وأشار إلى أن الطيران العُماني ركز خلال المرحلة الماضية على رفع نسبة إشغال المقاعد، وتقليل الوقت الذي تبقى فيه الطائرة على الأرض، لأن الكفاءة الحقيقية في هذا القطاع تقوم على أن تكون الطائرة في الجو لأطول مدة ممكنة وهي محملة بأكبر قدر من الركاب.

وأوضح أن هذه المقاربة انعكست على الأرقام، إذ ارتفع عدد الركاب في عام 2025 إلى 6.3 مليون راكب، مقارنة بـ5.9 مليون في 2024، رغم أن الأسطول نفسه أصبح أصغر عددًا مما كان عليه في السنوات السابقة، وهو ما عدّه مؤشرًا واضحًا على تحسن الكفاءة لا تراجعها.

بوينغ بدل التنوع

وفي السياق نفسه، أشار معاليه إلى أن من بين القرارات المهمة التي اتخذت في إعادة الهيكلة التركيز على طائرات بوينغ بدل الاستمرار في تشغيل مزيج من بوينغ وإيرباص، موضحًا أن هذا القرار يعود إلى اعتبارات تشغيلية وفنية واقتصادية، تتصل بالصيانة، وقطع الغيار، وتوحيد الأنظمة، وتخفيض الكلف على المدى المتوسط.

وأضاف أن الطائرات التي خرجت من الأسطول كانت في معظمها من طراز إيرباص، وأن هذا التوجه جزء من تصحيح الهيكل التشغيلي، بما يعزز كفاءة الشركة، ويساعدها على تجاوز الاختلالات التي تراكمت في السنوات السابقة.

أفضل نتائج

وأكد معاليه أن أرقام عام 2025 تمثل أفضل نتائج للطيران العُماني منذ عام 2009، موضحًا أن الشركة حققت لأول مرة منذ ذلك العام مؤشر دخل تشغيلي إيجابي قبل الضرائب والإهلاك، وهو ما اعتبره دليلًا على أن الإصلاحات تسير في الاتجاه الصحيح.

وقال إن هذه النتائج المدققة عُرضت مؤخرًا على مجلس الإدارة، وتعكس تحسنًا حقيقيًّا في الأداء، مضيفًا أن التوقعات تشير إلى نتائج أفضل في 2026، مع السعي إلى الوصول إلى نقطة التعادل في وقت أقرب مما كان مخططًا له سابقًا.

وبيّن أن الخطة الأصلية كانت تستهدف بلوغ نقطة التعادل في عام 2027، لكن العمل جارٍ لمحاولة تحقيقها في 2026 إذا استمرت المؤشرات الحالية في التحسن.

وجهات جديدة

وتوقف معاليه عند التوسع في شبكة الوجهات، مشيرًا إلى أن الطيران العُماني بدأ بالفعل في التوجه إلى مدن لم يكن يخدمها في السابق، من بينها أمستردام وروما وموسكو، إلى جانب الإعلانات المتعلقة بأوزبكستان ورواندا، مع توقع الإعلان عن وجهات روسية جديدة وعدد من الوجهات الأوروبية الأخرى.

وأوضح أن هذا التوسع لا يقوم على مجرد زيادة عدد الخطوط، بل على انتقاء الوجهات التي تحقق قيمة مضافة، سواء من حيث العائد التشغيلي أو من حيث خدمة السياحة والاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن بعض الأسواق لا تزال تحتاج إلى حضور أكبر للطيران العُماني، سواء في الصين أو في شرق آسيا أو في بعض المدن الأوروبية والإفريقية.

الحرية الخامسة

وفي جانب آخر، استعرض معاليه تجربة «الحرية الخامسة» في الطيران، موضحًا أنها منحت للطيران العُماني من بغداد إلى بعض الوجهات الأوروبية، بعد أن أتاحت الحكومة العراقية هذه الميزة للطيران العُماني في ظل تعذر تشغيلها محليًّا هناك بالصورة المطلوبة، وثقة الجانب الأوروبي في الأنظمة الرقابية والتنظيمية العُمانية.

وبيّن أن هذا الترتيب بدأ مع كوبنهاغن وأثبت جدواه، وأن العمل مستمر مع دول أوروبية أخرى في السياق نفسه، معتبرًا أن هذا النوع من الترتيبات يمنح الطيران العُماني قدرة على توسيع شبكته بأقل كلفة، خاصة في ظل محدودية مدى بعض الطائرات ضيقة البدن.

وأضاف أن السلطنة حصلت كذلك على «الحرية السابعة» في مجال الشحن، بما يفتح المجال لنقل البضائع بين دولة ثانية وثالثة، وهو ما يعزز من فرص التوسع في قطاع الشحن الجوي أيضًا.

استحواذ حكومي

وفي ما يتعلق بطيران السلام، كشف معاليه أن الحكومة، ممثلة في وزارة المالية، تتجه إلى استكمال الاستحواذ على 90 بالمائة من الشركة، مع بقاء 10 بالمائة بيد أحد الملاك من القطاع الخاص، موضحًا أن بعض الجهات الحكومية كانت تمتلك أصلًا نحو 30 بالمائة من أسهم الشركة.

وأكد أن هذا التحول لا يستهدف دمج الشركتين أو إذابة الفروق بينهما، بل تنظيم القطاع بصورة أفضل، بحيث تعمل كل شركة في المجال الأنسب لها. وقال إن طيران السلام سيتجه بصورة أوضح إلى نموذج الطيران الاقتصادي، مع التركيز على تخفيض الكلفة وتحسين الأسعار، بما يمنح المسافرين خيارات أكثر ملاءمة.

وأضاف أن الطيران العُماني سيبقى هو الناقل المناسب للوجهات التي تتطلب نموذجًا مختلفًا، سواء من حيث نوعية الخدمة أو نوع الطائرات أو طبيعة السوق، فيما يركز طيران السلام على المدن والوجهات التي تناسب نموذج التشغيل الاقتصادي.

أدوار مختلفة

وأوضح معاليه أن المرحلة المقبلة ستشهد توزيعًا أوضح للأدوار بين الناقلين، بحيث لا تتكرر المنافسة الداخلية غير المجدية على بعض الخطوط. وذكر مثالًا على ذلك بأن مدنًا مثل مومباي ودلهي تناسب الطيران العُماني، بينما يمكن أن يتجه طيران السلام إلى مدن هندية أخرى، وكذلك إلى عدد من الوجهات في آسيا الوسطى وشرق إفريقيا وبعض المطارات الثانوية في العالم العربي.

وأشار إلى أن هناك وجهات قد يظل الناقلان يعملان عليها معًا، مثل بانكوك، لكن هناك وجهات أخرى يصبح من الأنسب أن يذهب إليها أحدهما فقط، حتى لا يحدث تداخل يؤدي إلى خسارة للطرفين بدل التكامل بينهما.

وشدد على أن الشركتين ستظلان منفصلتين من حيث الإدارة والهوية التجارية، وأن المقصود هو تنسيق العمل لا إلغاء الفوارق بينهما.

أسعار صلالة

وعن ملف أسعار التذاكر، خاصة على خط مسقط ـ صلالة، أقر معاليه بأن هذا الموضوع يحظى باهتمام واسع من الناس، مؤكدًا أن الوصول إلى أسعار أكثر ملاءمة هو جزء من التوجه الجديد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي تخفيض لا بد أن يتم بطريقة لا تخلق خسائر غير قابلة للاستدامة.

وأوضح أن الهدف هو أن يصبح طيران السلام أكثر تنافسية في مجال الطيران الاقتصادي، بما ينعكس على الأسعار بصورة أفضل خلال الفترة المقبلة، من غير أن يعني ذلك العودة إلى نموذج قائم على الدعم المباشر أو على تشغيل غير مستدام.

وأضاف أن المستهلك في النهاية يجب أن يحصل على خيارات حقيقية، بين طيران بخدمة أعلى وسعر مختلف، وآخر اقتصادي بسعر أقل، على أن يكون ذلك في إطار توازن مالي يحفظ استدامة الشركات.

الوقود حُلّ

وفي ما يخص أسعار وقود الطيران في مطار صلالة، أشار معاليه إلى أن هذه المسألة كانت محل إشكال سابق نتيجة ترتيبات تعاقدية قديمة، لكنها انتهت مؤخرًا، وتم التوصل إلى أسعار أصبحت مشابهة للأسعار في بقية مطارات سلطنة عمان.

وقال إن هذا التطور من شأنه أن ينعكس إيجابًا على بيئة التشغيل في مطار صلالة، ويزيل أحد العناصر التي كانت تضغط على الكلفة هناك.

طيران إقليمي

وتحدث معاليه عن خطة لإطلاق طيران إقليمي جديد قبل نهاية العام الجاري، قد يكون تابعًا للطيران العُماني أو لطيران السلام، ويستهدف خدمة المطارات المحلية والوجهات الداخلية ذات الطلب المحدود، باستخدام طائرات أصغر تلائم هذا النوع من الخطوط.

وأوضح أن هذه الخدمة ستبدأ في خدمة قطاع النفط، ثم تتحول بعض المهابط والمطارات المرتبطة به إلى نقاط مفتوحة للاستخدام العام، بما يسمح بخدمة مواقع مثل هيما وقرن العلم وفهود ومرمول وغيرها، بحيث تصبح الرحلات متاحة للعاملين في القطاع وللمواطنين والمستفيدين الآخرين أيضًا.

وأضاف أن هذا الطيران الإقليمي سيساعد كذلك على ربط المطارات الإقليمية بوجهات سياحية محلية مثل مصيرة والخصب والجبل الأخضر، ومع الوقت ربما الحلانيات، إلى جانب رحلات مباشرة من بعض هذه المطارات إلى وجهات قريبة في الخليج والمنطقة.

صحار والجبل الأخضر

وفي ما يتعلق بالمطارات الإقليمية، أشار معاليه إلى أن مطار صحار سيحظى بدور أكبر ضمن هذه المنظومة، عبر تشغيل خطوط إقليمية منه إلى بعض الوجهات الجنوبية والمحلية، وربما لاحقًا إلى مدن قريبة في السعودية وإيران وباكستان بحسب تطور السوق والطلب.

كما أشار إلى مشروع لمباني ركاب في مطار صحار، إلى جانب تطويرات تشمل الجبل الأخضر ومصيرة، موضحًا أن هناك دراسة قائمة بشأن الجبل الأخضر، سواء لتوسعة المدرج القائم المرتبط بجهات عسكرية، أو لإنشاء مدرج جديد إذا اقتضت الحاجة.

مطارات عمان للخارج

وفي محور آخر، استعرض معاليه توسع شركات المطارات العُمانية خارج سلطنة عمان، موضحًا أن هذا التوسع أصبح ضروريًّا لاستدامة شركات مثل «ترانزم» و«مطارات عُمان» و«شركة التموين»، لأن الاكتفاء بالسوق المحلي وحده لا يكفي لتحقيق النمو والتوسع المطلوبين.

وأشار إلى أن البداية كانت في كربلاء، من خلال تجهيز المطار للتشغيل، مع إمكانية الانتقال لاحقًا إلى الإدارة، ثم امتد النشاط إلى مطارات أخرى في الخارج عبر خدمات المناولة الأرضية، فضلًا عن التنافس على مطار الموصل، وعلى مشروع في بنغلاديش، وعلى مطارات أخرى في أوروبا وإفريقيا ودول عربية.

وبيّن أن هذا التوجه يستهدف جعل الشركات العُمانية المساندة في قطاع الطيران قادرة على تصدير خبرتها، وتحقيق إيرادات ونمو خارج السوق المحلي، بما يعزز مكانة عُمان في هذا القطاع إقليميًّا ودوليًّا.

تحول أوسع

واختتم معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي حديثه في هذا المحور بالتأكيد على أن ما يجري في قطاع النقل الجوي ليس مجرد معالجة جزئية لبعض الملفات، بل تحول أوسع في فلسفة التشغيل والتنظيم، يقوم على إعادة بناء القطاع بطريقة أكثر كفاءة، وأكثر انسجامًا مع أولويات سلطنة عمان الاقتصادية والسياحية، ومع ما يفرضه واقع المنافسة الإقليمية والدولية.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التحسن، سواء في أداء الطيران العُماني، أو في تنظيم العلاقة مع طيران السلام، أو في تنشيط المطارات المحلية، أو في توسيع حضور الشركات العُمانية المرتبطة بالطيران خارج البلاد، بما يجعل هذا القطاع أكثر قدرة على خدمة التنمية، وأقرب إلى الاستدامة والفاعلية.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو