الوصال ـ نبّه عبدالرحمن البلوشي، مختص في الأمن السيبراني، إلى أن حماية الأفراد في البيئة الرقمية لم تعد مسألة تقتصر على الشركات والمؤسسات، إذ أصبحت حاجة يومية مع توسع استخدام الهواتف الذكية والحسابات الإلكترونية وكاميرات المنازل والأجهزة المتصلة بالإنترنت، مؤكدًا أن وعي المستخدم يمثل خط الدفاع الأول أمام الاحتيال والاستيلاء على الحسابات.  وأوضح خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال أن التطور المتسارع نحو البيوت الذكية وزيادة عدد الأجهزة المرتبطة بالشبكات قد يجعل الاستعانة بمختصين لتقييم مستوى الحماية أمرًا أكثر حضورًا مستقبلًا، إلا أن المسؤولية تبدأ أولًا من المستخدم نفسه وقدرته على فهم أبسط إجراءات الوقاية.

وأشار إلى أن كاميرات المنازل تمثل أحد أكثر الأجهزة حساسية، نظرًا إلى ما تسجله من صور ومقاطع فيديو، وأحيانًا أصوات، وهو ما يتطلب معرفة طريقة اتصالها بالإنترنت وموقع تركيبها وآلية حفظ التسجيلات، وتقييم ما إذا كانت البيانات التي تجمعها قد تتحول إلى مصدر خطر في حال وصول شخص غير مصرح له إليها.

الهاتف مخزن للخصوصية

وبيّن البلوشي أن حماية الهاتف تبدأ باستخدام وسائل القفل المتاحة، سواء الرقم السري أو البصمة أو التعرف على الوجه، إلى جانب اختيار كلمات مرور قوية للحسابات والتطبيقات وعدم الاعتماد على معلومات شخصية يسهل تخمينها، مثل تواريخ الميلاد أو أسماء الأشخاص المقربين أو سنوات مرتبطة بحياة المستخدم.  وأضاف أن الشركات المصنعة للأجهزة ومطوري التطبيقات يتحملون جزءًا من مسؤولية الحماية عبر إصدار التحديثات وإغلاق الثغرات الأمنية، لكن المستخدم يظل مسؤولًا عن طريقة استخدامه للجهاز واستجابته للرسائل والروابط والطلبات التي تصل إليه.

ولفت إلى أنه لا توجد منظومة يمكن وصفها بأنها محمية بنسبة 100 بالمائة، موضحًا أن الهدف هو تقليل فرص الاختراق والاستيلاء ورفع القدرة على اكتشاف المؤشرات غير الطبيعية عند حدوثها.

الاستيلاء ليس اختراقًا

وفرّق البلوشي بين الاختراق التقني والاستيلاء على الحساب، موضحًا أن الاختراق يعني استغلال ثغرة في برنامج أو جهاز لتجاوز وسائل الحماية والوصول إلى البيانات دون الحاجة إلى اسم المستخدم وكلمة المرور، فيما يعتمد الاستيلاء غالبًا على حصول المحتال على بيانات الدخول من صاحب الحساب نفسه عبر الخداع أو الهندسة الاجتماعية.

وأشار إلى أن الاستخدام الشائع لمصطلح «اختراق الحساب» لا يكون دقيقًا في كثير من الحالات، إذ يتبين عند تتبع الواقعة أن صاحب الحساب شارك معلوماته مع طرف آخر أو أدخلها في موقع أو صفحة غير موثوقة. وأوضح أن الهندسة الاجتماعية تقوم على التأثير في المستخدم نفسيًا أو عاطفيًا، سواء بإثارة الخوف أو الاستعجال أو الثقة، لدفعه إلى الإفصاح عن بيانات تمكن المحتال من الوصول إلى الحساب.

كلمة المرور «مفتاح» الخصوصية

واستشهد البلوشي بحالة لشخص اعتقد أن حسابه على «سناب شات» تعرض للاختراق، قبل أن يتبين أنه قدم اسم المستخدم وكلمة المرور لشخص أوهمه بوجود فيروس في حسابه وبقدرته على مساعدته في إزالته. وبيّن أن الطرف الآخر استولى لاحقًا على الحساب ووصل إلى صور شخصية محفوظة فيه، ثم استخدمها للتهديد وطلب مبالغ مالية، مؤكدًا أن مشاركة بيانات الدخول تتيح للطرف الآخر الوصول إلى مساحات واسعة من الخصوصية الرقمية.

وحذر من التعامل مع خدمات التخزين السحابي وحسابات التواصل باعتبارها أماكن لا يمكن الوصول إليها، موضحًا أن حصول شخص على بيانات الدخول قد يفتح له المجال للوصول إلى محتوى شخصي مخزن على الحساب من أي مكان.

ما تنشره قد يُستخدم ضدك

ولفت البلوشي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أهمية الانتباه إلى «البصمة الرقمية» التي يتركها الشخص عبر مواقع التواصل، موضحًا أن المعلومات التي تبدو منفردة وبسيطة قد تتحول عند جمعها إلى صورة مفصلة عن المستخدم.

وضرب مثالًا بنشر صورة لتذكرة سفر أو معلومات عن مكان العمل أو الأشخاص المقربين أو العادات اليومية، إذ يمكن جمع هذه التفاصيل من أكثر من منصة واستخدامها في بناء سيناريو احتيالي أكثر إقناعًا. وأوضح أن الخطر لا يقتصر دائمًا على استهداف صاحب الحساب نفسه، فقد تُستخدم معلوماته أو جهات الاتصال الموجودة لديه للوصول إلى أشخاص آخرين.

رمز التحقق ليس للمشاركة

وحذر البلوشي من مشاركة رمز التحقق لمرة واحدة «OTP» مع أي شخص، مستعرضًا حالة استولى فيها محتال على حساب «واتساب» بعد حصوله على الرمز من صاحبه، ثم استخدم الحساب في طلب تحويل أموال من أحد أفراد أسرته، ما أدى إلى تحويل مبلغ قارب ألف ريال وفق الحالة التي عرضها. وأشار إلى أن هذه الوقائع تبرز كيف يمكن للمحتال الاستفادة من ثقة الأقارب والأصدقاء في هوية صاحب الحساب، إذ تصل الرسالة من رقم معروف وتبدو للمتلقي وكأنها صادرة من الشخص نفسه.

راجع الأجهزة المرتبطة

ودعا البلوشي مستخدمي «واتساب» والبريد الإلكتروني وحسابات «جوجل» وغيرها من الخدمات إلى مراجعة الأجهزة المسجل منها الدخول بصورة دورية، والتأكد من أن جميع الأجهزة الظاهرة تعود إليهم فعلًا.

وأوضح أن بعض التطبيقات تسمح بتشغيل الحساب على أكثر من جهاز، لذلك ينبغي الدخول إلى الإعدادات ومراجعة جلسات تسجيل الدخول، وحذف أي جهاز غير معروف، ثم تغيير بيانات الدخول فورًا عند الاشتباه.  وأكد أن منح الهاتف لشخص آخر دون حماية كافية قد يفتح المجال لربط الحساب بجهاز آخر أو الوصول إلى التطبيقات والمعلومات المخزنة فيه.

التحقق بخطوات متعددة

ورأى البلوشي أن تفعيل التحقق بخطوتين أو بخطوات متعددة من أهم إجراءات الحماية التي يمكن للمستخدم العادي تطبيقها بسهولة، إلى جانب عدم مشاركة بيانات الدخول مع الآخرين. وأشار إلى أن أنظمة التحقق لم تعد تعتمد على كلمة المرور وحدها، إذ يمكن أن تشمل البصمة ورموز التحقق المرسلة إلى البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية والتنبيهات التي تظهر داخل التطبيقات البنكية وغيرها من الوسائل.

كما دعا إلى تنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية والابتعاد عن البرامج مجهولة المصدر أو كسر حماية الهواتف، موضحًا أن هذه الممارسات تضعف مستويات الأمان التي يوفرها النظام وتزيد احتمالات تعرض البيانات للخطر.

الحذر عند استخدام VPN

وفيما يتعلق ببرامج الشبكات الخاصة الافتراضية «VPN»، حذر البلوشي من التعامل معها دون معرفة الجهة المقدمة للخدمة وطريقة إدارتها للبيانات، موضحًا أن استخدام هذه البرامج يغيّر مسار اتصال المستخدم لتنتقل البيانات عبر خوادم تابعة لمزود الخدمة قد تكون موجودة خارج الدولة.

وأشار إلى أن بعض مقدمي هذه الخدمات قد يجمعون بيانات مرتبطة بسلوك المستخدم واستخدامه للإنترنت، داعيًا إلى عدم افتراض أن كل برنامج متاح للتنزيل يوفر المستوى نفسه من الحماية والخصوصية. وأضاف أن تمرير الاتصال عبر جهة ثالثة يقتضي من المستخدم إدراك الجهة التي يأتمنها على بياناته، ولا سيما عند تسجيل الدخول إلى حسابات تتضمن معلومات شخصية أو مالية.

كاميرات المنازل أكثر حساسية

ورأى البلوشي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الهواتف الحديثة غالبًا ما تتمتع بمستويات حماية أعلى من كثير من كاميرات المراقبة المنزلية، خصوصًا الأجهزة القديمة أو منخفضة الكلفة التي قد تتوقف الشركات عن توفير التحديثات الأمنية لها. وأوضح أن بقاء الكاميرا لسنوات متصلة بالإنترنت دون تحديث للبرمجيات الثابتة قد يجعلها أكثر عرضة للاستغلال، لافتًا إلى أن بعض المستخدمين لا يعرفون أساسًا كيفية تحديث أنظمة الكاميرات أو التحقق من استمرار دعمها أمنيًا.

ودعا إلى تجنب تركيب الكاميرات في المواقع شديدة الخصوصية داخل المنزل، وأن يكون التخزين والربط داخليًا متى ما أمكن ذلك، بدل إتاحة الوصول المباشر إليها عبر الإنترنت.  وأكد أن إتاحة المراقبة عن بُعد تعني وجود اتصال خارجي بالكاميرا، وهو ما يفتح احتمالية وصول طرف آخر إليها إذا ظهرت ثغرة أو ضعفت إجراءات الحماية، سواء من خلال الجهة المقدمة للخدمة أو من خلال مهاجم تمكن من الوصول إليها.

وأشار إلى أن بعض الكاميرات المتصلة بالإنترنت تظل لسنوات دون تحديث، وقد يستغلها مهاجم ليس فقط للحصول على الصور، بل لمراقبة تحركات أصحاب المنزل ومعرفة أوقات وجودهم أو غيابهم.

وأكد في ختام حديثه أن الأمن السيبراني الشخصي لا يحتاج دائمًا إلى إجراءات تقنية معقدة، وإنما يبدأ بسلوكيات بسيطة ومستدامة، أبرزها حماية الهاتف، وعدم مشاركة كلمات المرور ورموز التحقق، وتفعيل المصادقة المتعددة، ومراجعة الأجهزة المرتبطة بالحسابات، وتقليل المعلومات المنشورة عبر الإنترنت، والانتباه إلى كل جهاز متصل بالشبكة المنزلية.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو