الوصال ــ قدّم علي بن جمعة اللواتي، المطور العقاري ورئيس لجنة التطوير العقاري بغرفة تجارة وصناعة عُمان، في حلقة جديدة من برنامج «الابن البار» الذي يقدمه الإعلامي سالم العمري، وبمشاركة صانع المحتوى العقاري عبدالعزيز اليحمدي عبر إذاعة الوصال، وحملت عنوان «التطوير العقاري بين الماضي والحاضر»، قراءة موسّعة لتحولات السوق العقاري في سلطنة عُمان، متناولًا تطوره التاريخي، والفرص الجديدة التي أفرزتها مرحلة البيع على الخارطة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالمقاولات، والتنظيم العقاري، والمحتوى المحلي، ومفاهيم الادخار والاستثمار في العقار.

معاناة المقاول بين طرفين

استهل اللواتي حديثه بالتوقف عند المقولة التي ارتبطت باسمه وانتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي بشأن المقاولين، موضحًا أن العبارة أُخرجت من سياقها، وأن مقصده لم يكن الهجوم على المقاولين بقدر ما كان يسعى إلى إبراز حجم المعاناة التي يعيشونها. وتناول واقع المقاول بوصفه الحلقة الأضعف في قطاع البناء والتشييد، إذ يواجه مشكلات من جهتين؛ فمن ناحية يُطالب بتنفيذ العمل بالجودة المطلوبة وفي الوقت المحدد، ومن ناحية أخرى يتعرض لتأخر المستحقات أو تعثر السداد من بعض المطورين أو أصحاب المشاريع، الأمر الذي يضعه بين ضغط الالتزامات وضغط توقعات العملاء.

وبيّن أن المقاول الجاد يواجه إشكاليات حقيقية في السوق، خاصة أن موردي مواد البناء يحصلون عادة على ضمانات أو دفعات مقدمة أو اعتمادات بنكية أو شيكات، بينما لا تتوفر للمقاول غالبًا الأدوات ذاتها في مواجهة المطور أو الزبون، فيبقى معرضًا للتأخير والتبعات المالية. وأشار إلى أن هذه التحديات جعلت كثيرًا من المقاولين الجادين يواجهون ضغوطًا تؤثر على جودة التنفيذ أو سمعة المشروع أو استمرارية الشركة.

ولفت إلى أن السوق العُماني شهد بعد جائحة كورونا فجوة في عدد شركات المقاولات الجيدة، نتيجة تعثر بعض الشركات أو خروجها من السوق، لكنه رأى أن التطور العمراني الجاري في سلطنة عُمان من شأنه أن يعيد بروز شركات مهنية أكثر كفاءة، وأن المطورين بدأوا يدركون أن اختيار المقاول المناسب لم يعد خيارًا ثانويًا، بل عنصرًا حاسمًا في المحافظة على الجودة والالتزام بالمواعيد وحماية السمعة.

من البناء للتأجير إلى البيع على الخارطة

وعاد اللواتي إلى الجذور التاريخية لتجربته مع العقار، مستعرضًا بدايات السوق العقاري في سلطنة عُمان منذ السبعينيات، حين كانت الدولة تشجع التملك والبناء، وكانت الأراضي تُمنح أو تُشترى بأسعار متواضعة جدًا مقارنة بما آلت إليه لاحقًا. واستحضر مشاهداته المبكرة لتجربة والده في شراء الأرض والبناء عليها رغم محدودية الإمكانات، موضحًا أن العقار آنذاك لم يكن يُنظر إليه بوصفه سلعة للبيع السريع، بل أصلًا يُبنى للتأجير وتحقيق دخل مستمر.

وأوضح أن السوق العقاري مرّ بمراحل متدرجة، بدأت بمرحلة «أبني حتى أؤجر»، ثم تطورت إلى «أبني وأؤجر ثم أبيع المبنى كاملًا»، قبل أن تصل لاحقًا إلى المرحلة الأكثر نضجًا، وهي «البيع على الخارطة». وأشار إلى أن أول تجربة له في المبيعات العقارية تعود إلى عام 2006 حين اشترى مع شقيقه أرضًا في الخوير، وبنيا عليها مشروعًا وشرعا في بيع الوحدات، في وقت لم يكن فيه بيع الشقق والوحدات منتشرًا كما هو اليوم.

وأضاف أن النقلة النوعية الأوضح جاءت مع المجمعات السكنية المتكاملة التي سمح فيها بالتملك للأجانب، مشيرًا إلى مشروع «لؤلؤة مسقط» في مسقط هيلز، الذي مثّل إحدى المحطات المهمة في هذا التحول، وفتح الباب أمام استمرارية البيع على الخارطة بوصفه نموذجًا حديثًا للتطوير العقاري.

لماذا سُمّي العقار بالابن البار؟

وتناول اللواتي خلال الحوار المفهوم الذي يستند إليه اسم البرنامج نفسه، موضحًا أن وصف العقار بـ«الابن البار» لا يرتبط بالمطور العقاري بقدر ما يرتبط بالمالك أو المستثمر الذي ينظر إلى العقار بوصفه أصلًا يدر دخلًا منتظمًا ويحفظ الاستقرار المالي في المستقبل. وأوضح أن العقار المؤجر يمثل بالنسبة لكثير من الأسر ضمانًا طويل الأمد، وأنه «يمرض ولا يموت»، في إشارة إلى قدرته على تجاوز فترات الركود مع الاحتفاظ بقيمته الأساسية.

وأشار إلى أن جائحة كورونا كشفت هذه الحقيقة بوضوح، إذ عانت كثير من الأسر من تراجع بعض مصادر الدخل، بينما بقيت الإيجارات بالنسبة لأصحاب العقارات مصدرًا ثابتًا نسبيًا يساعد على تغطية الالتزامات والمصاريف. وربط بين هذا الفهم وبين ثقافة الادخار والاستثمار لدى فئات واسعة من الشباب العُماني، الذين أصبحوا أكثر وعيًا بأهمية تكوين محفظة عقارية تساندهم بعد التقاعد أو عند تزايد الالتزامات الأسرية.

وأوضح أن شراء وحدة سكنية أو تجارية لم يعد لدى كثيرين مجرد ترف أو قرار استهلاكي، بل أصبح جزءًا من التخطيط للمستقبل، بحيث يتحول العقار إلى أصل ينمو مع الزمن ويقدّم دخلًا مستمرًا، تمامًا كما يربّي الإنسان ابنه على أمل أن يسانده حين يكبر.

«دك ولا لك».. فلسفة متوارثة في تفضيل الأصل على السيولة

كما توقف اللواتي عند العبارة الخليجية الشائعة «دك ولا لك»، موضحًا أن «الدك» يقصد بها البسطة أو الجزء الثابت المبني من الحجر أو الأسمنت، بينما تشير «لك» -بحسب ما يرجح- إلى مئة ألف، وهي كلمة متداولة في بعض البيئات الخليجية بتأثير هندي قديم. وشرح أن المعنى الكامن في هذه الحكمة الشعبية يتمثل في تفضيل الأصل العقاري الثابت على السيولة النقدية، لأن المال السائل قد يتآكل بالتضخم أو يُنفق بسهولة، بينما يظل العقار أصلًا يمكن الاتكاء عليه ويصعب التفريط فيه.

وبيّن أن هذه النظرة لم تأت من فراغ، بل تشكلت نتيجة خبرات طويلة لدى المجتمعات التي رأت في العقار وسيلة لحفظ الثروة والاستقرار وتوفير دخل لا ينقطع، مقارنة بالنقد الذي قد يذهب سريعًا في الإنفاق غير المنضبط.

محطات السوق العقاري عبر العقود

وفي قراءته للمشهد العقاري عبر العقود، أوضح اللواتي أن السبعينيات والثمانينيات مثلت مرحلة البناء من «اللاشيء إلى كل شيء»، مع توسع عمراني سريع وطلب كبير جدًا على العقارات في ظل محدودية المعروض وقلة التمويل ورأس المال. ثم جاءت التسعينيات لتشهد صعود أنماط جديدة من المشاريع العقارية الأكثر تنظيمًا وخدمات، مع تطور الاقتصاد وتنوع قطاعاته، وظهور نماذج سبقت زمانها مثل «بيت حطاط» ومدينة السلطان قابوس، التي قدمت تصورًا مختلفًا لمشاريع السكن والخدمات المتكاملة.

وأشار إلى أن تلك المرحلة بقيت محكومة بثقافة البناء للتأجير أكثر من البيع، وأن البيع كان غالبًا يتم للمبنى كاملًا، خاصة لصناديق التقاعد أو كبار التجار الذين كانوا يبحثون عن أصول تدر دخلًا ثابتًا. ولفت إلى أن العقار ظل يتمتع بجاذبية نفسية واجتماعية كبيرة، لكونه يمنح الاستقرار والعزة والطمأنينة، فضلًا عن سهولة فهمه مقارنة بأدوات استثمارية أخرى أكثر تعقيدًا مثل السندات أو بعض المنتجات المالية.

الأزمة المالية والفقاعة العقارية

وحين انتقل الحديث إلى مرحلة ما قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، أكد اللواتي أن السوق العُماني والخليجي عاش خلال 2007 طفرة كبيرة مدفوعة بارتفاع أسعار النفط وزيادة الإنفاق الحكومي والسيولة، ما انعكس على مختلف الأصول الاستثمارية، وفي مقدمتها الأراضي والعقار والأسهم. وذكر أن كثيرًا من الأراضي شهدت قفزات كبيرة في الأسعار، ودخل المضاربون السوق بقوة، حتى تحولت بعض الأصول إلى أدوات للمضاربة السريعة أكثر من كونها استثمارًا حقيقيًا.

ورأى أن ما حدث آنذاك كان أقرب إلى «فقاعة عقارية» لا مجرد تصحيح، موضحًا أن الفقاعة تنشأ عندما ترتفع الأسعار إلى مستويات غير مبررة اقتصاديًا، مدفوعة بتوقعات ومضاربات غير محسوبة. وأضاف أن كثيرين دخلوا السوق دون خبرة كافية، وبعضهم خرج منه بخسائر كبيرة أو مديونيات، بينما عاد السوق لاحقًا إلى مستوياته الطبيعية بعد انفجار الفقاعة.

وفي المقابل، أوضح أن الأزمة المالية العالمية لم تؤثر على دول الخليج بالطريقة نفسها التي أثرت بها في الاقتصادات الغربية، لأن المنطقة لم تكن مرتبطة بالأدوات المالية العقارية المعقدة نفسها، كما أن أساسياتها الاقتصادية ظلت متماسكة نسبيًا، إلا أن آثار الانخفاض والتراجع طالت حركة السوق والإيجارات بشكل متفاوت، تبعًا لمستويات الطلب والتوظيف والإنفاق.

الإيجارات بين المرونة وظروف السوق

وفي ما يتعلق بسوق الإيجارات، أوضح اللواتي أن الصورة النمطية القائلة إن ملاك العقارات في عُمان لا يخفضون الإيجارات غير دقيقة على إطلاقها، مشيرًا إلى أن السوق تحكمه معادلة العرض والطلب، وأن غالبية الملاك يتجاوبون مع المتغيرات السوقية بدرجات مختلفة. فالعقار الشاغر يكلّف مالكه صيانة دون عائد، ولذلك فإن الإبقاء على الوحدة فارغة لفترة طويلة ليس خيارًا اقتصاديًا في معظم الحالات.

وساق مثالًا من تجربته خلال الجائحة، حين اضطرت بعض البنايات القديمة التابعة للعائلة إلى خفض الإيجارات نتيجة ضعف الطلب، في حين تمكنت بنايات جديدة ذات جودة عالية وخدمات متقدمة في مواقع مرغوبة من رفع الإيجارات، بسبب انتقال المستأجرين من المباني الأقدم إليها. وخلص إلى أن نوعية المنتج العقاري وموقعه ومستوى خدماته تظل عوامل أساسية في تحديد مدى تأثره بالأزمات.

سوق جديد ومشهد مختلف

وفي قراءته للحاضر، شدد اللواتي خلال حديثه في برنامج «الابن البار» على أن سلطنة عُمان دخلت في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة تمامًا في السوق العقاري، عنوانها الأبرز هو التطوير العقاري الجاد القائم على البيع على الخارطة. ورأى أن ما يحدث اليوم ليس مجرد تطور طبيعي للسوق، بل تحول هيكلي في طريقة العمل، وفي طبيعة العلاقة بين المطور والمشتري، وفي مواصفات المنتج العقاري نفسه.

وأوضح أن المطور اليوم لم يعد يكتفي ببناء شقق أو محلات أو مكاتب تقليدية، بل بات مطالبًا بتقديم منتج متكامل يجمع بين السكن والخدمات وجودة الحياة، مع وجود مرافق مثل الأندية الرياضية وأحواض السباحة والأنظمة الذكية والمواقف والخدمات المساندة. وأضاف أن قاعدة المستهلكين في السلطنة تغيّرت أيضًا، مع بروز جيل شاب متعلم ومنفتح على التجارب العالمية ويتابع ما يجري في الأسواق المجاورة، ما رفع سقف التوقعات وطبيعة الطلب.

وأشار إلى أن المجمعات السياحية المتكاملة أسهمت بدور مهم في تغيير ثقافة البناء والاستثمار العقاري، من خلال مشروعات مثل بر الجصة، والموج، ومسقط هيلز، ويتي، وخليج مسقط، إذ أتاحت هذه المشاريع نماذج مختلفة من جودة الحياة والخدمات والاستدامة، وانتقلت تأثيراتها إلى السوق المحلي بشكل أوسع، حتى لمن لم يشتروا فيها مباشرة.

القانون التنظيمي.. حماية للسوق والمشترين

وفي هذا السياق، أكد اللواتي أهمية صدور قانون التنظيم العقاري في سلطنة عُمان، مبينًا أن هذا القانون جاء في توقيت بالغ الأهمية لضبط العلاقة بين جميع الأطراف وحماية السوق من الانفلات أو الممارسات التي قد تترك آثارًا سلبية على الاقتصاد والمجتمع. وأوضح أن البيع على الخارطة يمثل نموذجًا أكثر تعقيدًا من البناء للتأجير أو البيع التقليدي، لأنه يقوم على بيع وحدات لمستثمرين ومشترين قبل اكتمال التنفيذ، وهو ما يستلزم إطارًا قانونيًا وتنظيميًا واضحًا يضمن الحقوق ويمنع الخلل.

وأشار إلى أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني بذلت جهدًا ملحوظًا في هذا الجانب، سواء على مستوى إعداد القانون أو التوعية به أو الاستعداد لتطبيقه، مؤكدًا أن غرفة تجارة وصناعة عُمان ولجنة التطوير العقاري ساهمتا في مراجعة القانون واللائحة التنفيذية وإبداء الملاحظات بشأنها، إلى جانب ملفات أخرى ذات صلة مثل مشاريع «الصروح» ومدينة السلطان هيثم.

كيف يمكن أن يمتلك العُماني في مسقط؟

وعند التطرق إلى قضية قدرة العُماني على السكن والتملك في محافظة مسقط، أوضح اللواتي أن السوق بات يوفر اليوم خيارات أكثر تنوعًا مما كان عليه في السابق، سواء من خلال الفلل المستقلة في مناطق مثل المعبيلة والخوض والأنصب والموالح، أو من خلال المجمعات السكنية الخاصة، أو من خلال المشاريع الحكومية التي تطرحها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني مثل مدينة السلطان هيثم ومشاريع «الصروح» في عدد من الولايات.

ورأى أن مدينة السلطان هيثم تمثل مشروعًا رائدًا يمكن أن يعيد صياغة تجربة السكن في سلطنة عمان، لما تتضمنه من تصور لحي متكامل الخدمات والمرافق والمشاة والمدارس والمستشفيات والملاعب، بما يجعل خيار السكن فيها مختلفًا عن مجرد شراء فيلا في حي تقليدي. وأكد أن السوق لا يقدم منتجًا واحدًا للجميع، بل أصبح يوفّر خيارات متفاوتة في السعر والمواصفات، من الوحدات الموجهة للفئة المتوسطة إلى المنتجات عالية الجودة الموجهة للفئات الباحثة عن نمط حياة أكثر رفاهية.

وأشار إلى أن بعض الشركات العقارية، ومن بينها شركته، طرحت مشاريع في بوشر بأسعار تقترب من مستويات المجمعات السياحية المتكاملة، بعد قراءة أظهرت وجود شريحة من العمانيين تبحث عن منتج عقاري عالي الجودة داخل المناطق غير المخصصة للتملك الأجنبي، وهو ما أكدته سرعة الإقبال على تلك المشاريع.

الغرفة.. حلقة وصل ودور يتجاوز التمثيل

وفي حديثه عن لجنة التطوير العقاري بغرفة تجارة وصناعة عُمان، أوضح اللواتي أن الغرفة عبر لجانها القطاعية تمثل حلقة وصل مهمة بين القطاع الخاص والجهات الحكومية، سواء في مناقشة القوانين والتشريعات أو في معالجة بعض التحديات العملية أو في الدفع نحو تحسين البيئة الاستثمارية. ولفت إلى أن اللجنة أسهمت في مراجعة قانون التنظيم العقاري ولائحته التنفيذية، إلى جانب مناقشة قضايا المحتوى المحلي وتسويق مشاريع «الصروح» وتعزيز الوعي حول مدينة السلطان هيثم.

وأضاف أن الغرفة تتدخل أحيانًا في حل بعض الإشكالات العملية التي يواجهها المستثمرون أو المشترون، سواء كانت مرتبطة بعدم وضوح الإجراءات أو بسوء الفهم بين الأطراف، من خلال التواصل المباشر مع الجهات المعنية ومحاولة تقريب وجهات النظر. ورأى أن مستوى تجاوب المؤسسات الحكومية خلال السنوات الأربع الأخيرة كان كبيرًا وملحوظًا، وأن هناك حراكًا إيجابيًا يستحق الإشارة إليه.

المحتوى المحلي وتحديات السوق الصغيرة

وتناول اللواتي ملف المحتوى المحلي بوصفه أحد الملفات المهمة المرتبطة بالتطوير العقاري وقطاع البناء والتشييد، مشيرًا إلى أن المشروع العقاري الواحد يحرّك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والخدمات والمنتجات والوظائف، ولذلك فإن تعظيم نسبة القيمة المحلية المضافة فيه يمثل هدفًا اقتصاديًا مهمًا. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن هذا الملف معقد ويرتبط بعوامل هيكلية، من بينها صغر حجم السوق العُماني نسبيًا، ومحدودية القوة الشرائية، ووجود أسواق إقليمية أكبر وأكثر تنوعًا من حيث المستهلكين والطلب.

وأوضح أن الإمكانية النظرية لتوسيع استخدام المواد والخدمات المحلية قائمة، لكن التحدي يكمن في مستوى المنتج المتاح محليًا وفي جدواه الاقتصادية وقدرته التنافسية. وأشار إلى وجود اهتمام حكومي واضح بهذا الملف، لافتًا إلى أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أبدت استعدادًا للتعاون مع أي مستثمر يرغب في إنشاء مصانع أو مشاريع داعمة لسلاسل التوريد في القطاع العقاري، وهو ما يعكس توجها جادا لتعزيز المحتوى المحلي في المرحلة المقبلة.

الابتكار في الدمج بين العقار والسياحة

ومن بين التجارب التي عرضها اللواتي خلال الحوار، مبادرته إلى طرح فكرة التأجير اليومي المنظم ضمن بعض مشاريعه، بما يسمح بدمج التطوير العقاري مع النشاط السياحي بطريقة قانونية ومنظمة. وأوضح أنه توجه إلى وزارة التراث والسياحة بمقترح تفصيلي يتيح هذا النمط، انطلاقًا من قناعته بأن على القطاع الخاص أن يبتكر نماذج جديدة تتكامل مع أهداف رؤية عُمان 2040، لا أن يكتفي بانتظار المبادرات الحكومية.

وبيّن أن هذه التجربة أتاحت لمشروعات مثل «أمنية هيلز» و«أمنية إمبيريال» الاستفادة من موقعها وخدماتها العالية الجودة في تحقيق عوائد أفضل للمشترين، كما وفرت إطارًا منظمًا لنشاط موجود أصلًا في السوق لكنه كان يمارس خارج الأطر القانونية الواضحة.

حساب الضمان.. ممارسة سبقت القانون

وفي جانب آخر، كشف اللواتي أن شركته طبقت مبدأ قريبًا من حساب الضمان حتى قبل صدور القانون التنظيمي، من منطلق الحرص على الفصل بين أموال المشترين وأموال الشركة، وبين أموال كل مشروع وآخر، وهي فلسفة استقاها من خبرته الطويلة في قطاع أسواق المال. وأوضح أن المبالغ التي يدفعها المشترون ينبغي أن توجه حصريًا لخدمة المشروع الذي اشتروا فيه، لا أن تستخدم في مشاريع أخرى أو في مصروفات جانبية، معتبرًا أن الشفافية في هذا الجانب عنصر أساسي في بناء الثقة.

وأشار إلى أن العلاقة مع المشتري في هذه المرحلة لا ينبغي أن تكون علاقة بيع تقليدية، بل شراكة مؤقتة حتى تسليم الوحدة، بما يقتضي حق المشتري في السؤال والاطلاع والمتابعة، بل وزيارة الموقع واللقاء بالمهندسين والاطلاع على الجدول الزمني ومراحل التنفيذ.

العائد الاستثماري.. بين المالك والمطور

وفي ما يتعلق بالعوائد الاستثمارية، أوضح اللواتي أن العائد على الشقق في مشاريع المجمعات السياحية المتكاملة يتراوح عادة بين 3 و6 بالمائة، بينما يتراوح في المشاريع خارجها بين 5 و8 بالمائة، نظرًا لاختلاف مستويات الأسعار. أما في مشروعاته التي تعتمد على التأجير اليومي، فأعرب عن توقعه بتحقيق عوائد للمشترين تتراوح بين 10 و13 بالمائة، مستندًا إلى الموقع والخدمات ونمط التشغيل.

أما من منظور المطور العقاري نفسه، فأشار إلى أن العائد على الاستثمار في المشروع العقاري بعد بيع الوحدات قد يتراوح غالبًا بين 20 و40 بالمائة، مع وجود حالات استثنائية أعلى أو أقل، لكنه شدد على أن هذه النسب لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن المخاطر، لأن التطوير العقاري عمل معقد ومكلف، يستهلك جهدًا كبيرًا في التصميم والاستشارات والإشراف وإدارة المشروع والتسويق والالتزام بالجودة والشفافية.

العقار وريادة الأعمال في زمن التحول

وفي ختام الحوار، تطرق اللواتي إلى مستقبل العقار في ظل التحولات الرقمية وأنماط العمل الجديدة، موضحًا أن التفكير بمنطق «كل شيء أو لا شيء» لا يصلح في قراءة هذه التحولات. فبعض الأنشطة يمكن أن تستفيد من العمل عن بُعد أو تقل فيها الحاجة إلى المكاتب التقليدية، لكن هناك أنشطة أخرى ما زالت تحتاج إلى الحضور المادي والمقر المناسب لما يخلقه من ثقة وصورة ذهنية وقيمة مضافة.

وأشار إلى أن رائد الأعمال ينبغي أن يحدد طبيعة مشروعه واحتياجاته الفعلية قبل اتخاذ القرار، فلا يعمم حكمًا واحدًا على جميع القطاعات. واستشهد بحالات واقعية أظهرت أن وجود المكتب في موقع جيد وبتجهيز مناسب يمكن أن يصنع فارقًا في ثقة العملاء، حتى في الأعمال الاستشارية أو الخدمية التي تبدو للوهلة الأولى قابلة للإدارة عن بُعد.

وخلص اللواتي إلى أن جوهر أي نشاط تجاري يبدأ من العميل وينتهي عنده، وأن رضا العميل يظل الأساس الذي تُبنى عليه بقية عناصر النجاح. أما غياب هذا الرضا، فلا تنفع معه بقية المزايا مهما بدت كبيرة، لأن القيمة الحقيقية لأي مشروع أو شركة تقاس بما يحققه من ثقة ومصداقية لدى من يتعاملون معه.

لمتابعة حلقة «الابن البار» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو