الدكتور علي العيسائي في «فوانيس الوصال»: عُمان تقف مع أمن الملاحة في الخليج.. وتتحفظ على أي مسار يجرّها إلى صدام مباشر
فوانيس الوصال
الوصال ــ قال الدكتور علي العيسائي رئيس الهيئة الاستشارية الأسبق للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون، والدبلوماسي وعضو مجلس الدولة السابق في حديثه ببرنامج «فوانيس الوصال» التي تأتيكم من بيت الجريزة التاريخي، مع الإعلامي سالم العمري، أن الموقف العُماني والخليجي في ظل التصعيد الراهن ينبغي أن يُقرأ من زاويتين متلازمتين؛ الأولى تتعلق بحماية الملاحة واستمرار تدفق الطاقة وعدم تعريض اقتصادات المنطقة لمزيد من الاضطراب، والثانية ترتبط بتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر يفتح على الإقليم أبواب مواجهة أوسع وأشد كلفة.
الملاحة أولوية خليجية.. لكن دون الانجرار إلى الحرب
يوضح العيسائي أن دول الخليج، بحكم اعتمادها الكبير على تصدير النفط والغاز واستيراد السلع عبر البحر، لا يمكن أن تنظر إلى مضيق هرمز إلا بوصفه شريانًا حيويًا لا يحتمل التعطيل. ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على اقتصاداتها، وعلى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التصديرية، وعلى استقرار أسواق الطاقة عالميًا.
ويشير إلى أن هذا المعطى يجعل دول الخليج، من حيث المبدأ، معنية بكل ما يفضي إلى إبقاء الملاحة مفتوحة وآمنة، لأن الإغلاق أو حتى مجرد التهديد الجدي بالإغلاق كفيل بإرباك الأسواق، ورفع كلفة التأمين، وتعطيل بعض الشركات المشغلة، وخلق مناخ من القلق يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. ومع ذلك، فإن الحرص على حماية الملاحة لا يعني، في نظره، التورط التلقائي في أي صيغة عسكرية قد تفضي إلى احتكاك مباشر مع إيران.
خصوصية الموقف العُماني
ويتوقف العيسائي عند الموقف العُماني بوصفه أكثر حساسية وتعقيدًا من غيره، بالنظر إلى أن سلطنة عُمان ليست بعيدة عن المشهد، بل على تماس مباشر معه جغرافيًا وأمنيًا وتنظيميًا. فالمضيق يرتبط بالسيادة العُمانية في جوانب أساسية، كما أن السلطنة تدير جزءًا مهمًا من الحركة فيه، وتوجد بينها وبين الجانب الإيراني قنوات تواصل وتنسيق يومية تفرضها ضرورات السلامة البحرية وإدارة المرور.
ويؤكد أن هذه الخصوصية تجعل من الصعب على عُمان أن تتعامل مع أي ترتيبات مستجدة بمنطق حاد أو متسرع، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تدفعها إلى صدام مباشر مع إيران، وهو ما لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصلحة السلطنة. ومن هنا، فإن المقاربة العُمانية، كما يشرحها، تنطلق من تأييد مبدأ استمرار الملاحة وحماية المصالح الخليجية والدولية، لكن في الوقت نفسه مع الحرص على ألا تتحول هذه الحماية إلى مدخل لمواجهة مباشرة تُفرض على عُمان بحكم الجغرافيا.
دعم الخليج دون خسارة التوازن
ويرى العيسائي أن السلطنة لا تجد نفسها خارج الموقف الخليجي في هذه المرحلة، بل تشاركه أصل المصلحة في بقاء المضيق مفتوحًا وآمنًا، لأن ما يضر بإخوانها في مجلس التعاون ينعكس على الإقليم كله. لكنه يلفت إلى أن الالتقاء في الهدف لا يلغي الفوارق في درجة الاحتكاك المباشر، فعُمان، بخلاف بعض الدول الأخرى، تتعامل يوميًا مع معطيات ميدانية حساسة على تماس مع الجانب الإيراني، ما يجعل هامشها أضيق وحساباتها أكثر دقة.
ويضيف أن من الطبيعي أن تسعى دول الخليج إلى كل ما يضمن استمرار انسياب صادراتها ووارداتها، لكن من المهم أيضًا أن يُفهم أن الموقف العُماني لا ينطلق من تحفظ على المصلحة الخليجية، بل من إدراك عميق لتداعيات أي انزلاق غير محسوب نحو مواجهة مفتوحة. ولذلك فإن السلطنة، بحسب ما يفهم من حديثه، تميل إلى أي ترتيبات تحقق أمن الملاحة من دون أن تضعها في موقع الاشتباك المباشر أو الاصطفاف العسكري الصريح.
في مواجهة طرح ترامب
ويتناول العيسائي الدعوة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إشراك قوى دولية في حماية الملاحة في مضيق هرمز، موضحًا أن هذه الدعوة، إذا نُظر إليها من زاوية خليجية، تحمل جانبًا يبدو مفهومًا، إذ إن أي وجود يخفف الضغط على الملاحة ويقلل مخاطر التعطيل قد ينعكس إيجابًا على حركة التجارة والطاقة. إلا أن الإشكال لا يكمن في المبدأ فقط، بل في الكيفية والسياق والأهداف التي تحيط بهذه الدعوة.
ويبين أن المعضلة بالنسبة لعُمان ودول الخليج لا تتعلق بمجرد وجود دول أخرى في المنطقة، وإنما بما إذا كان هذا الوجود سيأتي في إطار قانوني وتنظيمي متفق عليه، أم أنه سيكون جزءًا من إدارة الحرب على إيران. ففي الحالة الأولى يمكن التعاطي معه من خلال الأطر الدولية والمؤسسات المختصة، أما في الحالة الثانية فإنه يهدد بتحويل المضيق إلى منصة صدام مفتوح، وهو ما يضاعف المخاطر على المنطقة بأكملها.
الغطاء القانوني بوصفه مخرجًا سياسيًا
ومن هذا المنطلق، يشدد العيسائي على أهمية الإطار القانوني الدولي، ويرى أن أي ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز ينبغي أن تمر، حيثما أمكن، عبر المؤسسات والآليات الدولية المعترف بها، سواء من خلال مجلس الأمن أو المنظمة البحرية الدولية أو غيرها من الأطر المختصة. فمثل هذا المسار يمنح الدول، ومنها عُمان، غطاءً سياسيًا وقانونيًا، ويخفف عنها عبء الظهور في موقع منخرط مباشرة في مشروع عسكري موجه ضد طرف إقليمي بعينه.
ويعتبر أن التمسك بهذا الجانب ليس مجرد تمسك شكلي بالقانون، بل هو أيضًا وسيلة دبلوماسية لحماية الموقف الوطني والخليجي من الانزلاق إلى زوايا أكثر حدة. فالإطار القانوني، حتى في ظل اختلالات القوة، يظل وسيلة لإدارة التوازنات، وتأخير الاندفاع، وتوسيع هامش المناورة، وهو ما تحتاجه المنطقة في هذه اللحظة الدقيقة.
كيف يمكن أن تتصرف دول الخليج؟
وفي قراءته للمشهد، يرى العيسائي أن دول الخليج ستنظر إلى أي مبادرة تتعلق بأمن المضيق من زاوية المصلحة المباشرة، أي استمرار التصدير والاستيراد، وخفض المخاطر على الملاحة، ومنع استخدام المضيق كورقة ضغط ضدها. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الانخراط الكامل في ترتيبات عسكرية تقودها الولايات المتحدة خارج الأطر التوافقية قد يضع هذه الدول أمام معادلة صعبة، لأنها ستكون مطالبة بحماية مصالحها من جهة، وتجنب التصعيد المفتوح مع إيران من جهة أخرى.
ويُفهم من حديثه أن الخيار الأكثر اتزانًا يتمثل في دعم كل ما يحفظ أمن الملاحة، مع الحرص على أن يكون ذلك في إطار لا يحول دول الخليج إلى أطراف مباشرة في الحرب. فالمصلحة الخليجية، في تقديره، ليست في توسيع رقعة المواجهة، بل في تحييد المضيق قدر الإمكان عن الاشتباك، ومنع تحوله إلى ساحة استنزاف متبادل.
المواطن العُماني بين حق الرأي وواجب الالتفاف
ولا يقف العيسائي عند حدود الموقف الرسمي، بل يوجه حديثه أيضًا إلى الداخل العُماني، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تفرض قدرًا عاليًا من المسؤولية الوطنية في التعامل مع الأخبار والمواقف والتحليلات. ويشير إلى أن من الطبيعي أن تكون للناس آراء ومشاعر وانفعالات مختلفة تجاه ما يجري، لكن المهم هو ألا يتحول هذا التباين إلى حالة تشكيك أو مزايدة أو احتكار للوطنية.
ويؤكد أن ما تحتاجه السلطنة في هذه اللحظة هو الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها، والثقة في تقديراتها، وترك المساحة اللازمة للعمل الدبلوماسي والأمني بعيدًا عن الانفعال والاستعجال. كما يدعو إلى احترام اختلاف الآراء بين المواطنين، من دون أن يدعي أي طرف احتكار الموقف الوطني أو يوزع صكوك الوطنية على الآخرين، لأن المرحلة، في نظره، تتطلب تماسكًا داخليًا هادئًا أكثر من حاجتها إلى السجال والانقسام.
تجنب الصدام.. وحفظ المصالح
ويخلص العيسائي في هذا المحور إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه عُمان والخليج في ظل التصعيد الراهن يتمثل في تحقيق توازن بالغ الدقة بين أمرين: حماية الملاحة والمصالح الاقتصادية من جهة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران من جهة أخرى. وهو يرى أن هذا التوازن ليس سهلًا، لكنه ممكن إذا ما أُدير بعقل سياسي هادئ، وباستناد إلى القانون الدولي، وبفهم دقيق لخصوصية كل دولة من دول المنطقة.
وفي المحصلة، يبدو موقفه واضحًا في أن أمن المضيق ضرورة خليجية وعالمية، لكن الطريق إلى هذا الأمن لا ينبغي أن يمر عبر توريط المنطقة في حرب أوسع، بل عبر ترتيبات محسوبة، وغطاء قانوني، وتنسيق يراعي حساسيات الجغرافيا، ويحفظ المصالح، ويمنح الدبلوماسية فرصة للعمل قبل أن تتكفل النار بما تبقى.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


