البروفيسور. أيمن يوسف لـ«الوصال»: الذكاء الاصطناعي فرصة لإنقاذ العلوم الإنسانية وخطر حين يحتكره الغرب لتوجيه السرديات والحروب
منتدى الوصال
الوصال ــ تناول البروفيسور أيمن يوسف، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية بفلسطين، جملة من القضايا المتداخلة التي تربط بين الذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية، والتحولات في البيئة الجامعية، وأثر التقنية في الخطاب السياسي والسرديات المعاصرة، إلى جانب قراءته للمشهد الفلسطيني الراهن، وذلك خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال.
واستهل البروفيسور أيمن يوسف حديثه بالإشارة إلى أن الجامعة العربية الأمريكية في فلسطين، التي يقع مقرها الرئيس في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، تمثل اليوم واحدة من المؤسسات الأكاديمية المهمة في المشهد الفلسطيني، موضحًا أنها تضم نحو 12 ألف طالب موزعين بين حرميها في جنين ورام الله، وأنها نشأت في عام 2000 في لحظة مفصلية تزامنت مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وأضاف أن اختيار جنين جاء لكونها المدينة الفلسطينية الوحيدة آنذاك التي لم تكن تضم حرمًا جامعيًّا مستقلًّا، قبل أن تتحول الجامعة لاحقًا إلى فضاء جامع لفلسطينيي الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، إذ يشكل طلبة أراضي 48 نحو 30 بالمائة من مجموع طلبتها، بما جعلها بوتقة أكاديمية ووطنية في آن واحد.
جنين والجامعة
وأوضح البروفيسور أيمن يوسف أن جنين اكتسبت خصوصية مضاعفة في السنوات الأخيرة، لا سيما خلال الحرب التي استهدفت قطاع غزة وما رافقها من تصعيد في الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن المدينة قدمت عشرات الشهداء، وأن الاحتلال هجّر سكان مخيم جنين بالكامل تقريبًا، والبالغ عددهم نحو 20 ألف نسمة، وهو ما يجعل من جنين نموذجًا مكثفًا للحالة الفلسطينية العامة، بما تحمله من تداخل بين اليومي الوطني والإنساني والأكاديمي.
وأشار إلى أن الجامعة العربية الأمريكية تركز بصورة خاصة على العلوم الطبية والهندسية، غير أن هذا التركيز لا ينفي انفتاحها على العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل يجعلها أقرب إلى نموذج يربط بين التخصصات التطبيقية والهم الوطني العام، خاصة في ظل التنوع الطلابي الذي يضم فلسطينيين من الخليل ورام الله والداخل الفلسطيني في فضاء أكاديمي واحد.
الذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية
وفي حديثه عن المؤتمر الذي حضره في سلطنة عُمان، أوضح أن مشاركته جاءت ضمن فعالية علمية جمعت باحثين من أكثر من 14 دولة، وشهدت تقديم نحو 80 ورقة بحثية، تمحورت حول أثر الذكاء الاصطناعي في ردم الفجوة بين العلوم الاجتماعية والإنسانية من جهة، والبعد التطبيقي والمهاري من جهة أخرى. وأضاف أن الفكرة الجوهرية لم تعد في تدريس التاريخ أو الجغرافيا أو التربية بصورتها التقليدية داخل قاعات مغلقة، وإنما في إعادة وصلها بسوق العمل وبالواقع المجتمعي، عبر منح الطالب مهارات إضافية في التفكير النقدي، والتعلم، والتكنولوجيا، والتواصل، بحيث لا يظل التخصص الإنساني معزولًا عن التحولات الكبرى في العالم.
وأكد البروفيسور أيمن ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون فرصة وخطرًا في الوقت نفسه بالنسبة إلى العلوم الإنسانية. ورأى أن الأزمة يمكن تحويلها إلى فرصة إذا ما أعيد بناء البرامج الأكاديمية بطريقة تسمح بتداخل الحقول المعرفية، فلا تظل اللغة العربية أو الإنجليزية أو التاريخ أو الإعلام منفصلة عن الترجمة أو الاتصال أو التنمية أو الاقتصاد أو القانون، وإنما تدخل في صيغ تعليمية عابرة للتخصصات، تتيح للطالب هامشًا أكبر للفهم والمهارة وفرص العمل.
من التعليم إلى التعلم
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الأكاديمي اليوم ليس فقط سرعة تطور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وإنما الفجوة العمرية والثقافية بين الأستاذ الجامعي والطالب الشاب. وأضاف أن الأستاذ لم يعد قادرًا على التدريس بالطرق نفسها التي كان يعتمدها قبل عشرين عامًا، لأن الطالب الحالي يعيش في بيئة رقمية مفتوحة، ويتعرض لتدفقات معرفية هائلة، وهو ما يفرض على الأستاذ أن ينتقل من مركزية التعليم إلى مركزية التعلم، وأن يهيئ الصفوف الصغيرة، ويعتمد على المادة المسبقة، وتقسيم الطلبة إلى مجموعات، والعصف الذهني، والتفكير النقدي، بدل الاكتفاء بتلقين المعلومات أو الامتحانات التقليدية.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الأستاذ، وإنما يعيد تعريفه، لأن الأستاذ يظل المعني بفلترة المعرفة، وربطها بالثقافة الوطنية، والقيم المحلية، والعادات والتقاليد، والدين، وهي أبعاد لا يمكن تركها بالكامل لأدوات تقنية قد تنتج معرفة مجردة أو غير منسجمة مع البيئة المحلية. وأضاف أن الأستاذ الجامعي بات مطالبًا بأن يكون ملمًّا بالتقنية، وبطرق التدريس الحديثة، وبالبحث العلمي المتعلق بإدارة الصف، والتعامل مع الجيل الجديد، إلى جانب ضرورة الانفتاح على العالم، والسفر، والتفاعل مع أكاديميين من جامعات وتجارب مختلفة.
الذكاء الاصطناعي والسياسة
وفي البعد السياسي، أوضح أيمن يوسف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة معرفية أو تعليمية، بل تحول إلى جزء من الأمن السيبراني والحروب وصناعة السرديات، مشيرًا إلى أن الغرب وإسرائيل يوظفانه في خدمة مصالحهما الجيوسياسية والاقتصادية والإعلامية، وأنه استُخدم خلال الحرب على غزة في الرصد، والاستهداف، ومحاولة التحكم في تدفق السردية الفلسطينية عبر المنصات الكبرى. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن انتصار الرواية الفلسطينية في العالم لم يكن فقط بفعل الأدوات التقنية، بل بفضل الشعوب أيضًا، التي خرجت بالملايين في لندن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم الأوروبية، ما يؤكد أن الفضاء الرقمي مهم، لكنه لا يغني عن الفعل الشعبي والسياسي المباشر.
ورأى أيمن خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري أن التحدي العربي لا يكمن فقط في امتلاك التقنية، بل في غياب التكتل الإقليمي العربي والإسلامي القادر على الاستثمار المشترك في الذكاء الاصطناعي، بدل أن تظل كل دولة تعمل بصورة منفردة. وأضاف أن الغرب متحالف تقنيًّا ورأسماليًّا وسياسيًّا في هذا المجال، بينما ما يزال العالم العربي بحاجة إلى رؤية جماعية تربط بين المهندسين، وخبراء التكنولوجيا، والإعلاميين، والأكاديميين، والباحثين، لتكوين كتلة معرفية واستراتيجية قادرة على الفعل لا على الاستهلاك فقط.
ترامب والخطاب السياسي
وفي معرض حديثه عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الخطاب السياسي والإعلامي، وخاصة في الحالة الأمريكية، أشار يوسف إلى أن صور ترامب المولدة بالذكاء الاصطناعي أو خطاباته التي تتسم بالمبالغة أو التناقض لا يمكن قراءتها خارج السياق الأمريكي الأوسع، بما فيه البنية الحزبية، واليمين المحافظ، وجماعات الضغط، والكنائس، واللوبيات، وموقع ترامب داخل الحزب الجمهوري نفسه. وأوضح أن التعاطي الأكاديمي مع مثل هذه النماذج ينبغي ألا يكون سطحيًّا، بل قائمًا على التحليل والمقارنة والمحاكاة وبناء السيناريوهات، بما يسمح للطلبة بفهم أعمق للخطاب السياسي المركب، لا الاكتفاء برد الفعل عليه.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يفتح في هذا الجانب إمكانات مهمة للمحاكاة والاستشراف، حين يقارن الطالب بين السيناريو الذي يصيغه الإنسان والسيناريو الذي تقترحه الأداة التقنية، ثم يناقش الفروق والمآلات، شريطة وجود مدونة سلوك ومنظومة أخلاقية تضبط الفهم وتحمي العملية التعليمية من الانزلاق إلى الاستخدام المبتور أو غير المنضبط للتقنية.
فلسطين والانقسام
وفي انتقاله إلى المشهد الفلسطيني، وصف أيمن يوسف الحالة السياسية الفلسطينية بأنها في أزمة حقيقية، موضحًا أن استمرار الانقسام بين فتح وحماس يمثل أحد أكبر العوائق أمام بناء مشروع وطني موحد، وأنه من غير المنطقي أن تستمر هذه الحالة رغم الاجتماعات العديدة التي عقدت في أكثر من عاصمة عربية وإسلامية منذ عام 2006 حتى اليوم. وأضاف أن الأزمة لا تتعلق فقط بالخلافات الفكرية أو التنظيمية، بل أيضًا بالاستقطاب الإقليمي الذي ينعكس سلبًا على الداخل الفلسطيني، بحيث يرتبط كل طرف بمحور إقليمي مختلف، فضلًا عن وجود نخب سياسية تستفيد من استمرار الانقسام، وهو ما يزيد تعقيد المشهد.
وأشار إلى أن الرأي العام الفلسطيني نفسه بدأ يفقد الثقة بالأحزاب السياسية التقليدية، نتيجة استمرار الانقسام وتعثر المشروع الوطني، في حين ارتفعت الثقة نسبيًّا في منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والاتحادات، وبعض المبادرات الشعبية. كما لفت إلى أن الساحة الفلسطينية اختزلت سياسيًّا في ثنائية فتح وحماس، في وقت تراجعت فيه الأحزاب الأخرى، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، نتيجة عدم قدرتها على تجديد خطابها، وانتهاء المظلّات الأيديولوجية القديمة، وتحول الاستقطاب الشعبي نحو الإسلام السياسي أو نحو السلطة ومؤسساتها.
الخطاب الفلسطيني والمقاومة
ورأى البروفيسور أيمن يوسف خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري أن السلاح ليس مقدسًا في ذاته، كما أن المسار الدبلوماسي ليس مقدسًا في ذاته أيضًا، وإنما الأهم هو بناء رؤية واستراتيجية فلسطينية جامعة تحدد أدوات العمل وفق المرحلة والمصلحة الوطنية. وأضاف أن أحد المخارج الممكنة يتمثل في إعادة بناء المشروع الوطني على أسس تشمل المصالحة الداخلية، والانتخابات، وتدويل الصراع، وبناء المؤسسات بشفافية، وتفعيل المقاومة الشعبية السلمية، وتوسيع حضور الأكاديميين والجامعات والمجتمع المدني والإعلام والقطاع الخاص داخل النقاش الوطني، بدل اختزاله في الفصائل فقط.
وأكد أن الفلسطينيين، رغم كل شيء، ما زالوا يمتلكون تأييدًا عالميًّا واسعًا، وأن القضية الفلسطينية لم تعد محمولة فقط من قبل الفلسطينيين والعرب، بل من قبل عشرات الآلاف من النشطاء والمتضامنين حول العالم، ممن يدافعون عنها بدافع أخلاقي وإنساني، وهو ما يجعل من الضروري الاستثمار في هذا الرصيد عالميًّا، سياسيًّا وتقنيًّا وشعبيًّا.
التحولات الدولية وصعود الصين
وفي قراءته للتحولات الدولية، أشار إلى أن صعود الصين سيؤدي إلى مزيد من التناقض داخل الغرب نفسه، وأن العالم يتجه نحو تكتلات وتحالفات إقليمية جديدة، خاصة بعد صعود ترامب والتيار الشعبوي المحافظ، وما أحدثه من ارتباك حتى داخل علاقة الولايات المتحدة بحلفائها التقليديين في أوروبا. وأضاف أن المنطقة العربية نفسها باتت تفكر بصورة أكثر استقلالًا، من خلال تحسين علاقاتها مع إيران وتركيا وباكستان ودول آسيوية أخرى، بما يعكس ميلًا نحو إعادة ترتيب الأولويات وفق المصالح الإقليمية المباشرة.
وفي ما يتعلق بالصين تحديدًا، قال أيمن يوسف إن توسعها الاقتصادي السريع لم يرافقه بعد توسع ثقافي أو سياسي بالوتيرة نفسها، لكنه رأى أن ذلك لا يعني أنها ستظل في هذا الموقع طويلًا، لأن تمددها الاقتصادي في العالم سيجبرها لاحقًا على تعديل سياساتها والتحرك بصورة أوسع، حتى وإن ظل هذا التحول أبطأ من النموذج الغربي.
فلسطين وعُمان
وفي ختام حديثه، عبّر البروفيسور أيمن يوسف عن تقديره العميق لسلطنة عُمان، مشيرًا إلى أن زيارته الأولى لها كشفت له عن كرم العُمانيين وقرب فلسطين من وجدانهم، مؤكدًا أن الموقف العُماني الرسمي والشعبي من القضية الفلسطينية واضح وثابت. كما أشار إلى أن العلاقات العُمانية الفلسطينية لا تتجلى فقط في الموقف السياسي، بل أيضًا في الدعم الميداني والتنموي، ومن ذلك وجود ممثلية عُمانية في رام الله، وتحرك السفير العُماني في فلسطين بصورة فاعلة، إلى جانب الدعم الإغاثي والتنموي، وما شاهده من مدارس ومشروعات تحمل اسم «مسقط» في عدد من المدن الفلسطينية، فضلًا عن دعم مؤسسات تعليمية وخيرية ودينية، بما يعزز صمود الفلسطينيين على أرضهم.
وأكد أن هذا النوع من الدعم ليس مجرد مساعدة آنية، إذ هو جزء من تثبيت الناس في أرضهم ومنع أي مسار يسهل مشروع التهجير، مشددًا على أن سلطنة عُمان، سياسيًّا وشعبيًّا، تبقى من الدول التي تساند فلسطين بوضوح، وتربط دعمها بالمبدأ والوجدان والاستمرارية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


