د. حارث الحارثي لـ«الوصال»: نسبة التعمين المفروضة قد تدفع العيادات الصغيرة إلى توظيف وظائف غير مستدامة.. والكوادر المرخصة تمثل أكثر من 90% من العاملين
ساعة الظهيرة
الوصال ـ طرح الدكتور حارث الحارثي، الرئيس التنفيذي لشركة سوفتال للأنظمة الصحية، جملة من التحديات التي تواجه المؤسسات الصحية الصغيرة والمتوسطة عند تطبيق نسب التعمين، مؤكدًا أن الإشكالية لا تتعلق بمبدأ التعمين بحد ذاته، وإنما بطريقة التطبيق ومدى مراعاة خصوصية القطاع الصحي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على كوادر مهنية مرخصة قد لا تتوافر بأعداد كافية في سوق العمل.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال أن أكثر من 90% من العاملين في المؤسسات الصحية يقدمون خدمات تتطلب تراخيص مهنية، من أطباء وتمريض وصيادلة وعلاج طبيعي وفئات فنية أخرى، مشيرًا إلى أن شح هذه الكوادر يجعل بعض نسب التعمين المحددة صعبة التحقيق عمليًا لدى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وأضاف أن الهدف الوطني المتمثل في توفير فرص عمل للشباب يحظى بتوافق كامل، إلا أن المطلوب ـ بحسب قوله ـ هو الوصول إلى وظائف حقيقية ومستدامة، لا الاكتفاء بتحقيق نسب رقمية قد لا تعكس واقع احتياجات المنشأة أو قدرتها على الاستمرار.
40% نسبة يصعب تحقيقها
وأشار الحارثي إلى أن نسبة التعمين العامة التي تطبق على المؤسسات الصحية الصغيرة والمتوسطة تقارب 40%، لافتًا إلى أن تحقيقها يصبح معقدًا عندما تكون غالبية الوظائف في المنشأة مرتبطة بتخصصات صحية تحتاج إلى تراخيص مهنية ولا تتوافر فيها أعداد كافية من الباحثين عن عمل.
وبيّن أن المنشأة الصحية لا تستطيع تعيين شخص غير حاصل على الترخيص المهني لشغل وظيفة طبية أو فنية، وهو ما يفرض قيودًا تختلف عن القطاعات التي يمكن أن تستبدل فيها بعض الوظائف بسهولة أكبر. وأوضح أن بعض الاشتراطات الموضوعة للحصول على الاستثناء تتضمن الوصول إلى نسب محددة في فئات وظيفية مختلفة، أو تحقيق نسبة تعمين عامة تبلغ 20%، أو توظيف 50 عُمانيًا، معتبرًا أن شرط توظيف 50 مواطنًا لا يتناسب مع تعريف المؤسسة الصغيرة والمتوسطة.
توظيف 50 عُمانيًا يخرج المنشأة من حجمها
وقال الحارثي: إن المؤسسة الصحية التي توظف 50 عُمانيًا قد يصل إجمالي عدد العاملين فيها إلى نحو 500 موظف، وفي هذه الحالة لا تعود عمليًا مؤسسة صغيرة أو متوسطة، بل تنتقل إلى نطاق المنشآت الكبيرة. ورأى أن بعض الاشتراطات قد تكون مناسبة لمنشآت كبيرة، لكنها لا تراعي وضع العيادات والمراكز الصحية الصغيرة التي تعمل بعدد محدود من الموظفين والفروع، وتواجه في الوقت نفسه متطلبات مهنية وفنية عالية.
وأضاف أن صعوبة تحقيق النسب تنعكس على المنشأة في صورة رسوم أعلى وتحديات متكررة عند استكمال التراخيص والإجراءات، إلى جانب الوقت والجهد المبذولين في طلب الاستثناءات وإثبات عدم توفر الكوادر المطلوبة.
الخدمة قد تتعطل بعد شراء المعدات
ولفت الحارثي إلى أن هذه الاشتراطات قد تؤثر بصورة مباشرة في توسع المنشآت الصحية، موضحًا أن المستثمر قد يجهز خدمة جديدة ويشتري الأجهزة والمعدات والمستلزمات بمبالغ كبيرة، ثم يتعثر عند الوصول إلى مرحلة توفير الكادر بسبب نسب التعمين المحددة. وأشار إلى أن هذا الوضع يضع المؤسسة أمام خسائر محتملة، لأنها تكون قد دفعت كلفة تجهيز الخدمة قبل أن تتمكن من تشغيلها، ما يحد من قدرتها على التوسع وإضافة خدمات صحية جديدة للسوق.
وشدد على أهمية التدرج في التعامل مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال مراحلها التأسيسية، موضحًا أن التدفقات المالية في هذه المرحلة غالبًا ما تكون متذبذبة وليست مستقرة، ولذلك تحتاج المنشأة إلى دعم وتمكين يساعدها على النمو قبل تحميلها اشتراطات مماثلة للمؤسسات الأكبر.
وظيفة حقيقية لا رقم في نهاية الشهر
وانتقد الحارثي التعامل مع التعمين من زاوية الأرقام فقط، معتبرًا أن مطالبة المنشأة بخلق وظيفة لمجرد استكمال نسبة محددة قد تنتج وظيفة غير مستدامة ولا ترتبط بحاجة حقيقية داخل المؤسسة. وأوضح أن الكوادر الإدارية والمساندة لا تشكل سوى نسبة محدودة في كثير من المؤسسات الصحية، بينما تتركز غالبية الوظائف في التخصصات الطبية والفنية، ولذلك فإن فرض نسبة موحدة دون مراعاة التركيبة الفعلية للمنشأة قد يدفعها إلى توظيف أشخاص فقط لاستيفاء النسبة.
وأكد أن المعيار الأهم يجب أن يكون استدامة الوظيفة، لأن المنشأة إذا تعرضت للخسارة أو الإغلاق فإن الموظف العُماني سيعود مجددًا إلى سوق الباحثين عن عمل، وبذلك لا تتحقق الغاية الأساسية من التعمين.
استدامة المؤسسة جزء من التعمين
ورأى الحارثي أن ربحية المؤسسة واستمراريتها لا تتعارضان مع التعمين، بل تمثلان شرطًا أساسيًا لنجاحه، موضحًا أن صاحب المنشأة عندما يوظف عُمانيًا يحتاجه فعليًا في العمل فإنه يستثمر في تدريبه وتأهيله ليستمر معه لسنوات. وأشار إلى أن النظر إلى أثر المؤسسة لا ينبغي أن يقتصر على عدد الوظائف التي أوجدتها، بل يشمل كذلك الخدمات التي وفرتها داخل سلطنة عُمان وتقليل الحاجة إلى سفر المواطنين للعلاج في الخارج.
وضرب مثالًا بإنشاء عيادة متخصصة لعلاج الألم، موضحًا أن توفير مثل هذه الخدمة محليًا يسهم في إبقاء جزء من الإنفاق داخل البلاد، إلى جانب توفير وظائف وخدمة صحية يحتاجها المرضى.
المؤسسات الصغيرة تحتاج معاملة مختلفة
وأكد الحارثي أن المطلوب هو تجاوز التفكير قصير الأمد في ملف التعمين، والانتقال إلى سياسات تراعي قدرة المنشأة على خلق فرص عمل مستدامة والنمو على المدى البعيد، خصوصًا في القطاع الصحي. وأضاف أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى عناية مختلفة في مرحلة التأسيس، لأن استقرارها ينعكس في النهاية على استقرار الوظائف التي توفرها.
ولفت إلى أن حالة عدم اليقين بشأن استمرار بعض العيادات والمؤسسات الصحية الصغيرة تنعكس حتى على الموظفين العُمانيين أنفسهم، إذ يتعامل بعضهم مع الوظيفة باعتبارها محطة مؤقتة بسبب الخوف من إغلاق المنشأة أو تعثرها. وأوضح أنه التقى موظفين عُمانيين يعملون في هذا النوع من المؤسسات، وقال إن بعضهم يفضّل البحث عن فرصة أخرى أكثر استقرارًا لأنه لا يعرف ما إذا كانت المنشأة التي يعمل بها ستواصل نشاطها مستقبلًا.
وأكد الحارثي في ختام حديثه أن تحقيق التعمين بصورة فعالة يتطلب مراعاة طبيعة كل قطاع وحجم المنشأة وتوفر الكوادر المؤهلة، بحيث تكون النسب والاشتراطات أداة لخلق وظائف مستدامة، لا سببًا في إضعاف المؤسسات التي يفترض أن تولد هذه الوظائف.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


