فاطمة الشيزاوي لـ«الوصال»: الإسعافات الأولية للصحة النفسية أصبحت ضرورة مجتمعية والتدخل المبكر قد يمنع تفاقم الأزمات
ساعة الظهيرة
الوصال ــ أشارت فاطمة بنت حسن درويش الشيزاوي، رئيسة قسم التطوير والتوجيه المهني والمشرفة على برنامج الإسعافات الأولية للصحة النفسية بمستشفى المسرة، إلى أن مبادرات الإسعافات الأولية في الصحة النفسية أصبحت اليوم ضرورة مجتمعية في ظل تنامي الضغوط النفسية التي باتت جزءًا من حياة الأفراد في العمل والأسرة والدراسة، مؤكدة أن كثيرًا من الأشخاص يمرون بأزمات وضغوط نفسية من دون أن يعرفوا متى يطلبون المساعدة أو كيف يمكنهم الوصول إليها. وقالت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» إن التدخل المبكر يسهم في الحد من تفاقم المشكلات النفسية، ويرفع فرص التعافي إذا جرى التعامل مع الحالة في بدايتها، ولذلك تبنت وزارة الصحة، ممثلة في مستشفى المسرة، هذا البرنامج بهدف نشر الوعي وتهيئة المجتمع ليكون قادرًا على تقديم الدعم النفسي الأولي قبل وصول الشخص إلى مرحلة الأزمة.
فكرة البرنامج
وأوضحت الشيزاوي أن برنامج الإسعافات الأولية للصحة النفسية هو برنامج دولي سبق أن عملت به منظمات مختلفة، وقد استضافه مستشفى المسرة خلال العام الماضي، مع تدريب مدربين ليقوموا لاحقًا بإعداد مسعفين نفسيين في المجتمع. وأضافت أن اختيار مصطلح «الإسعافات الأولية» جاء لتقريب الفكرة إلى الناس، تمامًا كما يحتاج الشخص المصاب بكسر أو جرح إلى إسعاف أولي قبل نقله إلى الطبيب أو قسم الطوارئ، فإن الشخص الذي يمر بظرف نفسي حاد يحتاج أيضًا إلى دعم أولي نفسي في البداية، ثم يحال بعد ذلك إلى المختصين إذا استدعى الأمر علاجًا أعمق أو تدخلا تخصصيًّا.
الفرق بين الإسعاف والعلاج
وبيّنت الشيزاوي أن الإسعاف النفسي يختلف عن العلاج النفسي من حيث الدور والتوقيت، إذ يبدأ الإسعاف النفسي في المرحلة المبكرة من الأعراض، حين يكون الشخص بحاجة إلى من ينصت له، أو يتواصل معه بتعاطف، أو يساعده على تجاوز بدايات الضيق النفسي أو التوتر أو غيرها من العلامات الأولية. وأضافت أن المسعف النفسي يقيم الموقف بصورة أولية، ويستخدم مهارات محددة للتعامل مع الحالة ومنعها من التفاقم، في حين يبدأ العلاج النفسي عندما تتطور الحالة إلى مستوى يحتاج إلى تدخل طبي أو جلسات نفسية تخصصية أعمق يشرف عليها مختصون.
مهارات المسعف النفسي
وأكدت الشيزاوي أن البرنامج يهدف إلى إعداد مسعفين نفسيين يمتلكون مجموعة من المهارات الأساسية، في مقدمتها الإنصات الفعال، والتواصل المتعاطف، والقدرة على التعرف على العلامات المبكرة للضيق النفسي أو الهلع أو غيرها من الأعراض الأولية. وأضافت أن المسعف يتعلم كذلك كيف يقيم الموقف بشكل أولي، وكيف يتعامل مع بعض الأزمات النفسية الشائعة مثل التوتر ونوبات الهلع، وكيف يتصرف بصورة مناسبة عند ظهور مؤشرات خطرة مثل الأفكار الانتحارية، على أن تكون الخطوة التالية في مثل هذه الحالات هي الإحالة إلى الجهات المختصة أو الخدمات المناسبة.
البرنامج لعامة المجتمع
وأوضحت الشيزاوي أن البرنامج لم يصمم للعاملين الصحيين فقط، وإنما لعامة المجتمع، لأن أي شخص يتمتع بصحة نفسية جيدة، وبعد حصوله على التدريب المناسب، يمكنه أن يقدم الإسعاف النفسي الأولي. وأضافت أن الهدف من ذلك هو توسيع دائرة الوعي المجتمعي، بحيث لا تبقى المساعدة النفسية محصورة في المختصين داخل المؤسسات الصحية فقط، وإنما يصبح في المجتمع أشخاص قادرون على التعرف على المؤشرات الأولى، والتدخل المبكر، وتقديم الدعم الأولي السليم.
أكثر من 700 مسعف
وأشارت الشيزاوي إلى أن عدد المسعفين النفسيين الذين جرى إعدادهم حتى الآن تجاوز 700 مسعف، معتبرة أن هذا الرقم يعكس حجم التوسع الذي شهده البرنامج. وأضافت أن من أبرز المؤشرات على أثر البرنامج أن الحديث عن الصحة النفسية أصبح اليوم أكثر تقبلًا في المجتمع، وأصبح الناس يتعاملون مع هذا الموضوع بوصفه شأنًا مهمًّا وحاضرًا في مختلف القطاعات، وهو ما اعتبرته دليلًا على نمو الوعي وتغير النظرة إلى هذا الجانب.
وعي متزايد
ولفتت الشيزاوي إلى أن تزايد الاتصالات الواردة إلى رقم الدعم النفسي في مستشفى المسرة لا ينبغي أن يقرأ فقط على أنه مؤشر إلى زيادة الحالات، وإنما أيضًا بوصفه دليلًا على ارتفاع مستوى الوعي، إذ أصبح الناس يعرفون متى يحتاجون إلى المساعدة النفسية، ويطلبونها بصورة أكثر وضوحًا. وأضافت أن من بين الأسئلة التي تطرح على المتصلين عادة: كيف حصلوا على رقم الدعم النفسي؟ وكانت الإجابة في كثير من الأحيان تأتي من خلال مسعف نفسي جلس معهم أو وجههم إلى هذا المسار، وهو ما يعكس أثر البرنامج في ربط الناس بخدمات الدعم المناسبة.
ما الحالات التي يتعامل معها المسعف؟
وأوضحت الشيزاوي أن أبرز الحالات التي يمكن للمسعف النفسي التعامل معها تشمل القلق، والضغوط النفسية، والحزن المؤقت، والصدمات، ونوبات الهلع، وبعض الضغوط الناتجة عن أزمات معينة. وأضافت أن هناك حدودًا واضحة لدور المسعف، فعندما تظهر أفكار انتحارية أو مؤشرات إيذاء للنفس أو أعراض ذهانية، فإن هذه الحالات تخرج من نطاق الإسعاف النفسي الأولي، ويصبح من الضروري إحالة الشخص فورًا إلى الجهات المختصة للتدخل الطبي والنفسي المتخصص.
توسع في المحافظات
وقالت الشيزاوي إن البرنامج شهد خلال الفترة الماضية توسعًا ملحوظًا نتيجة الإقبال المتزايد عليه، حيث جرى تدريب مدربين في مختلف محافظات سلطنة عُمان حتى لا يظل التركيز مقتصرًا على محافظة مسقط فقط. وأضافت أن مستشفى المسرة، وبدعم من إدارته، اتجه إلى تنفيذ برنامج تدريب مدربين، أسفر عن تخريج نحو 66 مدربًا في هذا المجال، ليتولوا بدورهم تدريب مسعفين نفسيين جدد في المحافظات، وهو ما وسّع من نطاق البرنامج ومن إمكان وصوله إلى شرائح أوسع من المجتمع.
من المؤسسات الصحية إلى المجتمع
وأوضحت الشيزاوي أن البداية كانت من داخل المؤسسات الصحية، غير أن البرنامج اتسع لاحقًا ليصل إلى الوزارات، والمؤسسات المختلفة، والقطاع الخاص، مشيرة إلى أن من الطموحات الحالية كذلك أن يكون للمسعفين النفسيين دور في مراكز الاتصال التابعة لوزارة الصحة، وفي لجان الأزمات والطوارئ، سواء داخل الوزارة أو خارجها، لأن بعض الحالات التي تتصل أثناء الكوارث الطبيعية أو الأزمات العامة تكون بحاجة إلى دعم نفسي مباشر أكثر من حاجتها إلى خدمة أخرى، وهو ما يجعل وجود مسعف نفسي في مثل هذه المواقع ذا أهمية كبيرة.
الصحة النفسية ليست وصمة
وأكدت الشيزاوي في رسالتها إلى المجتمع أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يعني أن الشخص مريض نفسي، وإنما يعني ببساطة أنه يعتني بجانب أساسي من جودة حياته، تمامًا كما يعتني بصحة القلب أو التغذية أو الرياضة. وأضافت أن الصحة النفسية أصبحت ضرورة وليست رفاهية، وأن كل إنسان قد يمر بضغوط في وقت من الأوقات، وقد يحتاج فقط إلى من يسمعه، أو يسانده، أو يرشده إلى الطريق الصحيح لطلب المساعدة.
طموح إلى مسعف في كل مكان
وختمت فاطمة الشيزاوي حديثها بالتأكيد على أنها تتطلع إلى اليوم الذي يكون فيه في كل مؤسسة مسعف نفسي، وفي كل حي أو مجتمع محلي شخص مدرب على الإسعافات الأولية النفسية، لأن الدعم المبكر قد يغير حياة إنسان بالكامل، ولأن كلمة طيبة أو إنصاتًا صادقًا أو معرفة صحيحة قد تكون بداية طريق التعافي. وأشارت إلى أن الجميع مسؤولون عن نشر ثقافة الوعي والدعم النفسي، داعية الراغبين في الالتحاق بالبرنامج إلى التواصل عبر موقع مستشفى المسرة أو حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على تفاصيل التسجيل وآلية الانضمام.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


