الوصال ــ في شهادة اتسمت بكثير من التقدير والوفاء، استعاد معالي الشيخ خالد بن عمر المرهون، وزير الخدمة المدنية السابق، جوانب من سيرة المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، متوقفًا عند محطات من مسيرته الطويلة في العمل العام، وعلاقته به خلال سنوات العمل في مجلس الوزراء، ومستعرضًا ما اتسمت به شخصيته من تواضع، واتزان، وثقافة واسعة، وقدرة استثنائية على إدارة الشأن العام.

ركن من أركان الدولة العُمانية الحديثة

واستهل معالي الشيخ خالد المرهون حديثه بالتأكيد على أن الراحل الكبير كان «ركنًا من أركان الدولة العُمانية الحديثة»، مشيرًا إلى أن فقده يمثل خسارة وطنية كبيرة، ليس فقط بسبب المناصب التي تقلدها، ولكن أيضًا لما أداه من أدوار محورية امتدت على مدى عقود في خدمة الوطن والقيادة.

وأوضح أن استعراض السيرة الوظيفية لصاحب السمو يكشف عن تجربة استثنائية بكل المقاييس، إذ بدأ مسؤوليته مع بواكير النهضة المباركة، فتولى وزارة الشؤون الخارجية بين عامي 1971 و1973، ثم وزارة الإعلام والسياحة، ثم وزارة الإعلام والثقافة، قبل أن يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون القانونية، ثم نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء منذ عام 1994 وحتى وفاته. وأضاف أن هذه المسيرة تعني أن سموه عاصر مختلف مراحل النهضة الحديثة، وكان حاضرًا فيها بفاعلية وإسهام مباشر.

سيرة استثنائية وشخصية مبهرة

ورأى معاليه أن ما يميز صاحب السمو لا يقتصر على طول الخدمة ولا على حجم المسؤوليات التي تقلدها، بل يمتد إلى طبيعة شخصيته ذاتها، واصفًا إياه بأنه كان «شخصًا مبهرًا في كل شيء». وأوضح أن أول ما يلفت في شخصيته هو التواضع الجم، رغم ما شغله من مواقع قيادية رفيعة، إلى جانب اتزانه الشديد في كل ما يصدر عنه من رأي أو موقف أو حديث.

وأشار إلى أن سموه كان يتمتع بثقافة موسوعية واسعة، انعكست في حضوره وفي طريقة تعاطيه مع القضايا، سواء في الاجتماعات الرسمية أو في اللقاءات الثنائية أو في المحافل الإقليمية والدولية. وأضاف أن هذه الثقافة لم تكن مجرد معرفة نظرية، بل كانت مقرونة بخبرة طويلة وتجربة عميقة، جعلتا من حديثه في أي موضوع إضافة حقيقية لمن يستمع إليه.

مدرسة في العمل العام

وعن تجربته الشخصية معه، أوضح معالي الشيخ خالد بن عمر المرهون أنه حين التحق بالحكومة وزيرًا عام 2011، وجد في صاحب السمو مدرسة متكاملة في العمل العام، مؤكدًا أنه كان مدرسة في الأخلاق، وفي التحضير، وفي إدارة الاجتماعات، وفي فهم الملفات المطروحة للنقاش.

وقال إن الراحل كان يترأس الجلسات الأسبوعية لمجلس الوزراء على مدى عقود طويلة، وكان جدول الأعمال في كل جلسة زاخرًا بملفات متعددة، لكن اللافت في أدائه هو حجم التحضير الذي كان يسبق مناقشته لكل بند، بحيث يشعر من يجلس معه أنه أمام مسؤول يعرف التفاصيل الدقيقة لكل موضوع، ويستحضر خلفياته وأبعاده، ويضيف إليه من تجربته وفهمه ما يجعل النقاش أكثر نضجًا وثراء.

وأضاف أن هذا الأسلوب في التحضير لم يكن مسألة تنظيمية فحسب، بل كان جزءًا من شخصيته القيادية، التي تؤمن بأن العمل العام مسؤولية تتطلب الجدية والانتباه والدقة، لا الاكتفاء بالشكل أو المجاملة.

التواضع في التعامل مع الوزراء والمسؤولين

وتوقف معاليه عند جانب إنساني بارز في شخصية الراحل، يتمثل في تواضعه في التعامل مع من حوله، مؤكدًا أن فارق السن والخبرة والموقع لم يكن ينعكس في طريقة تعامله مع الوزراء والمسؤولين. وقال إن صاحب السمو، رغم أنه سبق كثيرًا من أعضاء مجلس الوزراء بأربعة عقود أو أكثر في العمل الحكومي، كان يعاملهم كزملاء، لا من موقع التفوق أو الفرض.

وبيّن أن سموه لم يكن يفرض رأيًا فرضًا، حتى حين يكون قادرًا على ذلك، بل كان يفضل دائمًا الحوار والنقاش والوصول إلى القناعة المشتركة، وهو ما جعل العمل معه مريحًا ومثمرًا في الوقت نفسه. وأضاف أن هذه الروح الحوارية كانت من أبرز سمات حضوره في مؤسسات الدولة، لأنها كانت تتيح للجميع مساحة للتعبير، وفي الوقت نفسه تحافظ على هيبة القرار ورصانته.

حضور لافت في اللقاءات الرسمية والزيارات الخارجية

كما تطرق معالي الشيخ خالد المرهون إلى حضور صاحب السمو في اللقاءات الرسمية مع الوفود والوزراء الزائرين، مشيرًا إلى أن تلك اللقاءات كانت تضيف بعدًا مهمًا لأي زيارة رسمية. وأوضح أن كثيرًا من الوزراء الضيوف كانوا يخرجون من مقابلة سموه بانطباع استثنائي عن الشخصيات القيادية العُمانية، لما يلمسونه من عمق في الطرح، وسعة في الأفق، وقدرة على مناقشة القضايا من منظور واسع ومتزن.

وأضاف أن اللقاءات التي كانت تجمع الراحل بالمسؤولين الأجانب لم تكن مجرد مواعيد بروتوكولية، بل كانت تترك أثرًا إيجابيًا مباشرًا في تعزيز العلاقات الثنائية، لأن الضيف كان يجد أمامه شخصية متمكنة، تحسن الاستماع، وتتحدث بقدر كبير من الحكمة والوضوح، وتعكس الصورة الحقيقية للنهج العُماني في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.

رمزية خاصة في القمم الخليجية

وفي استحضاره لدور صاحب السمو في المحافل الخليجية، أشار معاليه إلى أنه عرفه عن قرب أيضًا من خلال حضوره ومشاركته في قمم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حين كان يمثل سلطنة عُمان في عدد من المناسبات. ولفت إلى أن حضوره في تلك القمم كان يعكس رمزية الشخصية العُمانية المتزنة، التي تنظر إلى الأمور من منظور أشمل وأبعد من الحسابات الضيقة أو اللحظية.

وأوضح أن سموه كان موضع تقدير كبير من قادة دول الخليج، ليس فقط لأنه كان يمثل السلطنة في تلك المحافل، بل لأن طرحه كان دائمًا يتسم بالحكمة والاتزان والابتعاد عن الاستقطاب، مع الحرص على تغليب مصلحة المنطقة والإقليم على أي اعتبارات أخرى. وأضاف أن هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج عقود من العمل والخبرة والحضور المسؤول في مختلف الملفات.

ثقافة واسعة وخبرة ممتدة

ولفت معالي الشيخ خالد المرهون إلى أن تكوين صاحب السمو العلمي والثقافي كان واحدًا من العوامل التي صنعت تميزه في العمل العام، إذ جمع بين الدراسة الأكاديمية في الاقتصاد والعلوم السياسية، وبين المعايشة المباشرة لمراحل بناء الدولة الحديثة، وهو ما وفر له قاعدة معرفية وخبرة عملية نادرة.

وقال إن هذا المزيج بين الدراسة والتجربة انعكس في كل ما كان يطرحه من آراء ومواقف، سواء داخل مجلس الوزراء أو في اللقاءات الخارجية، أو في الحوارات المتعلقة بالشأن الوطني. وأكد أن من عاشر سموه كان يلمس فيه هذه السعة في المعرفة والقدرة على الربط بين مختلف الجوانب، وهو ما جعل منه شخصية قيادية يصعب اختزال أثرها في منصب أو مهمة بعينها.

فقد كبير لشخصية استثنائية

وفي ختام شهادته، أكد معالي الشيخ خالد بن عمر المرهون أن الحديث عن صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد لا يمكن أن يحيط بكل ما قدمه للوطن، لأن مسيرته ممتدة وعميقة ومتشعبة، ولأن أثره حاضر في كثير من مفاصل الدولة ومؤسساتها. وأوضح أن عُمان فقدت برحيله شخصية استثنائية بكل معنى الكلمة، وشخصية تركت بصمة واضحة في مسيرة النهضة العُمانية الحديثة.

وقال إن صاحب السمو كان من أولئك الرجال الذين لا يقاس حضورهم فقط بطول المدة التي قضوها في المسؤولية، بل أيضًا بنوع الأثر الذي تركوه، وبما قدموه من إخلاص وعطاء وتجرد في خدمة الوطن. وختم بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأن يتقبله الله في أعلى الجنان، وأن يلهم أسرته وذويه والوطن كله الصبر والسلوان.

لمتابعة البث الاستثنائي على الوصال «عُمان تودع السيد فهد» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو