خالد المعولي لـ «الوصال»: السيد فهد كان صوت الحكمة والاتزان في إدارة العلاقة بين مؤسسات الدولة ومجلس الشورى
بث استثنائي
الوصال ــ استعاد معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي، رئيس مجلس الشورى، في شهادة اتسمت بكثير من الوفاء والتقدير، ملامح من شخصية المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، متوقفًا عند علاقته بمجلس الشورى ومجلس عُمان، وطريقته في إدارة الحوار مع المؤسسات، وما اتسم به من حلم، ورجاحة عقل، وبعد نظر، في التعاطي مع القضايا الوطنية في مختلف مراحل العمل العام.
فقد كبير لشخصية وطنية محورية
واستهل معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي شهادته بالتأكيد على أن رحيل صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد يمثل فقدًا كبيرًا لعُمان، بوصفه واحدًا من أعمدة بناء الدولة الحديثة، ومن الشخصيات التي التصقت أسماؤها بمسيرة النهضة المباركة منذ بداياتها الأولى. وبيّن أن الحديث عن الراحل لا ينفصل عن الحديث عن تاريخ طويل من العمل الوطني، والعطاء المتواصل في خدمة الدولة ومؤسساتها، إلى جانب حضوره الفاعل في إدارة الشأن العام على مدى عقود.
وأشار إلى أن صاحب السمو كان من أوائل رجالات الدولة الذين لبّوا نداء الواجب الوطني في سنوات التأسيس الأولى، وظل حاضرًا في مختلف مراحل البناء والتطوير، سواء في المناصب التي تقلدها، أو في الأدوار التي اضطلع بها في تمثيل السلطنة، أو في الإسهام في توجيه العمل الحكومي ومتابعة الملفات الكبرى المرتبطة بمصالح الوطن والمواطن.
صلة دائمة بمجلس الشورى ومجلس عُمان
وتحدث معاليه عن طبيعة العلاقة التي جمعت صاحب السمو بمجلس الشورى ومجلس عُمان، موضحًا أن هذه العلاقة لم تكن علاقة شكلية أو بروتوكولية، بل كانت علاقة عمل وتنسيق وتواصل دائم، بحكم موقعه نائبًا لرئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، وما يقتضيه هذا الموقع من متابعة متواصلة للعلاقة بين مجلس الوزراء والمجالس التشريعية، وما يندرج تحتها من موضوعات وقضايا تتصل بالشأن الوطني.
وأوضح أن اللقاءات التي كانت تجمعهم بسموه، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال مكتب المجلس، كانت لقاءات دورية ومباشرة، تُطرح خلالها مختلف المسائل المرتبطة بالعمل الوطني، وكان سموه خلالها حاضرًا بذهن متقد، واستماع عميق، وحرص واضح على فهم ما يُطرح من آراء وملاحظات ورؤى.
وأضاف أن هذا التواصل المستمر عكس فهمًا راسخًا لدى الراحل لأهمية التكامل بين مؤسسات الدولة، وإيمانه بأن الحوار بين الجهات المختلفة هو جزء أصيل من نضج العمل الوطني، ومن حسن إدارة الشأن العام في الدولة الحديثة.
الحلم سمة بارزة في شخصيته
وتوقف معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي عند واحدة من أبرز السمات التي طبعت شخصية صاحب السمو، وهي الحلم. وقال إن هذه الصفة كانت واضحة في طريقته في الاستماع إلى الآخرين، وفي كيفية تعاطيه مع النقاشات والآراء المطروحة، حتى في اللحظات التي قد تتسم فيها بعض المداخلات بالقوة أو الحدّة أو التباين الواضح في وجهات النظر.
وبيّن أن سموه كان يتعامل مع ذلك كله بهدوء واتزان، من غير انفعال، ومن غير تجاوز، بل بروح تستوعب الجميع، وتفهم أن اختلاف الآراء جزء طبيعي من العمل العام. وأضاف أن هذا الحلم لم يكن مجرد سمة شخصية، بل كان أسلوبًا في القيادة، جعل الحوار معه مريحًا ومثمرًا، وأتاح للمؤسسات المختلفة أن تتفاعل معه بثقة واحترام.
وأشار إلى أن هذه السمة كانت تعكس شخصية قيادية ناضجة، تعرف أن قوة المسؤول لا تتجلى في حدّة الرد أو فرض الرأي، وإنما في القدرة على الاستماع، والاحتواء، وتقديم الجواب المناسب في وقته وبأدواته الهادئة.
رجاحة عقل وبعد نظر
كما أكد معاليه أن صاحب السمو كان يتمتع برجاحة عقل واضحة في تعاطيه مع القضايا المطروحة، سواء في الشأن الداخلي أو في الملفات التي تتصل بعلاقات السلطنة ومكانتها ودورها. وقال إن سموه لم يكن يتعامل مع الموضوعات المطروحة بمنطق مباشر أو قصير المدى، بل كان ينظر إليها من زاوية أوسع، ويقرأ أبعادها ونتائجها وما يمكن أن تؤول إليه على المدى البعيد.
وأضاف أن هذه النظرة البعيدة كانت تظهر بوضوح في اللقاءات المشتركة، وفي النقاشات التي تتعلق بالقضايا الوطنية، إذ كان سموه يوازن بين مختلف الاعتبارات، ويضع المصلحة العامة في إطارها الأوسع، بما يجعله قادرًا على تقديم رأي يتسم بالنضج والهدوء والاتزان.
وأوضح أن هذه الخاصية هي التي جعلت حضوره مؤثرًا، وجعلت كثيرًا من الآراء التي كان يطرحها تحظى بالاحترام والتقدير، لأنها صادرة عن تجربة طويلة، وعن وعي عميق بما يحيط بعُمان من ظروف وما يقتضيه الحفاظ على استقرارها ومكانتها ومصالحها.
أسلوب راقٍ في إدارة الاختلاف
وفي حديثه عن طبيعة تعاطيه مع مجلس الشورى، أشار معالي الشيخ خالد المعولي إلى أن صاحب السمو كان يدرك أن المجلس بوصفه مؤسسة منتخبة يحمل آراء وتصورات قد تختلف أحيانًا مع ما يُطرح في الجهات التنفيذية، لكن سموه كان يتعامل مع هذا الاختلاف باعتباره أمرًا طبيعيًا في بنية العمل المؤسسي، لا باعتباره مصدر توتر أو إشكال.
وبيّن أن سموه كان يحرص على إدارة هذه المساحات من التباين بروح عقلانية وهادئة، تقوم على الشرح، والتحليل، وتوضيح ما يراه أصلح لعُمان، من غير مصادرة لوجهات النظر، ومن غير تضييق على الآراء. وأضاف أن هذه الطريقة جعلت الحوار معه مثمرًا، لأنها أتاحت فهمًا أعمق للقضايا، وفتحت مجالًا لالتقاء الرؤى تحت سقف المصلحة الوطنية.
وأكد أن صاحب السمو كان يعي تمامًا أن كل طرف قد ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، لكنه في النهاية كان يسعى إلى توجيه الحوار نحو ما يخدم الصالح العام، لا إلى تكريس الاختلاف أو تضخيمه.
حضور مؤثر في أدق الملفات
ولفت معاليه إلى أن صاحب السمو، بحكم سنواته الطويلة في العمل العام، وبحكم قربه من دوائر القرار ومشاركته في مختلف مراحل النهضة، كان يدرك بعمق ما يحيط بعُمان من تحديات، وما تحتاجه من رؤى متزنة في التعامل مع القضايا الكبرى. وقال إن هذا الإدراك كان حاضرًا في مختلف الملفات، سواء تلك المتعلقة بالشأن الداخلي، أو بالقضايا المرتبطة بعلاقات السلطنة ومحيطها.
وأضاف أن هذا الحضور لم يكن حضورًا شكليًا أو إداريًا، بل كان حضورًا مؤثرًا يقوم على فهم وتجربة، وهو ما جعل كثيرًا من المسؤولين والجهات ينظرون إليه بوصفه أحد الأسماء التي تقرن بالحكمة والوزن في الدولة.
لقاء أخير وذهن متقد
وأشار معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي إلى أن من آخر لقاءاته بصاحب السمو كان في الصيف الماضي، مؤكدًا أنه خرج من ذلك اللقاء بانطباع واضح عن الحضور الذهني المتقد لسموه، رغم ما كان يمر به من ظروف صحية. وقال إن هذا المشهد كان معبرًا عن شخصية بقيت حتى اللحظات الأخيرة حاضرة بوعيها، واهتمامها، واتصالها بالشأن العام.
وأوضح أن هذا الحضور الذهني ليس أمرًا عابرًا، بل يعكس مسيرة طويلة من الارتباط الحقيقي بالمسؤولية، والاشتغال المستمر بقضايا الوطن، والحرص على المتابعة والفهم والإدراك حتى في المراحل المتقدمة من العمر والخدمة.
رجل دولة ترك أثرًا ممتدًا
وفي ختام شهادته، أكد معالي الشيخ خالد بن هلال المعولي على أن عُمان فقدت برحيل صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد شخصية وطنية كبيرة، كانت حاضرة في مسار الدولة الحديثة، وترك رحيلها فراغًا في الذاكرة الوطنية وفي وجدان من عرفوه وعملوا معهم.
وأكد أن ما يميز الراحل ليس فقط طول سنوات الخدمة، بل نوعية الأثر الذي تركه، سواء في مؤسسات الدولة، أو في أسلوب إدارة الملفات، أو في تعامله مع الناس والمؤسسات، أو في ما مثله من نموذج للهدوء والحكمة والحلم ورجاحة العقل. وختم بالدعاء إلى الله تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله والوطن كله الصبر والسلوان.
لمتابعة البث الاستثنائي على الوصال «عُمان تودع السيد فهد» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


