الوصال - يأتي كتاب "مترفون على كراسي الإدارة" للدكتور درويش بن سيف المحاربي كحلقة جديدة ولافتة في سلسلة كتب سابقة سبرت اغوار محاور عدة من منظومات القيادة وصناعة القرارات في المؤسسات، فيتطرق عبر إصداره الجديد الى الإطار الكلي والجزئي للنظام الإداري بارزا “أهمية الحديث عن النظام في هيئته الأشمل لما يُشكله من أهمية بالغة لكونه أساس عمل ما يندرج في فلكه من أجزاء مختلفة"، ويكشف خطورة التركيز على الأجزاء منفردة دون مراعاة التفاعل الذي يحدث في نطاقها وتأثيرها على العمل الجزئي والكلي للنظام.

 ويشير الدكتور المحاربي إلى التركيز التام للجزء داخل النظام "الاختزالية"، والتي يتم النظر من خلالها على الأجزاء؛ فتحظى باهتمام بالغ من خلال تحديد إطار عملها بغية فهمها وتطوير ما تقوم به منفردة. ويجادل بانه "على الرغم من ان فهم عمل الأجزاء مهم للغاية إلا أنه عند إسقاط هذا على الأنظمة (أين كان نوعها) فإن أول مشكلة ستظهر هي أن (الكل) في الغالب يتخذ شكلًا متفردًا لا يمكن التعرف عليه من خلال الأجزاء المكونة له؛ حيث إن تحقيق هذا يعتمد بشكل تام على بروز التفاعلات بين الأجزاء، وهذه ترتبط ببعضها البعض من خلال شبكات معقدة من العلاقات الوظيفية تحتاج إلى معرفة متخصصة وجهد كبير وخبرات واسعة، منوها بأهمية الأجزاء في هذا الإطار لتحديد كفاءة وفاعلية النظام بأكمله، ولها تأثير مباشر ومحوري على الأداء والنتائج المرجوة منه من خلال عملها المتناغم والمتوازن والسلس."

 ويتوسع تعريفه نتيجة لهذا ليشمل التقسيمات الإدارية المختلفة في الهيكل التنظيمي الواحد؛ فيكون منها: قسم مترف ودائرة مترفة، ومديرية مترفة ووحدة مترفة، وما إلى ذلك من مواقع مؤسسية."  ويزيد على هذا بقوله "إن مؤدى الترف هو الإخلال بالنظام الرسمي وإيجاد سلطة بديلة تدير الأعمال بالطريقة التي تحقق غايات المترفين. إن من بين السمات السيئة لهذه الآفة المقيتة هو ما تخلفه من مآسٍ وضيق نفوس في المؤسسات. فالمترف مستعظم لنفسه مزهوٌّ بها، يرى فيها العلو والرفعة، محتقرًا لغيره، غير مكترث بسبل العدل في التعامل مع الآخرين، وخارجًا عن الحق والنظام والعدالة. وهكذا، فإنه ما لم يكن هناك سقف يوقف الطموحات غير المشروعة لهؤلاء وسلطة تعيدهم إلى مستوى نفوذ وصلاحيات وظائفهم دون تجاوز، فإن شوكتهم تقوى، وسلطتهم تتوسع، وسوءهم ينتشر."

ويشّدد الدكتور المحاربي على انه "في العمليات الإدارية الفرد والمؤسسة شطران متداخلان ومنجذبان لبعضهما البعض ومنقادان إلى ما وافق توجهات الآخر في شأن الفضائل والرذائل وما يرتبط بهن؛ فيؤثران في صلاح أحوال كل منهما كما يؤثران في فسادها، ومن هذا جاء ربطه للمترف بكرسي الإدارة في عنوان الكتاب؛ موضحا ان الكرسي في اللغة كما عند ابن منظور هو الشيء الذي قد ثَبَت ولزِم بعضُه بعضًا، "وقصد به في الكتاب "ما لزم الموظف نظير وجوده في نظام إداري، وهو كناية عن ارتباطه الرسمي بالمؤسسة التي يعمل بها، وكذلك التزام التقسيمة الإدارية بما يربطها في النظام الإداري العام من قوانين وقرارات وإجراءات."

الكتاب مقسم على ست وجهات وعدد من المسارات والتفرعات،  وتحوي كل وجهة عددًا من المحاور الإدارية المختارة التي صنفت من منابع ضياع الأنظمة الإدارية التي تفرز الترف والمترفين في المؤسسات. ويعرض في الوجهة الثانية مقدمة عن الكتاب، وفي الثالثة تبرز تفاصيل مهمة عن أهمية النظام الإداري في العمل المؤسسي، وضرورة فهم إطاره الكلي والجزئي واستيعاب العمليات المختلفة المنبثقة من وجود أو عدم وجود روابط وظيفية بينها. وتشرع الوجهة الرابعة في رحلة استطلاعية عن الآفات الإدارية التي تصيب المؤسسات وتأثيرها في النظام الإداري ودورها في عدم تحقيق الأهداف، ساردة بشيء من التفصيل ستًا من هذه الآفات التي رآها الدكتور المحاربي بيئة خصبة لضياع تحقيق الأهداف وظهور الترف والمترفين وهي آفة غياب الفكر المؤسسي الراشد، وآفة الفشل في تصميم سياسة مؤسسية مناسبة، وآفة الإغراق التنظيمي وآفة وهم التخطيط الاستراتيجي، وآفة التفكير خارج الصندوق وآفة المترفين أنفسهم في المؤسسات.

ويقدم الدكتور درويش المحاربي في الوجهة الخامسة مساحة مناسبة لمناقشة وتحليل ثلاثة من عهود الأئمة الذين تحملوا مسئولية قيادة الأمة في حقب مختلفة من تاريخ عُمان وهم: الصلت بن مالك وراشد بن سعيد وناصر بن مرشد -رضي الله عنهم- جميعًا. وقدم تحليلا اوليا لهذه العهود مبينا انها إطارًا رسميًا مُحكمًا لرشادة الأنظمة الإدارية ومانعة للترف في المؤسسات ورادعة للمترفين.

وفي تحليله يبين الدكتور درويش المحاربي أهمية المبادئ والقيم والضمير في حياة الانسان وعِظَمِ دورها في الأنظمة الإدارية، ويسرد جوانب عدة مختارة من التاريخ العُماني "الحافل بقادة استثنائيين، أسهموا بسيرهم على الصراط المستقيم وتحليهم بالمبادئ والقيم النبيلة؛ فصنعوا أمجادًا تليدة وملهمة في أزمنة غابرة استمر وهجها وأثرها فيمن تعاقب من أجيال على مر العصور." مشيرا الى ان اختياره لتحليل العهود الثلاثة جاء كونها في نظره تمثل عينة مناسبة للعقود الإدارية بين القادة ومن يختاروهم ليقوموا على أمور الناس في مناصب قيادية هامة في مختلف التقسيمات الإدارية. والعهد في تحليله هو "ميثاق عمل بين طرفين (الإمام والوالي) يبيِّن الواجبات والالتزامات والوصايا الواجب إنفاذها". ويوضح ان العهود الثلاثة تبرز "جوانب مهمة من إدارة شؤون الناس، خاصة في المستويات القيادية العليا؛ إذ إنها موجهة من أئمة المسلمين في أزمنة مختلفة إلى الولاة الذين كان لهم دور مهم وبارز في إدارة شؤون البلاد والعباد مع القادة الآخرين مثل القضاة." ولا يسعى الدكتور المحاربي كما ذكر لبحث أدوار هؤلاء القادة وأثرهم في الحياة العامة، بل سعى ان يبيِّن بشيء من التحليل الأولي "الجوانب المرتبطة بالفهم العام للنظام الإداري وكيف رُبطت أجزاؤه به في حقب مختلفة من الزمان." وفي سعيه هذا، كما يشّدد، لا يعرض كذلك مقارنات بين العهود وما تطرحه العلوم الإدارية الحديثة من نظريات وتطبيقات وذلك لعدة أسباب، منها أن هذا يتجاوز الحدود التي رسمها للكتاب، وكذلك ليقينه التام بأن "الفكر الذي أفرزته العهود الثلاثة متقدم للغاية ويمكن اعتباره من المنابع الأساسية السباقة في مجال القيادة؛ وعليه هو يرى "ان أي مقارنة نراها في غير محلها لعدد من الاعتبارات أهمها ما يتعلق بالمنطلق ونطاق الاتباع." وفيما يتعلق بالمنطلق يذكر الدكتور المحاربي "إن العهود الثلاثة، كما هي بقية عهود الأئمة الصالحين، تنبع من حسن عبادة الله -عز وجل- باتباع أوامره، والسير على سنة رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فرشادة القيادة والإدارة من العبادات، وكذلك الإيفاء بالمسئوليات، والعدل بين الناس، واللين مع المجتهدين المخلصين، والحزم مع المخربين والمترفين، والمحافظة علـى المال الخاص والعام والبعد عن الأهواء وغيرها الكثير. والله جلت قدرته هو واهب الملك بكل أشكاله، والمسئولية والسلطة أجزاء أصيلة من الملك."

والاعتبار الثاني عند المؤلف هو نطاق الاتباع الذي "يحدد ضرورات ودرجة الالتزام الواجبة على الأفراد والمؤسسات، وهذا بطبيعة الحال مرتبط بدرجة كبيرة بالاعتبار الأول السابق ذكره." وفي الاطار الديني "الإنسان مطالب باتباع سبل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال منظومة التقوى في جميع شؤون حياته، والسلطة التي يتمتع بها القادة ما هي إلا جزء يسير من هذه الشؤون، مع اختلاف واحد يتمثل في تحمل أوزارها إن فسدت لأنها مرتبطة بحقوق العامة من الناس."

ومن هنا يرى الدكتور المحاربي أن "اتباع ما تضمنته العهود ليس متروكًا لاختيار الولاة بل مُلزمًا لهم، وقبل هذا لا ريب في أن الولاة أنفسهم حريصون على اتباع أوامر الله من خلال ضمائرهم الحية التي تكون تأدية الأعمال ومراقبتها والمساءلة عنها ذاتية متجذرة فيهم بحكم انتمائهم لدين الله الحنيف والتزامهم به، التي لولاها لما اختارهم الأئمة الثلاثة رضي الله عنهم."

وفي الوجهة السادسة يختم الكتاب بعرض ومضات إضافية للمحاور التي تم سردها في الكتاب ويقدم خلاصة له ويضيف أبعادًا أخرى لها تعرض لواقع بيئات الأعمال وما تفرزه من ظواهر وتحديات.

تلقى الدكتور درويش المحاربي تعليمه الجامعي والعالي في إنجلترا، فحصل على "البكالوريوس" في إدارة الأعمال، وشهادة الماجستير في التخطيط والتنظيم والإدارة، وشهادة الدكتوراه في تخصص صناعة القرارات الإدارية. وعمل عميدًا لكلية التجارة والاقتصاد في جامعة السلطان قابوس، وشغل قبلها منصب مساعد العميد للشؤون الأكاديمية، وأستاذ مساعد في قسم الإدارة في الكلية، ومديرًا إداريًّا لكلية الطب ومديرًا إداريًّا لمركز اللغات في جامعة السلطان قابوس، ثم عين وكيلا لوزارة الصحة للشؤون الإدارية والمالية، واسهم في العمل البرلماني في سلطنة عمان من خلال عضويته في مجلس الدولة للفترة التاسعة.  أسس المحاربي اكاديمية القيادة وصناعة القرارات، وله اهتمامات أكاديمية، وبحثية متعددة في مجال صناعة القرارات، والقيادة وسلوك المؤسسات والتجارة الصغيرة والمتوسطة، وريادة الأعمال وأخلاقيات التجارة، كما له بحوث منشورة في دوريات علمية عالمية، ومؤتمرات دولية في المجالات المذكورة، وعضو في منظمات دولية أكاديمية، ومهنية عديدة. من كتبه "خمس كلمات ثم جاءت الحياة، المعرفة والإنسان في صناعة القرارات"، و "لصوص الإدارة، دور القادة الإداريين في بيئات العمل"، و 1”+1= 1 القيادة بين الرغبة والقدرة وأثرها في صناعة القرارات".

--:--
--:--
استمع للراديو