الوصال ــ قدّم السيد نوح بن محمد البوسعيدي، رئيس الجمعية التاريخية العُمانية، في حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال» مع الإعلامي سالم العمري الذي يأتيكم من «بيت الجريزة» بمسقط القديمة، قراءة تاريخية وسياسية موسعة لما تشهده المنطقة من حرب وتوترات متصاعدة، متوقفًا عند جذور الصراع، وامتداداته التاريخية، والسيناريوهات المحتملة، وموقع دول الخليج من هذا المشهد، إلى جانب تأكيده على خصوصية النهج العُماني القائم على الصبر، والحكمة، والسعي إلى السلام.

بيت القريزة.. ذاكرة المكان وجهاد الصبر

استهل السيد نوح بن محمد البوسعيدي حديثه في «فوانيس الوصال» باستحضار دلالات المكان، مشيرًا إلى أن مسقط القديمة تظل حاضرة في وجدانه بطعمها الخاص، بما تحمله من ذكريات تعود إلى بدايات السبعينيات حين كان يتنقل في أزقتها وأسواقها القديمة، ويعيش لحظة الانتقال من الزمن السابق إلى عصر النهضة المباركة، بكل ما رافق تلك المرحلة من فرح واستبشار وتطلع إلى مستقبل جديد.

وأوضح أن دخوله إلى بيت الجريزة أعاد إلى ذهنه معنى عميقًا يرتبط بتاريخ العُمانيين، وهو ما وصفه بـ«جهاد الصبر»، في إشارة إلى صبرهم الطويل في مواجهة الاحتلال البرتغالي، وتحملهم سنوات ممتدة من التعايش مع واقع الاحتلال بما فيه من مآس، إلى أن امتلكوا الممكنات الشرعية والقوة الكافية لبدء معركة استعادة مسقط. ورأى أن هذا المعنى لا يزال حاضرًا في الشخصية العُمانية، بوصفه جزءًا من خبرتها التاريخية في التعامل مع المحن الكبرى.

حرب متلونة وجذور تعود إلى قرون

وفي قراءته لطبيعة الحرب التي تشهدها المنطقة اليوم، قال السيد نوح بن محمد البوسعيدي، في «فوانيس الوصال»، إن توصيف هذه الحرب يمكن أن يختلف بين من يراها حربًا عقائدية أو جيوسياسية أو اقتصادية، لكنه رأى أنها في جوهرها «أطول حرب هيمنة في التاريخ» على السيطرة على مقدرات الشرق. وأوضح أن جذور هذا الصراع تعود إلى زمن بعيد، وتحديدًا إلى الصدام التاريخي الطويل بين فارس وروما، أو بين الشرق والغرب، منذ قيام الدولة الأخمينية على يد قورش الكبير عام 550 قبل الميلاد، ثم التوسع الفارسي في مساحات واسعة امتدت من الهند إلى مصر واليونان.

وأضاف أن هذا الصراع لم يتوقف مع هزيمة الفرس على يد الإسكندر المقدوني، بل استمر عبر تعاقب الدول الفارسية والهلينية، ثم في مراحل الدولة البارثية والدولة الساسانية، وصولًا إلى المواجهة مع الروم والبيزنطيين في معارك كبرى، من بينها أنطاكية ونينوى، وهي المعركة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: «غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ».

وبيّن أن فارس، رغم دخولها الإسلام، ظل نفوذها حاضرًا في الدولة العباسية، ثم عاد بصورة جديدة في ظل الصفويين والقاجار، إلى أن وصل الأمر في العصر الحديث إلى الانقلاب على محمد مصدق عام 1953، ثم التخلص من الشاه لاحقًا، والحصار الطويل المفروض على الجمهورية الإسلامية طوال أربعة عقود، في وقت ظلت فيه إيران، رغم ذلك، تتقدم وتبني قدراتها. وخلص إلى أن الحرب الجارية اليوم ليست حدثًا منفصلًا، بل امتداد لهذا الصراع التاريخي الطويل على الهيمنة.

لماذا تجاوز العُمانيون عبء التاريخ؟

وحين طُرح عليه سؤال عن سبب قدرة العُمانيين على تجاوز موروثات العداء التاريخي مع فارس، رغم أن جزءًا من تاريخ الدولة البوسعيدية نفسه ارتبط بمواجهة الفرس، أوضح السيد نوح، في «فوانيس الوصال»، أن العُمانيين امتلكوا دائمًا فن التعايش، وأنهم نجحوا في التحرر من حزازات الماضي وأوهامه بفضل صبرهم، ووعيهم، وبساطتهم، واشتغالهم بالحاضر أكثر من الارتهان لمعارك التاريخ.

وأشار إلى أن الشخصية العُمانية عرفت بالتعايش في مختلف البيئات، في أفريقيا وآسيا وعلى امتداد فضاء المحيط الهندي، وأن هذا الحس التعايشي جزء من طاقتها الحضارية، بينما تعجز بعض الأمم عن تجاوز عداواتها القديمة وتبقى معلقة في تفاخرها التاريخي وصراعاتها الممتدة. وأضاف أن هذه القدرة على التعايش لا تعني إنكار التاريخ، وإنما تعني فهمه وتجاوز أثقاله لصالح بناء الحاضر.

الهيمنة والاقتصاد وإسرائيل

وفي سياق حديثه عن دوافع الحرب الراهنة، أوضح السيد نوح بن محمد البوسعيدي أن الحرب لا يمكن فصلها عن بعدها الاقتصادي، لأن إيران تقع في قلب آسيا وتتحكم في طريق الحرير، وتمتلك مخزونًا كبيرًا من النفط والمعادن، فضلًا عن قوتها البشرية وقدراتها العلمية والصناعية. وأضاف أن كبح إيران، من هذا المنظور، لا يتعلق فقط بإضعاف دولة بعينها، بل أيضًا بإضعاف منافس شرس للغرب في المنطقة، خصوصًا مع ما حققته من تطور في الطب، والتكنولوجيا، والصناعة العسكرية، والزراعة، وغيرها من المجالات.

وأشار إلى أن إسرائيل تؤدي دورًا محوريًا في هذا المشهد، سواء بوصفها أداة أو فاعلًا أساسيًا، لافتًا إلى أنها باتت تتحكم، بصورة مباشرة أو عبر داعمين لها، في مفاصل اقتصادية وتقنية وعلمية على مستوى العالم، من الصناعات الدوائية إلى التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، ما يجعل أي صعود لقوة إقليمية مستقلة في الشرق الأوسط مصدر إزعاج لهذا النفوذ.

الصين في خلفية المشهد

ورأى السيد نوح، خلال «فوانيس الوصال»، أن الحرب على إيران لا تنفصل أيضًا عن الصراع الأمريكي الصيني، موضحًا أن إضعاف إيران يعني عمليًا إضعاف واحدة من الكتل المهمة التي يمكن أن تغذي القوة الصينية وتدعم مشروع «الحزام والطريق». وأضاف أن تطويق الصين يتم عبر إضعاف البيئات الحاضنة أو الداعمة لها في المنطقة، سواء من خلال تعطيل مسارات التجارة والطاقة أو من خلال تكسير مراكز القوة الاقتصادية المرتبطة بها.

سيناريوهات الحرب.. وتغيّر إيران لا تغييرها

وعند حديثه عن السيناريوهات المحتملة، أشار السيد نوح بن محمد البوسعيدي إلى أن فرضية تغيير النظام في إيران تبدو، في تقديره، غير ممكنة في ضوء المعطيات الحالية، لكنه في المقابل تحدث عن احتمال «تغيّر النظام» من الداخل، أي أن يدفعه ما يمر به إلى مراجعة نفسه وتعديل نهجه. وأوضح أن العالم، بما في ذلك دول الخليج، كان ينتظر منذ فترة انتقال إيران من منطق الثورة إلى منطق الدولة، أي أن تصبح أكثر براغماتية وأقل اندفاعًا في خطابها الثوري.

إلا أنه شدد على أن أي نظام يأتي في إيران، سواء كان إسلاميًا أو ملكيًا أو علمانيًا، لن يتخلى بسهولة عن الندية الفارسية التاريخية ولا عن طموحاته الجيوسياسية. فإيران، في نظره، ستظل إيران، وفارس ستظل فارس، حتى لو تبدلت العمائم أو التيجان أو الأطر الأيديولوجية.

هل أخطأ الخليج في التعاطي مع إيران؟

وفي «فوانيس الوصال» أيضًا، أقرّ السيد نوح بأن بعض المخاوف العربية والخليجية من التمدد الإيراني مخاوف محقة، لكنه رأى في المقابل أن ردود الفعل لم تكن دائمًا هي الأنسب، معتبرًا أن المطلوب كان بناء جسور تفاهم وتعاون مع إيران، على نحو شبيه بما ظل قائمًا في السياسة العُمانية، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل معها بوصفها «فزاعة» دائمة ينبغي الخوف منها أو التحالف ضدها. وأضاف أن طبيعة الجوار والجغرافيا تجعل من الضروري التفكير في صيغ جديدة للعلاقة، لا تقوم على الصدام المستمر، بل على إدارة الخلافات واحتواء مصادر التوتر.

هل تنتهي الحرب أم تطول؟

وفي قراءته للمسار المحتمل للحرب، قال السيد نوح بن محمد البوسعيدي إن الحروب، بحكم طبيعتها، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، خاصة مع اتساع آثارها الاقتصادية وتزايد انعكاساتها على الشارع الغربي نفسه، مع ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد التململ الشعبي. ومن هذا المنطلق، أعرب عن أمله فيما سماه «سيناريو الاستبشار العُماني»، أي أن تتوقف الحرب بعد فترة من التصعيد، ثم يدخل الجميع في مرحلة مراجعة، وعتاب، وحذر، ثم تعود المياه إلى مجاريها.

لكنه في الوقت ذاته طرح سيناريو آخر أكثر خطورة، يتمثل في أن تكون الحرب جزءًا من تمهيد أوسع لمشروع «إسرائيل الكبرى»، أو لما يتصل بما يسمى «أرمجدون»، موضحًا أن هذا التصور لم يعد مجرد طرح هامشي، بل بات يُصرح به من قبل مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وإنجيليين، الأمر الذي يستدعي، برأيه، عدم الاستهانة به أو التعامل معه على أنه مجرد خيال ديني أو «نظرية مؤامرة».

طبقة سياسية غربية جديدة

وفي هذا السياق، رأى السيد نوح، في «فوانيس الوصال»، أن هناك قوى نافذة عملت، خلال عقود، على إعداد طبقة سياسية وفكرية غربية تؤمن بهذه الأفكار التوراتية والإنجيلية المتطرفة، وأن هذا المسار بلغ اليوم مرحلة متقدمة. وأضاف أن ما كان يُعرف في وقت سابق بـ«المحافظين الجدد» قد يكون مجرد نسخة أولى مما نراه اليوم، في حين أن النسخة الحالية أكثر تطرفًا وأشد اندفاعًا في ترجمة هذه المعتقدات إلى سياسات عملية.

وبيّن أن إسرائيل نفسها، في نظره، انتقلت من عقيدة عسكرية دفاعية في السبعينيات، إلى عقيدة هجومية في الثمانينيات، إلى عقيدة عدوانية توسعية في المرحلة الراهنة، وهو ما يجعل مشروع «إسرائيل الكبرى» خطرًا ينبغي التعامل معه بجدية.

حرب طويلة بنسخة جديدة

ولم يستبعد السيد نوح أن تكون الحرب الجارية جزءًا من نمط جديد من الحروب الطويلة المدمرة، التي تحقق آثارًا شبيهة بالحروب النووية ولكن من خلال وسائل تقليدية ممتدة زمنيًا، كما حدث في غزة. وقال إن ما جرى هناك يفوق، في بعض جوانبه، أثر القنبلة النووية من حيث التدمير، والتجويع، والإبادة، مع فارق أن ذلك يتم على مدى شهور وسنوات وبأدوات تقليدية.

وأضاف أن هذا السيناريو قد يتكرر في جبهات أخرى، ليس بالضرورة بهدف الاحتلال المباشر، وإنما بهدف كسر القوى المنافسة وإضعافها وإزالة قدرتها على الردع أو المنع، بما يخدم ترتيبات أوسع في المنطقة.

جهاد الصبر الخليجي

وعن الموقف الخليجي، شدد السيد نوح بن محمد البوسعيدي على أن المطلوب في هذه المرحلة هو «جهاد الصبر»، أي مواصلة ضبط النفس، وعدم الانجرار إلى صدام مباشر مع إيران، لأن المطلوب، في تقديره، هو توريط الخليج في حرب أكبر تكون خسائرها البشرية والاقتصادية والبيئية كارثية. وأضاف أن ما يصيب بعض دول الخليج اليوم، رغم ألمه، لا يزال محدودًا إذا ما قورن بما قد يحدث لو انفجرت المنطقة كلها.

وأكد أن ضبط النفس لا يعني الضعف، وإنما يمثل في هذه اللحظة أعلى درجات الحماية، لأن أي انزلاق إلى المواجهة الشاملة قد يفضي إلى تدمير الخليج نفسه، وتلويث مياهه، وتعطيل اقتصاده، وفتح الباب أمام كوارث أكبر.

جيش خليجي موحد وسوق حقيقية

وفي هذا الإطار، دعا السيد نوح، خلال «فوانيس الوصال»، إلى إعادة إحياء الفكرة التي طرحها السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه منذ الثمانينيات بشأن إنشاء جيش خليجي موحد. وأوضح أنه لا يقصد مجرد قوات مشتركة على غرار «درع الجزيرة»، بل جيشًا خليجيًا مؤدلجًا خليجيًا، موحد العقيدة، ومتخصصًا في الدفاعات الجوية والصاروخية والحرب الإلكترونية، ويكون هدفه حماية الخليج لا الاعتداء على أحد.

كما دعا إلى بناء سوق خليجية مشتركة حقيقية، لا تقتصر على التعاون الثنائي أو الشعارات العامة، بل تقوم على تكامل اقتصادي فعلي، مع تأهيل دول مثل اليمن والعراق للانخراط مستقبلًا في هذا الفضاء، إلى جانب صياغة سياسة خليجية موحدة تجاه إيران، تقوم على التعاون، وحسن الجوار، والتفاهمات الجديدة بعد انتهاء الحرب.

عُمان.. السلام حماها

وعن سبب استمرار عُمان في دور الوساطة رغم كل الضغوط، قال السيد نوح بن محمد البوسعيدي إن هذا هو قدر عُمان ورسالتها ونهجها، وإنها دفعت أثمانًا مختلفة عبر العقود، ليس فقط من إيران، بل أيضًا من بعض الأشقاء العرب، ومع ذلك استمرت في الدعوة إلى السلام والوئام. وأضاف أن هذا النهج لم يحمِ فقط صورة عُمان، بل حمى أيضًا مصالحها، إذ بدت السلطنة حتى الآن الأقل تضررًا، وبقي اقتصادها أكثر استقرارًا، ومطاراتها وموانئها أكثر قدرة على العمل في هذه الظروف.

ورأى أن السلام، في التجربة العُمانية، لم يكن شعارًا أخلاقيًا فقط، بل كان أيضًا خيارًا ذكيًا وواقعيًا، أثبت فائدته في الأزمات الكبرى.

إدخال الذمة الخليجية في الوساطة

وفي طرح لافت، اقترح السيد نوح، في «فوانيس الوصال»، أن تبقى الوساطة برعاية عُمانية، لكن مع إدخال البعد الخليجي فيها مستقبلًا، بحيث تصبح الذمة، في بعض مراحل التفاوض، ذمة خليجية أيضًا، بما يمنح العملية بعدًا أوسع، ويوفر أدوات ضغط إضافية على واشنطن، ويجعل النجاح أو الفشل مسؤولية جماعية لا تُلقى فقط على عاتق طرف واحد.

الخطر الذي ينبغي الانتباه إليه

وحين سئل عما يخشاه أكثر في هذه الحرب، قال إن أخطر ما فيها هو أن تكون خطوة متقدمة في مشروع أكبر يراد من خلاله تمهيد المنطقة لفكرة «إسرائيل الكبرى». وأضاف أن مواجهة هذا الخطر تتطلب وعيًا جديًا، وعدم الاكتفاء باعتبار هذه الطروحات خيالات أو أوهامًا، داعيًا إلى بناء تكتلات تعاون وتحالفات جديدة، وربما ما سماه «ناتو إسلاميًا» يضم قوى كبرى في العالم الإسلامي، من أجل صد هذه المشاريع على الأقل في بعدها الردعي.

كلمة أخيرة.. الدعاء والاستبشار

وفي ختام حديثه عبر «فوانيس الوصال»، قال السيد نوح بن محمد البوسعيدي إن السلاح الأهم الآن، إلى جانب الوعي وضبط النفس، هو الدعاء، داعيًا الجميع إلى الهروع إلى الله في المساجد والصوامع والبيع وكل موضع يذكر فيه اسمه، طلبًا لرفع هذه الحرب وإطفاء هذه الفتنة. وأكد أن العُمانيين، بحكم نهجهم، يظلون متمسكين بما سماه «الاستبشار العُماني»، أي الأمل في أن تنتهي الحرب، وأن تُطفأ نارها، وأن ينتصر منطق الحكمة والسلام في النهاية.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو