الوصال ــ قال الصحفي والباحث في الشؤون السياسية سالم الجهوري في حديثه لبرنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري، الذي يأتيكم من «بيت الجريزة» إن ما شهدته المنطقة خلال «الأربع والعشرين ساعة الماضية» لا يمكن وصفه بأنه تطور عسكري عابر، بل هو حدث أعاد تشكيل ملامح المشهد الإقليمي بصورة واضحة، مؤكدًا أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن «تغيير الشرق الأوسط» لم يعد مجرد خطاب سياسي يُستخدم في الحملات أو التصريحات، بل أصبح مسارًا تتحرك مراحله على الأرض خطوة بعد أخرى.

من «اغتيال نصر الله» إلى انتقال المواجهة

وأوضح الجهوري أن من بين المحطات التي سبقت التصعيد الحالي «اغتيال حسن نصر الله»، وما تبعه من انكفاء نسبي للحزب بعد تولي قيادة جديدة، في ظل ضغوط لبنانية داخلية وضغوط دولية تقودها الولايات المتحدة، مشيرًا إلى الحضور المتكرر للمبعوث الأمريكي «باراك» بين بيروت وواشنطن. واعتبر أن هذه التطورات طرحت تساؤلات حول مراجعة دور الحزب وتقييم مساره في المرحلة التي أعقبت رحيل قيادته التاريخية.

وانتقل إلى سوريا، متحدثًا عن «رحيل بشار الأسد» وظهور قيادة جديدة على رأس الدولة، متسائلًا عن الظروف التي جاءت بهذه القيادة، وفي أي سياق سياسي وأمني تشكلت. ولفت إلى أن إسرائيل نفذت ضربات طالت «وزارة الدفاع» و«القصر الرئاسي» وعددًا من مقومات الدولة السورية، في وقت تعيش فيه سوريا انقسامات داخلية مع «قسد» ومع بعض التنظيمات الأخرى، ما جعلها -بحسب وصفه- دولة “وريثة معارك واختلافات طويلة”.

وأشار إلى أن ضعف لبنان وسوريا، إلى جانب تراجع أدوار إقليمية أخرى، «فتح المجال للمرحلة التالية وهي إيران»، معتبرًا أن انتقال المواجهة نحو طهران لم يكن مفاجئًا، بل جاء ضمن سياق متدرج.

حرب «الاثني عشر يومًا»… بروفة مبكرة

وذكّر الجهوري خلال حديثه ببرنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري بأن إيران خاضت قبل أشهر ما عُرف بحرب «الاثني عشر يومًا»، واصفًا إياها بأنها كانت بمثابة «بروفة» لاختبار الجاهزية ومعرفة نقاط القوة والضعف داخل القيادة الإيرانية، مشيرًا إلى أن تلك الجولة كانت مدمرة لكثير من المقومات، لكنها لم تكن الفصل الأخير.

وقال إن ما جرى «أمس واليوم» يختلف في طبيعته، خاصة مع استهداف قيادات عليا وفرض «واقع جديد» على الأرض، مستشهدًا بتصريحات ترامب التي تحدثت عن أن «القيادة الجديدة» في إيران مستعدة للحوار، متسائلًا عمّن يُقصد بهذه القيادة، وهل الحديث يدور حول شخصية مثل «علي الشريعي» الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، أم عن تصور أوسع لقيادة مختلفة تُطرح كبديل.

«200 طائرة» و«30 صاروخًا»… مستوى غير مسبوق

وتوقف الجهوري عند حجم العمليات العسكرية الأخيرة، مشيرًا إلى أن المعلومات المتداولة تفيد بمشاركة «مئتين طائرة حربية» في القصف على طهران ومدن إيرانية، واعتبره رقمًا «كبيرًا جدًا» يعكس مستوى تصعيد غير مسبوق، متسائلًا عمّا إذا كانت هذه القوة لإسرائيل وحدها أم بمشاركة أمريكية مباشرة.

وأضاف أن المقر الذي كان يقيم فيه المرشد «استهدف بثلاثين صاروخًا»، موضحًا أن هذه الصواريخ «كفيلة بالوصول إلى أعماق كبيرة»، ومقارنًا ذلك بالسيناريو الذي سبق اغتيال نصر الله، ما يعكس -برأيه- رغبة واضحة في استهداف رأس الهرم القيادي وفرض معادلة جديدة.

«الهيمنة الإسرائيلية»… قراءة مختلفة

وفي معرض تحليله، ميّز الجهوري بين «الهيمنة الأمريكية» و«الهيمنة الإسرائيلية»، موضحًا أن الهيمنة الأمريكية قائمة بالفعل على المنطقة وقادرة على التدخل في أي لحظة، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون سطوتها المباشرة على الحكومات المحيطة بها: «لبنان»، «سوريا»، «الأردن»، «العراق» ودول الخليج، وصولًا إلى نفوذ أوسع في الإقليم.

وأشار إلى تطور الخطاب الإسرائيلي من شعار «من البحر إلى النهر» إلى تصور أوسع «من الفرات إلى النيل»، معتبرًا أن هذا المشروع يواجه معضلات دولية في الضفة وغزة، لكنه لا يزال حاضرًا في الذهنية السياسية الإسرائيلية.

الداخل الإيراني… بين الحكومة و«الحرس الثوري»

قال الجهوري إن استمرار الحرب بهذه الوتيرة قد يدفع الأمور نحو سيناريو «تغيير النظام»، لكنه أشار إلى تعقيدات الداخل الإيراني، خاصة في ما يتعلق بموقع «الحرس الثوري»، موضحًا أن غياب «الشخصية الرمزية الدينية» التي كان يُرجع إليها الجميع قد يفتح المجال أمام إعادة توزيع مراكز القوة.

واستشهد بتصريحات وزير الخارجية الإيراني «أراقي» التي فهم منها أن بعض الاستهدافات لعواصم خليجية ليست قرارًا حكوميًا مباشرًا، بل قد تكون مرتبطة بأطراف عسكرية، معتبرًا أن هذا يشير إلى تباعد في وجهات النظر داخل القيادة.

«ترامب» ومنطق «الصفقة»

أوضح الجهوري أن الشخصية الإيرانية في التفاوض «لا سقف زمني لها»، إذ يمكنها أن تفاوض لسنوات دون استعجال، بينما يتعامل الرئيس الأمريكي بمنطق «الـ deal» أي «الصفقة»، وهو لا يميل إلى الانتظار طويلًا. ورأى أن هذا التباين بين «النفس الطويل» و«الصفقة السريعة» يجعل أي مسار تفاوضي معقدًا بطبيعته.

ومع ذلك، أشار إلى تسريبات تتحدث عن مقترح لعقد مفاوضات يوم «الجمعة القادم»، وإلى رغبة أمريكية أُبلغت إلى «إيطاليا» باستئناف الحوار، معتبرًا أن ضغط دول مجلس التعاون ودول عربية وازنة مثل «مصر» و«تركيا» و«المملكة العربية السعودية» و«السلطنة» قد يشكل فرصة لإعادة الأطراف إلى الطاولة.

مسقط… «نافذة الحوار» لم تُغلق

أكد الجهوري أن «نافذة الحوار» التي تقودها مسقط «لم تُغلق»، وأن السلطنة تحتفظ بثقة دولية في قدرتها على إدارة هذا النوع من الملفات، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في بدء التفاوض، بل في ضمان عدم التحول المفاجئ من «الدبلوماسية» إلى «المواجهة العسكرية»، كما حدث بعد الجولة الثالثة من المفاوضات السابقة.

وأوضح أن تمسّك السلطنة بخيار الحوار لا يعني الانحياز لطرف، بل ينطلق من منطق «الجوار»، فالدول لا تختار جيرانها، وإيران دولة ذات ثقل جغرافي وتاريخي وسكاني، والتعاطي معها بواقعية يخدم استقرار المنطقة.

الخليج… تداعيات لا يمكن تجاهلها

حذّر الجهوري من إطالة أمد الحرب، مشيرًا إلى احتمالات إغلاق «مضيق هرمز»، وارتفاع تكاليف «التأمين البحري» بشكل كبير، وتعطل «سلاسل الإمداد»، مستحضرًا تجربة «الألغام البحرية» خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين امتلأ حوض الخليج بالألغام التي فجّرت سفنًا وأوقفت صادرات.

وقال إن دول الخليج تصدر ما يقارب «20 في المئة» من الطاقة العالمية، وأي اضطراب في الملاحة سيؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي، فضلًا عن تأثر الموانئ وسلاسل الإمداد الغذائية.

الإعلام… بين «التحليل» و«التخوين»

وفي حديثه عن ظهوره في قنوات مثل «الجزيرة» وغيرها، أكد الجهوري أنه يقدم «رأيًا شخصيًا» يستند إلى خبرته، وليس «موقفًا رسميًا»، مشددًا على ضرورة الفصل بين الاثنين.

ودعا إلى «التحقق» من المعلومات قبل تداولها على وسائل التواصل، محذرًا من نصوص مترجمة آليًا أو محتويات تحمل اتهامات تمس «الوطنية» و«الانتماء»، معتبرًا أن أخطر ما تفرزه الأزمات هو خطاب «التخوين» والاستقطاب.

«السلام هو الخيار الوحيد»

واختتم الجهوري حديثه بالتأكيد على أن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل «الحل الأمثل والحل الوحيد»، وأن استمرار الحرب سيضاعف الخسائر على الجميع، بينما يظل الجلوس إلى «طاولة الحوار» الطريق الأقرب لتجنيب المنطقة مزيدًا من الاضطراب، مهما بدت الشروط صعبة أو المسارات معقدة.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو