الدكتور علي العيسائي في «فوانيس الوصال»: إغلاق مضيق هرمز يبدّل موازين الحرب ويهز أمن الطاقة العالمي
فوانيس الوصال
الوصال ــ يرى الدكتور علي العيسائي، رئيس الهيئة الاستشارية الأسبق للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون، والدبلوماسي وعضو مجلس الدولة السابق ضمن حديثه ببرنامج «فوانيس الوصال» التي تأتيكم من بيت الجريزة التاريخي، مع الإعلامي سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن مضيق هرمز لا يمكن فصله عن توازنات القوة في المنطقة والعالم، موضحًا أن هذا الممر البحري ظل، عبر العقود، أحد أكثر المواقع التصاقًا بحسابات الحرب والردع والسيطرة، بالنظر إلى ما يمثله من أهمية في حركة الطاقة، وما يفرضه من معادلات على القوى الدولية والإقليمية المتصارعة.
من الحرب الباردة إلى عقدة المضيق
ويستعرض العيسائي الخلفية السياسية لمضيق هرمز، مبينًا أن أهميته لم تولد مع التصعيد الراهن، بل تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وبخاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين برز المضيق بوصفه عقدة استراتيجية في التنافس الدولي. ويشير إلى أن انسحاب بريطانيا من المنطقة نقل مركز الثقل الأمني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي نظرت إلى الخليج العربي ومضيق هرمز باعتبارهما من أكثر المناطق حساسية في منظومة الأمن العالمي، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر بالطاقة وباستقرار المعسكر الغربي.
ويضيف أن احتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في عام 1979 رفع منسوب القلق الغربي تجاه المضيق، لأن التمدد السوفيتي بات يُقرأ آنذاك باعتباره خطوة يمكن أن تقود، في النهاية، إلى الاقتراب من هذا الشريان البحري شديد الحساسية. وفي الوقت نفسه، جاء سقوط الشاه في إيران ليُحدث تحولًا آخر في ميزان القوى، بعدما فقد الغرب أحد أهم أركانه الإقليمية في تلك المرحلة، وهو ما جعل مسألة تأمين الخليج ومضيق هرمز أكثر تعقيدًا وحساسية.
1979.. سنة التحولات الكبرى
ويتوقف العيسائي عند عام 1979 بوصفه عامًا مفصليًا في تشكيل المشهد السياسي المرتبط بالمضيق، موضحًا أن المنطقة شهدت في تلك الفترة سلسلة أحداث كبرى تداخلت آثارها في ما بعد، من بينها الثورة الإيرانية، ودخول القوات السوفيتية إلى أفغانستان، واتفاقية كامب ديفيد، ثم ما تبعها من تطورات إقليمية ودينية وسياسية أعادت صياغة كثير من التوازنات.
ويبين أن الثورة الإيرانية حملت معها خطابًا جديدًا في المنطقة، قائمًا على فكرة «تصدير الثورة»، بما يعنيه ذلك من محاولة تقديم النموذج الإيراني بوصفه إطارًا للحكم الإسلامي في العالم الإسلامي، وهو ما أثار حساسية كبيرة لدى عدد من الدول العربية والخليجية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوترات السياسية والمذهبية. ويرى أن هذه التحولات لم تكن بعيدة عن مضيق هرمز، لأن أي تغير في بنية الإقليم ينعكس بالضرورة على هذا الممر الذي يمثل شريانًا حيويًا للعالم بأسره.
الحرب العراقية الإيرانية وحرب الناقلات
ويشير العيسائي إلى أن الحرب العراقية الإيرانية نقلت مضيق هرمز من مربع الأهمية النظرية إلى مربع الخطر العملي المباشر، إذ بات الممر البحري جزءًا من معادلة الحرب نفسها، لا مجرد خلفية لها. ويوضح أن إيران حاولت خلال تلك المرحلة التأثير في الملاحة وحركة السفن المرتبطة بالدول الداعمة للعراق، ما قاد إلى ما عُرف لاحقًا بـ”حرب الناقلات”، وهي المرحلة التي دخل فيها المضيق في قلب المواجهة بصورة أوضح.
ويلفت إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت، وجدت نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية، فكان من بين الخيارات التي طُرحت آنذاك تسجيل بعض السفن تحت أعلام دول كبرى لحمايتها من الاستهداف، في خطوة عكست حجم الضغط الذي فرضته الحرب على حركة الملاحة وعلى صادرات النفط. كما يوضح أن التلغيم البحري برز في تلك الفترة كواحد من أخطر أدوات التأثير، بسبب ما يمثله من تهديد مباشر للملاحة التجارية والعسكرية على حد سواء، وهو ما جعل المضيق في ذلك الوقت ساحة استنزاف مفتوحة لا مجرد ممر عبور.
ما بعد 1990.. هيمنة أمريكية واتساع المظلة الأمنية
ويرى العيسائي أن مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية عام 1990 كرست واقعًا جديدًا في المنطقة، قوامه الحضور الأمريكي الكثيف، وارتباط الأمن الخليجي على نحو أكبر بالمظلة الغربية، سواء من خلال الدفاعات الجوية أو الرادارات أو شبكات الإنذار المبكر أو غيرها من الأدوات التقنية والعسكرية. ويشير إلى أن هذا الحضور لم يُلغ حساسية مضيق هرمز، لكنه غيّر شكل التهديدات المحيطة به، بحيث باتت إيران لاحقًا تعتمد على تطوير منظومات بديلة للمواجهة، من بينها الصواريخ والمسيرات، بما يعكس انتقال الصراع من أدوات تقليدية إلى أدوات أكثر تعقيدًا وتنوعًا.
ويؤكد أن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن هذا التراكم الطويل، لأن المضيق ظل، في جميع المراحل، حاضرًا في صميم أي حسابات تتعلق بالصراع مع إيران، أو بأمن الطاقة، أو بمستقبل التوازنات في الخليج. ومن هنا فإن أي تصعيد جديد يعيد المضيق تلقائيًا إلى دائرة الضوء، باعتباره نقطة تماس مباشرة بين التهديد والردع والمصالح الدولية.
دعوة ترامب.. قراءة في المعنى والهدف
وعند حديثه عن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إشراك دول أخرى في حماية الملاحة في مضيق هرمز، يوضح العيسائي أن هذه الدعوة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد ترتيب أمني عابر، بل ينبغي فهمها ضمن سياق الحرب والضغط ومحاولة نزع واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية. فالمضيق، كما يراها، يمثل بالنسبة لإيران ورقة ضغط استراتيجية، وأي جهد دولي لإخراج الملاحة فيه من دائرة التأثر بالنفوذ الإيراني يعني، في جوهره، تقليص قدرة طهران على التأثير في مسار الصراع.
ويضيف أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المسألة فقط من زاوية القانون أو حرية الملاحة، بل من زاوية الحرب الجارية نفسها، لأن بقاء المضيق خارج التأثير الإيراني يخفف الضغط على الاقتصاد العالمي ويمنح واشنطن وحلفاءها هامشًا أوسع في إدارة المواجهة. ومن هنا يمكن فهم رغبة ترامب في إشراك الدول المستفيدة من عبور النفط والطاقة عبر هذا الممر، وفي مقدمتها القوى الآسيوية الكبرى.
الصين بين المصلحة والاختبار
ويتناول العيسائي في هذا السياق احتمال انخراط الصين في ترتيبات ترتبط بالمضيق، موضحًا أن بكين ستتعامل مع الأمر وفق حسابات المصالح الدقيقة، لا بمنطق الاستجابة الآلية للدعوات الأمريكية. فمن جهة، الصين من أكبر المستفيدين من تدفق الطاقة عبر الخليج، وأي تعطيل لحركة الملاحة أو ارتفاع حاد في أسعار النفط سيلحق بها ضررًا مباشرًا. ومن جهة أخرى، فإنها لا ترغب في الانخراط في ترتيبات قد تُفهم على أنها اصطفاف مباشر مع الولايات المتحدة ضد إيران، خاصة في ظل ما يربط بكين بطهران من تفاهمات وشراكات ومصالح ممتدة.
ويرى أن الولايات المتحدة تدرك وزن الصين في هذا الملف، ولذلك فإن الدعوة الموجهة إليها ليست عسكرية فحسب، بل تحمل أيضًا بعدًا سياسيًا يتمثل في محاولة دفع بكين إلى استخدام نفوذها لدى إيران، أو على الأقل تحميلها جزءًا من مسؤولية استقرار هذا الشريان الحيوي الذي تستفيد منه اقتصاديًا. وفي المقابل، فإن الصين، بحسب ما يفهم من حديثه، ستوازن بين رغبتها في حماية مصالحها النفطية وبين حرصها على عدم التورط في معادلات تستنزفها سياسيًا أو تفتح عليها أبواب صدام مباشر.
عُمان بين التماس الجغرافي والحساب السياسي
ويؤكد العيسائي أن خصوصية الموقف العُماني في هذا الملف تنبع من كون السلطنة ليست مراقبًا بعيدًا، بل دولة تماس مباشر مع هذا المضيق بحكم الجغرافيا والسيادة والتنظيم البحري والتواصل اليومي مع الأطراف المعنية. ولذلك فإن أي ترتيبات تُتخذ في هذا الملف ينبغي أن تضع في الاعتبار خصوصية عُمان وحساسيتها في التعامل مع أي خطوة قد تقود إلى احتكاك مباشر مع إيران.
ومن هذا المنطلق، يوضح أن المصلحة العُمانية والخليجية تتقاطع بوضوح في ضمان بقاء الملاحة مفتوحة وآمنة، لأن إغلاق المضيق أو تعطيله ينعكس على اقتصادات المنطقة وعلى استقرارها وعلى مصالحها الحيوية. لكنه يشدد، في الوقت نفسه، على أن ما ينبغي تجنبه هو الانزلاق إلى ترتيبات تضع عُمان في واجهة الصدام العسكري المباشر مع إيران، بحكم ما يفرضه الموقع من تعقيدات وما تفرضه العلاقات والتوازنات من ضرورة للحذر والدقة.
المضيق كورقة ضغط.. لا مجرد ممر نفطي
ويخلص العيسائي في هذا المحور إلى أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر لنقل النفط، بل ورقة ضغط استراتيجية في أي مواجهة كبرى تدور في الإقليم. فمن يملك القدرة على التأثير فيه يملك جزءًا من القدرة على التأثير في الأسواق وفي القرار الدولي وفي مسار الحرب نفسها. ولهذا ظل المضيق، في نظر القوى الكبرى، أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ ظل عقدة سياسية وعسكرية واقتصادية يتقاطع عندها المحلي بالإقليمي والدولي.
ويرى أن ما يجري اليوم يعيد إنتاج هذا المعنى بصورة أوضح، فالمضيق حاضر في كل الحسابات: في قرارات الحرب، وفي رهانات الردع، وفي مصالح الدول المستوردة للطاقة، وفي أمن دول الخليج، وفي خيارات عُمان التي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين حماية مصالحها ومصالح جوارها، وبين تجنب الانزلاق إلى صدام مباشر لا يخدم استقرار المنطقة.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


