نصر البوسعيدي لـ«الوصال»: السرد التاريخي بوابة السياحة.. وعُمان متحف مفتوح يحتاج إلى حكاية تليق بآثاره
منتدى الوصال
الوصال ـ أكد نصر بن ناصر البوسعيدي، إعلامي وباحث في التاريخ العُماني، أن السرد التاريخي يمثل عنصرًا أساسيًّا في التعريف بالمواقع الأثرية وتعزيز حضورها السياحي، موضحًا أن الأثر حين يُقدَّم مقرونًا بحكايته يمنح الزائر فهمًا أعمق لقيمته، ويولد لديه شغفًا بمعرفة تاريخ سلطنة عُمان وشعبها وحضارتها. وأوضح خلال استضافته في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة إعلامية وترويجية سريعة قادرة على الوصول إلى مختلف شعوب العالم، ويمكن استثمارها في إبراز المقومات الطبيعية والتاريخية والحضارية لسلطنة عُمان.
وأشار إلى أن ما ينشره المصورون خلال موسم خريف ظفار يمثل نموذجًا واضحًا على قدرة هذه المنصات على تقديم المواقع العُمانية إلى جمهور عالمي، مبينًا أن الأمر نفسه ينطبق على السرد التاريخي والتعريف بالمواقع والقطع الأثرية. وذكر أن السياحة الأثرية والتاريخية أصبحت من الركائز المهمة في عدد من الدول، في ظل وجود شريحة واسعة من السياح لديها شغف بمعرفة تاريخ الشعوب، وأن ما يُعرف عن الشخصية العُمانية من قيم وخصوصية حضارية يثير فضول الآخرين لزيارة سلطنة عُمان والتعرف عن قرب على المجتمع وتاريخه.
وبيّن أن قيم المجتمع العُماني وعاداته وتقاليده ليست وليدة المرحلة الراهنة، وإنما ترتبط بخلفيات تاريخية عميقة، وأن قراءة تاريخ سلطنة عُمان ومشاهدة شواهدها الأثرية مقرونة بالحكايات تسهمان في تفسير طبيعة الشخصية العُمانية وما تتميز به من إرث حضاري وقيمي ممتد. وأضاف أن الوقوف أمام قطعة أو موقع أثري دون تقديم حكايته يجعل الزائر غير قادر على إدراك قيمته الحقيقية، مؤكدًا أن السرد هو الذي يحول الأثر من مبنى أو قطعة صامتة إلى تجربة معرفية حية تظل عالقة في ذاكرة السائح.
الحقيقة والدهشة
وحول الموازنة بين التشويق والحقيقة التاريخية، أوضح البوسعيدي أن اللجوء إلى الإثارة المبالغ فيها يحدث عادة عندما يكون المحتوى فقيرًا، في حين تمتلك سلطنة عُمان رصيدًا واسعًا من الحكايات والأحداث التاريخية الأصيلة التي تحمل في ذاتها عناصر الدهشة والتشويق.
وأكد أن سلطنة عُمان تشبه متحفًا مفتوحًا غنيًّا بالأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن تقديم هذه الأحداث لا يحتاج إلى اختلاق روايات، وإنما إلى الاطلاع على المصادر التاريخية وأمهات الكتب، ثم إعادة صياغة المعلومات بأسلوب عصري سريع يتناسب مع المتلقي الحالي.
وأشار إلى أن لغة المؤرخين قبل مئات السنين تختلف عن لغة الجمهور اليوم، ما يستدعي فهم الحدث بعمق ثم تقديمه بلغة حديثة واضحة ومختصرة دون الإخلال بحقيقته أو سياقه. ولفت إلى أن من يستطيع نقل الحكاية التاريخية «من القلب إلى القلب» هو من يتعمق في أصل الحدث ويستند إلى المراجع والمصادر، لأن التمكن من التفاصيل يمنح الراوي القدرة على تقديم المحتوى بأسلوب مشوق وموثوق في الوقت نفسه.
وذكر أن بعض المواقع لا تتوافر عنها مصادر مكتوبة مباشرة، إلا أن ذلك لا يلغي أهمية الروايات الشفهية والحكايات الشعبية، شريطة تقديمها إلى المتلقي بصفتها رواية متداولة، واستخدام عبارات واضحة من قبيل «يُقال» أو «تذكر الرواية الشعبية»، بما يفصل بينها وبين الحقيقة التاريخية المثبتة. وبيّن أن الأساطير والروايات الشعبية تمثل مجالًا معرفيًّا قائمًا بذاته، إلا أن سلطنة عُمان تمتلك كذلك عددًا كبيرًا من الأحداث والمواقع الأثرية الموثقة التي يمكن تقديمها باستمرار دون الحاجة إلى المبالغة أو اختلاق القصص.
واقترح استبدال مفهوم «الإثارة» بمفهوم «الدهشة»، موضحًا أن الآثار العُمانية تحمل دهشة سياسية واجتماعية وبصرية، إلا أن المشكلة تكمن أحيانًا في اختيار مفردات ترويجية ضعيفة لا تعكس قيمة الموقع أو الحدث.
لغة الترويج
ورأى البوسعيدي أن الخطاب المستخدم في الترويج للمواقع التاريخية لا يزال في بعض الأحيان تقليديًّا ورسميًّا، وكأن هناك ترددًا في الحديث عن الأثر بلغة قوية ومبهرة، رغم ما يحمله من قيمة تاريخية كبيرة. وأشار إلى أن عددًا من المواقع العُمانية المسجلة في قائمة التراث العالمي لا يعرف كثير من المواطنين والمقيمين أسباب تسجيلها أو الخصائص التي منحتها هذه المكانة، إذ تُقدَّم عنها غالبًا خطوط عامة وعناوين مختصرة لا تروي الحكاية الكاملة.
وأوضح أن الموقع لا يُسجل ضمن التراث العالمي دون امتلاكه قيمة استثنائية وحكايات وأحداثًا وآثارًا مهمة، إلا أن استخدام عبارات رسمية جامدة لا يخلق لدى المتلقي الشعور بالدهشة أو الرغبة في الزيارة. واستشهد بموقع بات الأثري، مشيرًا إلى أن بعض الباحثين وعلماء الآثار يرجعون تاريخ بعض مدافنه إلى فترة تسبق بناء الأهرامات، ومن ثم يمكن تقديمه إلى الزائر بعبارة قوية ومباشرة توضّح أنه سيزور موقعًا يعود تاريخه إلى ما قبل الأهرامات، بدل الاكتفاء بتعريف رسمي عام.
وبيّن أن هذا الأسلوب لا يقوم على اختلاق المعلومات، وإنما على انتقاء أكثر الحقائق التاريخية جذبًا وتقديمها بمفردات مناسبة، موضحًا أنه يمكن كذلك تعريف الزائر بموقع عُمره أكثر من 1500 عام بدل الاكتفاء بذكر اسم الحارة أو المكان دون توضيح قيمته الزمنية. وأكد أن الأجيال الحالية أجيال بصرية تتفاعل مع الصورة والفيديو، ما يتطلب تطوير الطريقة التي تُقدَّم بها المواقع والشخصيات التاريخية، وربط المعلومات بالصور والمشاهد والتجارب الحسية.
معرفة المكان
وحول القيود التي قد تواجه العاملين في الإرشاد السياحي عند سرد التاريخ، رأى البوسعيدي أن معظم القيود شخصية وفردية، وليست قيودًا مفروضة على السارد، باستثناء ضرورة الابتعاد عن كل ما يثير العداء المذهبي أو القبلي أو الاجتماعي. وأوضح أن جهل الشخص بتفاصيل الموقع هو الذي يجعله محدود السرد والمعلومات، وأن الراوي الذي لا يقرأ عن المكان لن يستطيع تجاوز التعريفات العامة أو الإجابة عن أسئلة الزائر.
ولفت إلى وجود حالات تختلف فيها الرواية التي يقدمها بعض الباحثين عن الرواية المتداولة لدى الجهة الحكومية المعنية بالموقع، مؤكدًا أهمية الاستعانة بالباحثين المتخصصين والعودة إلى الوثائق والمصادر الأصلية للوصول إلى سردية أكثر دقة. وتناول في هذا السياق رؤيته لتاريخ قلعة الميراني، موضحًا أنه يستند إلى وثائق برتغالية وإسبانية تتناول مرحلة الوجود البرتغالي والإسباني في مسقط خلال الاتحاد الإيبيري، ويرى أن هذه الوثائق تقدم تفاصيل دقيقة عن أصل القلعة وتاريخها.
وأشار إلى أنه عرض ما توصل إليه من أدلة على المعنيين في وزارة التراث والسياحة، مؤكدًا أن تصنيف الأثر ينبغي أن يستند إلى القرائن والوثائق الأصلية، وأن الباحث مطالب بتوضيح المرجع الذي بنى عليه روايته. وذكر أن الإمام سلطان بن سيف اليعربي أبقى بعد اقتحام قلعة الميراني عام 1650 على الكنيسة والكتابات الموجودة فيها، ومن بينها كتابات باللغة اللاتينية وأسماء لملوك إسبانيا، معتبرًا أن بقاء هذه الشواهد يقدم دلالات تاريخية وحضارية متعددة.
ورأى أن هذا الأمر يكشف عن جوانب مهمة في شخصية القائد العُماني، من بينها التسامح واحترام الشواهد التاريخية وتركها دليلًا على المرحلة السابقة، بدل طمسها أو نسبها إلى العُمانيين. وأكد أن هذه التفاصيل قادرة على منح قلعة الميراني سردية سياحية ثرية، تجمع بين تاريخ المكان والشواهد المعمارية والتسامح الديني والعقلية القيادية العُمانية، داعيًا إلى الاتفاق على المعلومات التي تؤيدها الأدلة واستخدام لغة مناسبة للترويج لها. وأضاف أن المتلقي يميل إلى تصديق الراوي الذي يقدم القرائن والمصادر، خاصة عندما تكون الأدلة متوافرة في النصوص التاريخية وفي الأثر القائم نفسه.
شخصيات عُمانية
وتطرق البوسعيدي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى الشخصيات العُمانية المسجلة ضمن برامج وفعاليات التراث العالمي، مؤكدًا الحاجة إلى حضورها بصورة أوسع في ذاكرة المجتمع وفي المشهد البصري للمدن والولايات.
واستشهد بالخليل بن أحمد الفراهيدي، مؤسس علم العروض، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العرب يعرفون شخصيته وإسهاماته، إلا أن بعضهم لا يعرف ارتباطه بسلطنة عُمان. وأوضح أنه لمس ذلك خلال مشاركته في معارض دولية ولقائه بأشخاص من دول عربية وأجنبية يعرفون الخليل بن أحمد الفراهيدي، لكنهم لا يربطونه بهويته العُمانية.
وأشار إلى وجود جهود لتسجيل عدد من الشخصيات العُمانية والاحتفاء بها، ومن بينها أبو مسلم البهلاني، والخليل بن أحمد الفراهيدي، والطبيب راشد بن عميرة الهاشمي الرستاقي، إلا أن حضور هذه الشخصيات على أرض الواقع يحتاج إلى مزيد من التجسيد البصري. واقترح تخصيص رمزيات بصرية في مداخل الولايات والميادين والأماكن العامة للتعريف بالشخصيات المرتبطة بكل منطقة، موضحًا أن عددًا من الدوارات يجسد مفردات من البيئة العُمانية، مثل الأسماك والمها والقمر وغيرها، ويمكن أيضًا توظيف الفضاءات العامة في إبراز العلماء والقادة والأدباء. وبيّن أن المقصود لا يقتصر على إقامة تماثيل بالشكل التقليدي، وإنما يشمل المنحوتات والرسومات والمجسمات والرموز المعمارية التي تذكّر بالشخصية وتقدم للزائر مدخلًا إلى قصتها.
وأشار إلى إمكانية وضع رمزية للخليل بن أحمد الفراهيدي عند مدخل ولاية المصنعة، وأخرى للطبيب راشد بن عميرة في ولاية الرستاق، بما يسهم في ربط الشخصيات بولاياتها وترسيخها في ذاكرة الأطفال والزوار. وأكد أن تخليد الشخصيات مهم كتابيًّا وبصريًّا، وأن القيمة الأساسية لهذه الرمزيات تكمن في تذكير الناس بهوية الشخصية وإسهامها العلمي والثقافي والحضاري.
واستشهد بالصورة التاريخية المتداولة للسيد سعيد بن سلطان، مبينًا أنها أصبحت مرجعًا بصريًّا يجعل الأطفال والجمهور يتعرفون إلى الشخصية بمجرد مشاهدة الصورة، وهو ما يؤكد أهمية الربط بين المعلومة التاريخية والرمز البصري. وأضاف أن الدراما العُمانية سبق أن جسدت شخصيات تاريخية، مثل الإمام ناصر بن مرشد والإمام سلطان بن سيف اليعربي، ضمن أعمال تناولت حكايات من التاريخ العُماني، ويمكن الإفادة من هذه التجارب في إنتاج رمزيات وأعمال بصرية جديدة.
الذكاء الاصطناعي
وحول استخدام الذكاء الاصطناعي في تجسيد التاريخ، أشار البوسعيدي إلى أن غياب الإنتاج الاحترافي يفتح المجال أمام اجتهادات فردية قد تقدم الشخصيات والأحداث التاريخية بصورة غير دقيقة. وأوضح أن بعض المقاطع المتداولة تحاول إعادة بناء صور شخصيات تاريخية باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنها قد تؤدي إلى تشويه بصري غير مقصود، نتيجة ضعف المعلومات أو محدودية الخبرة الفنية والتاريخية لدى منتجيها.
وأكد أن الحل لا يكمن في المنع أو الرفض فقط، وإنما في ملء الفراغ بأعمال احترافية موثقة، لأن الجمهور سيتجه إلى الإنتاج الجيد حين يتوافر أمامه محتوى تاريخي جذاب ودقيق. ولفت إلى أن عددًا من الدول استثمر تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمال تاريخية وبصرية ذات جودة عالية، وأن الشركات العُمانية تمتلك قدرات فنية تمكنها من تقديم محتوى مماثل، إلا أنها تحتاج إلى الدعم والتمويل.
وذكر أنه تواصل مع عدد من الشركات المتخصصة وسألها عن أسباب غياب الأعمال التي تقدم الملاحم والأحداث والشخصيات العُمانية بوسائل بصرية مبهرة، وكانت الإجابة أن هذه الإنتاجات تحتاج إلى تكلفة ودعم حقيقيين. واقترح تخصيص جزء من مبالغ المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص لتنمية المحتوى الرقمي التاريخي المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ضمن إطار من الحوكمة والإشراف العلمي. وأوضح أن إشراك القطاع الخاص في إنتاج هذا المحتوى يمكن أن يسهم في مواجهة التشويه التاريخي، والمحافظة على الذاكرة الجمعية، وتقديم الرواية العُمانية بأسلوب يتناسب مع المنصات الحديثة. وأشار إلى أن شركات القطاع الخاص تنفق مبالغ كبيرة خلال المناسبات والأعياد الوطنية على إنتاج فواصل إعلانية ذات مضمون وطني، ويمكن توجيه جزء من هذه الاستثمارات إلى إنتاج محتوى تاريخي مستمر يوظف الذكاء الاصطناعي ويعرّف بالأحداث والشخصيات العُمانية. وأكد أن هذا التوجه لا يمثل ترفًا إعلاميًّا، وإنما يعد دفاعًا عن الذاكرة الوطنية والتاريخية، وحماية لها من الصور والمعلومات غير الدقيقة.
استثمار القلاع
وأشاد البوسعيدي بالحراك الذي شهدته القلاع والحصون من خلال طرح عدد منها للاستثمار وتشغيلها واستقبال الزوار، لما لذلك من أثر في صيانتها وإحيائها وتحويلها إلى مواقع نشطة. إلا أنه رأى أن تجربة زيارة بعض المواقع لا تزال تفتقر إلى السرد الذي ينقل الزائر إلى أجواء الحدث التاريخي، من خلال الأصوات والمشاهد والعروض البصرية والتفاصيل التي تربط المكان بما شهده من وقائع.
وأوضح أن الحل يبدأ قبل إسناد الموقع إلى الشركة المستثمرة، من خلال الاجتماع بالشركات المتقدمة وسؤالها عما إذا كان مشروعها تجاريًّا بحتًا، أو أنه سيعكس حكاية القلعة وتاريخها وفق ما يقدمه الباحثون والمتخصصون. وأكد ضرورة أن يتضمن تقييم العروض الاستثمارية بندًا واضحًا يتعلق بالسردية التاريخية للموقع، معتبرًا أن تحويل القلعة إلى مكان تجاري يضم مقهى وفعاليات دون تقديم قصتها يمثل انتقاصًا من قيمتها.
وبيّن أن القلاع العُمانية لم تُبنَ بصورة عشوائية، وإنما ارتبط كل منها بأهداف سياسية وعسكرية وإدارية كبيرة، وكانت تمثل في مراحل تاريخية مختلفة سيادة الدولة العُمانية وحضورها. ودعا إلى جمع الباحثين والأكاديميين وعلماء الآثار والمتخصصين للعمل على كل موقع قبل تشغيله، وإعداد سردية موحدة ومنطقية يمكن استخدامها في الترويج والعروض السياحية والمحتوى البصري.
وأشار إلى أن هذا العمل يمكن إنجازه قبل افتتاح الموقع للاستثمار أو بالتزامن معه، بما يمنح الشركة أساسًا علميًّا جاهزًا تستطيع البناء عليه بدل البدء من الصفر. وتفهم في الوقت نفسه التحديات التي تواجه الشركات المستثمرة، ومنها محدودية أعداد الزوار والعائد المالي وارتفاع تكلفة الإنتاج، إلا أنه أكد أهمية مساهمة الجهات المختصة في إعداد المادة التاريخية وتسهيل إنتاجها.
المرشدون السياحيون
وتناول البوسعيدي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» تجربته في تنظيم حلقة مجانية للمرشدين السياحيين الذين يصطحبون الزوار إلى عدد من مواقع محافظة مسقط، من بينها قلعة الميراني ومطرح، بالتنسيق مع إدارة قلعة الميراني. وأوضح أن الحلقة شارك فيها نحو 30 شخصًا، وتناولت عددًا من القضايا المرتبطة بالإرشاد والسياحة، إلا أن الملاحظة الأبرز تمثلت في رغبة عدد من المشاركين في الحصول على معلومات جاهزة ومختصرة دون قراءة المراجع والتعمق في تاريخ المواقع.
وبيّن أن هذه المسألة ترتبط بالمرشد نفسه، لأن الكتب والمراجع التي تناولت المواقع والأحداث العُمانية متاحة، ولا يمكن الاعتماد على معلومة سمعها الشخص من آخر ثم نقلها إلى الزائر دون الرجوع إلى أصلها. وأضاف أن الزائر قد يطرح أسئلة تتجاوز المعلومة الأولية، وإذا لم يكن المرشد ملمًّا بالخلفية التاريخية فقد يقدم إجابة خاطئة أو يظهر بمستوى معرفي ضعيف. وأشار إلى أن عددًا من المؤسسات الرسمية، ومنها الجهات المعنية بالتراث والثقافة، أصدرت كتبًا ومراجع تتصل بتاريخ المواقع، إلا أن الإفادة منها تحتاج إلى اجتهاد شخصي واهتمام بالقراءة.
ولفت إلى أن غياب الرقابة قد يسمح أحيانًا بتداول روايات مغلوطة، مستشهدًا بمواقف صادف فيها سائحًا تلقى معلومات غير صحيحة من مرشد، ما اضطره إلى التدخل وتوضيح المعلومة الصحيحة. وحول الشباب الذين يقدمون محتوى تاريخيًّا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أشار إلى أن بعضهم يركز على الجانب التجاري والتسويقي لشخصه، فيما تظل معرفته بأصل الحكاية محدودة. وأكد أن الفارق بين المحتوى السطحي والمحتوى العميق يتمثل في القراءة والاطلاع، وأن دراسة التاريخ لا تشترط حصول الشخص على تخصص أكاديمي، لكنها تتطلب القراءة المتأنية والتحليل والرجوع إلى الكتب والمراجع.
الجدل التاريخي
وحول تعامل الباحث مع النقد والاختلاف، أكد البوسعيدي أن الاعتراض على الروايات والمعلومات أمر متكرر وطبيعي، وأنه يتعامل معه بالعودة إلى المرجع الذي استند إليه وتقديم الأدلة التي قادته إلى تحليل الحدث بتلك الصورة. وأوضح أن الجدل التاريخي لا ينتهي، إلا أن الأثر القائم والمصدر الأصلي يستطيعان حسم عدد من الخلافات أو ترجيح رواية على أخرى. وأشار إلى وجود اختلافات بين الباحثين أنفسهم، ومن بينها الاختلاف حول توصيف الوجود الإسباني في سلطنة عُمان خلال فترة الاتحاد الإيبيري، موضحًا أنه يستند في حديثه إلى مراسيم ووثائق صدرت عن ملوك إسبانيا، وإلى وثائق مترجمة ومتاحة لدى مؤسسات وباحثين.
وتناول شخصية «قحطان العُماني» التي كتب عنها بوصفها من الشخصيات المقاومة للوجود البرتغالي في القرن السادس عشر، موضحًا أنه عثر عليها في الوثائق البرتغالية، في حين لم يجد ذكرًا لها في المخطوطات العُمانية التي استطاع الاطلاع عليها. وأشار إلى أن بعض المتخصصين في المخطوطات عدّوا هذه الشخصية إضافة جديدة إلى التاريخ العُماني، فيما طرح باحثون آخرون احتمالات مختلفة حول هويتها واسمها وانتمائها.
وأكد أنه لا يرفض الاجتهادات الأخرى، لكنه يطالب أصحابها بتقديم القرائن والمراجع الأصلية، موضحًا أن الوثيقة التي كُتبت قبل نحو 500 عام تكون أقرب زمنيًّا إلى الحدث من كتابة حديثة لا تستند إلى مصدر من الفترة نفسها. وأضاف أن الباحثين يمكنهم الوصول إلى رواية أكثر تماسكًا حين يحتكمون إلى أمهات المصادر، مع الإقرار بأن الاختلاف في التحليل التاريخي سيظل قائمًا.
ضوء التاريخ وظلاله
ورفض البوسعيدي الاقتصار على تقديم الفترات المضيئة من التاريخ وإغفال المراحل الصعبة، معتبرًا أن ذلك يظلم رسالة التاريخ ويحرم المجتمع من الاستفادة من دروسه.
وأوضح أن القرآن الكريم قدم قصص الأمم بإيجابياتها وسلبياتها من أجل العبرة، وأن التاريخ العُماني، شأنه شأن تاريخ بقية الشعوب، ينبغي أن يُقرأ بما يتضمنه من نجاحات وأخطاء وتحديات. وأكد أهمية قراءة القيادات للتاريخ، لأن الاطلاع على تجارب الماضي يساعدها على تجنب الأخطاء التي تسببت في أزمات وكوارث، مشيرًا إلى أن إخفاء الجوانب السلبية يهدم الغاية الأساسية من دراسة التاريخ.
وبيّن أن المجتمع العُماني لم يصل إلى واقعه الحالي بسهولة، وأن معرفة المراحل السابقة تمنح الناس فهمًا أعمق لقيمة المنجزات التي تحققت. وأضاف أن قراءة تاريخ سلطنة عُمان تساعد على إدراك ما قدمه السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - وأسباب مكانته ضمن الشخصيات العظيمة في التاريخ العُماني، كما تساعد على فهم أهمية الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وما واجهه في سبيل الوحدة الوطنية ومقاومة القوى الأجنبية. ورأى أن قراءة المشكلات التي شهدها الماضي تجعل المجتمع أكثر امتنانًا لما ينعم به حاليًّا، وأكثر تمسكًا بالثوابت التي تحافظ على تماسكه ووحدته.
وأشار إلى أن التاريخ العُماني مر بأحداث سياسية مؤلمة وصراعات وحروب داخلية امتدت في بعض المراحل سنوات طويلة، وأن هذه الأحداث يمكن مناقشتها بوعي، في ظل ما يمتلكه الشباب اليوم من قدرة على استيعاب أخطاء الماضي وتحليلها. وأوضح أن منهجيته عند تناول أحداث تتضمن خيانة أو تعاونًا مع قوى أجنبية تقوم على عدم ذكر الانتماء القبلي للشخص، والتركيز على الفعل والأسباب التي دفعته إليه. وبيّن أن الهدف من سرد الحدث ليس تحميل جماعة أو قبيلة مسؤولية تصرف فرد، وإنما تحليل الأسباب الجذرية التي قادت إلى المشكلة، لأن التركيز على الأشخاص وإهمال الأسباب يفقد الرواية التاريخية غايتها التعليمية. ودعا إلى النظر إلى التاريخ بعقلانية والتركيز على الأسباب والدروس والنتائج، بدل استخدامه في إعادة إنتاج الانقسامات أو إثارة الحساسيات.
محتوى غير ربحي
وحول الجدوى الاقتصادية من تقديم التاريخ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أشار البوسعيدي إلى أن المحتوى التاريخي لا يزال أقل جذبًا للمعلنين مقارنة بمجالات أخرى، متحدثًا في ذلك من واقع تجربته الشخصية. وأوضح أن عدد الشباب القادرين على تقديم سرد تاريخي جذاب لا يزال محدودًا، وأن نجاح الشخص في هذا المجال يعتمد أيضًا على طبيعته وأسلوبه وقدرته على معايشة الحدث ونقله إلى الجمهور. وأضاف أن بعض الأشخاص يستطيعون تقديم الحدث بقوة وحيوية، فيما يميل آخرون إلى السرد المباشر، إلا أن العامل المشترك بين الجميع يظل القراءة والاطلاع والتخصص في الموضوع الذي يتناولونه. وأكد مجددًا أن تقديم التاريخ لا يشترط دراسة أكاديمية متخصصة، وإنما يحتاج إلى قراءة الكتب التي تقود إلى المعلومة وفهم سياقها وتحليلها.
الكتب المدرسية
وأبدى البوسعيدي ملاحظته بشأن حضور المؤلفات التاريخية العُمانية في المكتبات المدرسية، داعيًا وزارة التعليم إلى الاستفادة من إصدارات المؤلفين العُمانيين الذين يكتبون التاريخ بأسلوب واعٍ ومناسب للأجيال.
وتساءل عن أسباب عدم استقطاب هذه الكتب ووضعها في المكتبات المدرسية، معتبرًا أن حصر التاريخ في أسلوب تقليدي ومادة جاهزة قد يؤدي إلى ابتعاد الأجيال عن قراءته وعدم قدرتها على تحليل الأحداث الراهنة. وأشار إلى أن قراءة التاريخ تمنح الفرد أدوات لفهم ما يجري اليوم، لأن عددًا من الصراعات والأحداث السياسية المعاصرة له سوابق تاريخية تحمل أسبابًا وتفاصيل متشابهة. وضرب مثالًا بما تشهده منطقة مضيق هرمز من تنافس وصراع، موضحًا أن المنطقة عرفت قبل أكثر من 400 عام أحداثًا تحمل أنماطًا وأسبابًا قريبة، مع اختلاف القوى والأسماء.
وختم الإعلامي والباحث في التاريخ العماني نصر البوسعيدي حديثه بالتأكيد على أن كثيرًا من الأحداث المعاصرة لها صور متكررة في التاريخ، وأن العودة إلى الماضي لا تستهدف البقاء فيه، وإنما تساعد على فهم الحاضر، وحماية الذاكرة الوطنية، وتقديم المواقع والشخصيات العُمانية إلى العالم بسردية دقيقة وجاذبة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


