بدر العبري لـ«الوصال»: التاريخ الديني في عُمان لا ينبغي حصره في صورة واحدة وإنما قراءته ضمن تنوعه الحضاري
ساعة الظهيرة
الوصال ــ أشار بدر العبري، الكاتب المهتم بقضايا التقارب والتفاهم، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، إلى أهمية إشهار متحف السيرة النبوية في ولاية سمائل، بوصفه خطوة تُسهم في إبراز جانب مهم من الحضور الديني في التاريخ العُماني، وربطه بسياقه الحضاري والثقافي الأوسع. وأشار إلى أن إنشاء المتاحف التي تحكي قصة الإنسان في عُمان يمثل حالة إيجابية، لأن الإنسان، وفق الذاكرة الجمعية والاجتماع البشري، يتحرك ضمن فضاء الحضارة بما تمثله من نتاج عقلي وثقافي، كما يتحرك ضمن الثقافة بوصفها حصيلة التفاعل الإنساني عبر التاريخ مع الذات والآخر والوجود. وأضاف أن الدين يأتي ضمن هذا المسار ليشكل جزءًا من حياة الإنسان وتدافعه في الاجتماع البشري، ما يجعل أي مقاربة للتاريخ الديني في عُمان بحاجة إلى وعي أوسع بسياقاتها الثقافية والحضارية.
امتداد حضاري
وأوضح العبري أن عُمان، بحكم تاريخها العريق، تمثل امتدادًا لحضارات قديمة، منها حضارة ما بين النهرين، كما ارتبطت بحضارة السند، وكانت لها صلات مبكرة مع الصين وأفريقيا جنوبًا، فضلًا عن علاقتها بالحضارة المصرية عبر جنوب الجزيرة العربية. ولفت إلى أن هذا الامتداد التاريخي أوجد حالة من التدافع الثقافي العميق، دخل ضمنها الجانب الديني، وهو ما يمكن تتبعه في النقوش، والمقابر، والأساطير، والحفريات، والأغاني، وغيرها من الشواهد التي تعكس تفاعل الإنسان العُماني مع محيطه الحضاري. ومن هذا المنطلق رأى أن متحف السيرة النبوية في سمائل يمثل مرحلة زمنية مهمة من الحضور الديني في عُمان، ولا سيما مع ارتباطه بمسجد مازن بن غضوبة، أحد أوائل من دخلوا الإسلام من أهل عُمان، بما يمنح الزائر نافذة على تلك المرحلة التاريخية المبكرة.
قراءة علمية
وبيّن العبري أن أهمية هذا المتحف لا ينبغي أن تقتصر على تقديم رواية احتفالية مرتبطة بدخول الإسلام إلى عُمان، بل ينبغي أن يرافقه جهد بحثي وعلمي يقرأ الإسلام المبكر في البلاد قراءة معرفية، لا قراءة لاهوتية مغلقة. وأضاف أن علاقة عُمان بالحجاز لم تبدأ مع ظهور الإسلام، بل تسبق ذلك بزمن، وهو ما يدل عليه ـ في رأيه ـ دخول العُمانيين في الإسلام في السنة الثامنة للهجرة، بما يشير إلى وجود صلات أقدم بين الطرفين. ومن هنا شدد على أهمية أن يصاحب المتحف مركز بحثي يقرأ هذه المرحلة قراءة علمية، ويضعها ضمن سياقها الأوسع في التاريخ العُماني.
تاريخ ديني متنوع
وأشار العبري إلى أن التاريخ الديني في عُمان لا يمكن حصره في مرحلة واحدة أو في صورة مذهبية أو طقوسية واحدة، مؤكدًا أن البلاد عرفت عبر تاريخها وجودًا دينيًّا متنوعًا يعكس طبيعة تفاعلها مع محيطها الإقليمي والحضاري. وأوضح أن عُمان ارتبطت قديمًا بالزرادشتية، وأن آثار هذا الوجود لا تزال باقية في بعض مناطق الداخل، كما عرف المجتمع العُماني وجودًا يهوديًّا، خاصة في بعض مناطق الجنوب والشمال، إلى جانب ارتباطه سياسيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا بالنساطرة لفترات امتدت إلى قرون متأخرة نسبيًّا. وأضاف أن قرب عُمان من الهند أوجد تداخلًا مع الهندوسية والبوذية والسيخية، كما أن الوجود البرتغالي جلب معه المسيحية الكاثوليكية، ثم جاءت لاحقًا الإرساليات البروتستانتية، قبل أن تشهد البلاد بعد عام 1970 حضور جماعات دينية مختلفة من الأرمن والسريان والأقباط وغيرهم، فضلًا عن وجود أقليات أخرى مهاجرة. كما أوضح أن الداخل الإسلامي نفسه في عُمان عرف تنوعًا عقديًّا وفقهيًّا وسلوكيًّا، شمل الإباضية والأشاعرة والسلفية والإمامية، إلى جانب وجودات تاريخية للزيدية والإسماعيلية والبهرة، فضلًا عن طرق صوفية وعرفانية متعددة.
خارج القراءة اللاهوتية
وفي تفسيره للفارق بين القراءة اللاهوتية والقراءة الحضارية للتاريخ الديني، أوضح العبري أن القراءة اللاهوتية ذات طابع عقائدي خاص، ترتبط بالمذهب أو الطائفة أو الديانة، وتتصل بثنائيات من قبيل الصواب والخطأ، وهي في نظره قراءة قد يكون لها مجالها في الجامعات أو البحوث المتخصصة أو المؤسسات الدينية الخاصة، لكنها لا ينبغي أن تكون هي المنظور الوحيد عند قراءة التاريخ الديني في إطار الاجتماع البشري. وأضاف أن المطلوب هو الانفتاح على ما أنتجته الظاهرة الدينية في المجتمع من صور مادية وثقافية، مثل اللباس، والمطعومات، ودور العبادة، والقبور، والأساطير، والأغاني، وأنماط التفاعل الاجتماعي المختلفة. ورأى أن وجود هذه الصور في عُمان أوجد تداخلًا واضحًا في الاجتماع البشري، يمكن تتبعه في الأزياء، والنقوش، والمواقع الأثرية، والعادات، والأهازيج، والطقوس المرتبطة بالحياة اليومية، ما يجعل قراءتها من زاوية إنسانية منفتحة أكثر فائدة في فهم التاريخ الديني للبلاد.
متحف مركزي
وطرح العبري فكرة إنشاء متحف مركزي شامل يعرض الخريطة الدينية لعُمان، مقترحًا أن يرتبط هذا المتحف بجامع السلطان قابوس الأكبر، بوصفه الواجهة الدينية الأبرز التي يقصدها السائح والباحث عن البعد الثقافي والديني في السلطنة. وأوضح أن هذا المتحف، في تصوره، ينبغي أن يقوم على أربعة محاور رئيسية، أولها الترميم والتوثيق المادي للنقوش والآثار ودور العبادة والشواهد التاريخية المتعلقة بالتنوع الديني في عُمان، وثانيها إنشاء مركز بحثي مستقل يدرس الظاهرة الدينية في البلاد قديمًا وحديثًا، وثالثها إقامة مكتبة بحثية ومركز ثقافي منفتح على مختلف الطوائف والأطياف داخل عُمان وخارجها، ورابعها أن تتفرع عنه متاحف متخصصة في عدد من المواقع، مثل متحف السيرة النبوية في سمائل، ومتحف للعمارة المرتبطة بمسجد الشواذنة في نزوى، ومتحف للتعايش الديني في صحار، ومتحف للجانب الصوفي والعرفاني في مرباط بمحافظة ظفار. ورأى أن مثل هذا المشروع يمكن أن يضيف قيمة ثقافية وسياحية ومعرفية كبيرة، ويختصر صورة المشهد الديني العُماني للزوار والباحثين.
سياحة دينية
وأكد العبري أن عُمان، في ظل انفتاحها الراهن، مرشحة لأن تشهد اهتمامًا متزايدًا بالسياحة الدينية والثقافية، خاصة مع وجود جيل جديد أكثر احتكاكًا بالعالم، وأكثر انفتاحًا على الأسئلة المتعلقة بالدين والتاريخ والتنوع. وأوضح أن هذا الجيل، بحكم تواصله مع العالم رقميًّا وسياحيًّا، يواجه أسئلة متعددة ناتجة عن الاختلاط الثقافي والديني، ما يجعل وجود مراكز ومتاحف ومؤسسات معرفية تعالج هذه الأسئلة بصورة علمية ومنفتحة أمرًا مهمًّا. وأضاف أن مثل هذه المشاريع لا تنقل النقاش من التوجس إلى التعايش فقط، بل تسهم أيضًا في إبراز البعد الجمالي في اختلاف البشر وتنوعهم، وهو ما يمنح المجتمع أدوات أفضل لفهم ذاته وتاريخه وعلاقته بالآخر.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


