الوصال ـ استعاد الدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي، الأكاديمي بجامعة نزوى والباحث في الشأن العُماني، ملامح التجربة الأدبية للكاتب والروائي الراحل محمد بن عيد العريمي، معتبرًا أن أعماله جمعت بين السيرة الشخصية وذاكرة المكان وتحولات المجتمع، وقدمت نموذجًا في الكتابة التي تستند إلى لغة بسيطة ومحتوى عميق وقضايا إنسانية متصلة بالصمود والكرامة وترميم الذات.

وقال البوسعيدي خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» مع مديحة السليماني عبر إذاعة الوصال إن كتاب «مذاق الصبر» الذي صدر عام 2001 شكّل محطة بارزة في تجربة العريمي، إذ مزج بين تفاصيل المحنة التي مر بها وبين إرادة النهوض، إلى جانب ما حمله من توثيق للزمان والمكان ومراحل التحول التي عاشها الكاتب. وأوضح أن العمل قدّم تجربة شخصية تحولت إلى مادة أدبية ذات أبعاد اجتماعية ونفسية وروحية، معتمدًا على أسلوب يجمع بساطة اللغة ووضوحها بعمق المحتوى، بما جعله أقرب إلى فلسفة للتصالح مع الواقع وتحويل المعاناة إلى قوة.

المكان في قلب السرد

وأشار البوسعيدي إلى أن الأمكنة حضرت بقوة في أدب العريمي، ولم تكن مجرد خلفية للأحداث، وإنما وسيلة لقراءة تحولات المجتمع العُماني والإنسان في أبعاده الاجتماعية والنفسية والثقافية. وبيّن أن هذا الحضور ظهر في «مذاق الصبر» من خلال مرمول ومسقط ولندن، كما امتد إلى أعمال أخرى مثل «حبس القيد»، الذي استعاد فيه الكاتب تجربة السجن المعنوي من خلال السجن المادي لبطل الرواية، بما يقترب من جوانب من معاناته الشخصية.

وأضاف أن المكان ظل عنصرًا محوريًا أيضًا في «بين الصحراء والماء»، بدءًا من العنوان الذي يجمع فضاء الصحراء بالماء، وصولًا إلى استحضار وادي المر وصور وتحولات الحياة فيها، ومن بينها دخول الراديو إلى البيت العُماني، إلى جانب توظيف أمكنة أخرى في أعماله لقراءة المجتمع ونقد بعض ظواهره.

ذاكرة تتجاوز الذات

ولفت البوسعيدي إلى أن العريمي لم يكتب ذاكرته الشخصية وحدها، وإنما دمجها بذاكرة المكان والزمان والمجتمع، وهو ما منح أعماله بعدًا توثيقيًا يتجاوز السيرة الفردية. وأضاف أن الكاتب تميز كذلك بالابتعاد عن التعقيد والزخرفة اللغوية، مع ميل واضح إلى السرد الواقعي، مشيرًا إلى أن بساطة الأسلوب لم تمنع أعماله من حمل أسئلة عميقة وقضايا إنسانية وثقافية.

السيرة الروائية

وذكر أن العريمي يمثل واحدًا من الأسماء المهمة في تطور كتابة السيرة الذاتية في سلطنة عُمان، ولا سيما في انتقالها إلى صيغة السيرة الروائية، وهو ما تجسد بوضوح في «مذاق الصبر». وأوضح أن حضوره في المناهج العُمانية يعكس مكانته ضمن هذا المسار، لما قدمه من تجربة جمعت بين الذات والمكان والإنسان في بناء سردي واحد.

أدب يحمل قضية

وأكد البوسعيدي أن البعد القيمي كان من أبرز سمات تجربة العريمي، إذ لم تكن الكتابة لديه غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لطرح قضايا تتصل بالكرامة والهزيمة والاستقلال وترميم الذات والتحدي والقدرة على النهوض. وأشار إلى أن أعماله تناولت موضوعات متعددة، من بينها أدب السجون والتحدي وتوثيق الحياة والمكان، إلى جانب مساهمته في حركة الترجمة في سلطنة عُمان.

واختتم البوسعيدي حديثه بالتأكيد على أن أثر محمد بن عيد العريمي سيظل حاضرًا في المشهد الثقافي العُماني من خلال أعماله السردية وتجربته في السيرة والترجمة وما تركه من توثيق لذاكرة الإنسان والمكان.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو