للتواصل

نعيم طاهر يكتب: نصير شمّة في دار الأوبرا السلطانية .. ” العود ” ليس موسيقى فقط

16 سبتمبر 2018

الوصال-محمد نعيم طاهر: آلة ” العود ” بين يدي وعلى صدر الموسيقي العراقي نصير شمّة ليست آلة موسيقية تصدر أصواتا فقط ، هي ( بين يديه وعلى صدره ) حالة من تفاعل وجداني بين عزف موسيقي متقن ومشهديات متنوعة قد تكون إحداها بصرية ، تتوالى من أوتار تنبش الذاكرة وتشعل الإحساس .

في حفلته الموسيقية التي قدمها على مسرح دار الأوبرا السلطانية مسقط مساء يوم الجمعة الماضي( 14 سبتمبر 2018) بمرافقة الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية التي قادها في هذا الحفل المايسترو انديه الحاج ، أطرب شمّة الأحاسيس وأعاد توجيه الذاكرة نحو محطات إنسانية ووطنية وحتى قومية عبر تسع مقطوعات موسيقية من تأليفه ، سبق له وأن قدمها سابقا في محطات كثيرة .

أول المقطوعات التي أعدها موسيقيا أندريه الحاج كانت بعنوان ” من الذاكرة : وهي تعود للعام 2012 ، لكن نسخة دار الأوبرا شهدت بعض التعديلات من قبل المعد فجاءت أكثر رشاقة ، وكان حضور عود شمّة واضحا فيها .

” سماعي فرحفزا ” هي ثاني المقطوعات من إعداد سامر أبو رسلان ، واللون من مقام نهاوند ..والتنويع الموسيقي هنا كان في أبهى صوره خاصة مع حالة من التناغم سادت المسرح بين العود وموسيقي الأوركسترا السلطانية ..مع مقاطع عزف منفرد أبهر الحاضرين وخاصة آلة الأكورديون لعضو الفرقة العازف فاروق محمد حسن .

الاشتغال على الهم الوطني كان له حضوره في حفلة نصير شمّة وخاصة في مقطوعتي ” طاب صباحك بغداد ” و ” العامرية ” ..في الأولى تتوالى مشاهد الصباح البغدادي من خلال النشاط الذي يتغلغل في مجالات الفعل اليومي ..المقطوعة أعدها موسيقيا أندريه الحاج ..وجاء اشتغال شمّة عليها ليعيد حضور الموروثات الموسيقية الأشهر في الأغنية العمانية حيث ينساب لحن ( فوق النخل ) كما ينساب دجلة في حياة بغداد الصباحي .

إنسانيا كانت مقطوعة ” غداً اجمل ” من إعداد أندريه الحاج ..وكانت عبارة عن تنويعات موسيقية على أكثر من مقام ، حضر فيها بشكل مبدع ” قانون ” عازف الأوركسترا السلطانية أمير بن عوض بن مبروك ، في وصلة منفردة صفق لها طويلا نصير شمّة ..

بالانتقال إلى الهم القومي فلسطين ، قدم نصير شمّة مقطوعته الموسيقية الشهيرة ” على حافة الألم ” التي أهداها إلى المرأة في فلسطين ، وهي من نتاج العام 2011 ، لكن نصير – وعلى عادته في كل حفل موسيقي – يعيد صياغة قديمه بما يتناسب والمعاصر اليومي ..تتكىء مقطوعة ” على حافة الألم ” في جزء منها على التراث الفلسطيني فيعيد ” العود ” صياغة الأغنية الفلسطينية الأشهر ” يما مويل الهوى.. يما مويلية .. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا ” .

وإلى فضاء الفكر إنتقل نصير شمّة وعوده ليوجه تحية خاصة للمفكر السوري صادق جلال العظم ..الذي توفي قبل عامين ، في مقطوعة أطلق عليها نصير عنوان ” المفكر ” ..سادت فيها أصوات ” الوتريات ” التي عكست أجواء الفكر والمفكرين ..وهي مقطوعة كان نصير شمّة أداها للمرة الأولى في حفل تأبين المفكر منذ عامين والذي أقيم في المانيا .

الحفل الموسيقي استمر لمدة 70 دقيقة بدون استراحة على غير عادة بعض حفلات دار الأوبرا ، لكن الوقت مرّ سريعا ، حيث لم تتجاوز المقطوعة الموسيقية الواحدة الثماني دقائق.

في المقطوعة الموسيقية السابعة ، قدّم نصير شمّة ” إشراق ” وهي – كما قال في تقديم المقطوعة –  عنوان الإسطوانة التي صدرت في روما في العام 1996 ، وفيها تنويعات من أشهر أغنيات أم كلثوم ..

المقطوعة قبل الأخيرة كانت بعنوان ” بياض ” وهي اتكأت بشكل كبير على الموروث الأندلسي من الموشحات ، وكان أبرز مافيها ..الوصلة الموسيقية التي عزف فيها نصير بأصابع يده اليسرى فقط وعلى أوتار نهاية العود ( زند العود ) والتي أظهرت تمكنّاً واضحا من قدرة الموسيقي على تطويع الآلة بجميع أجزاءها ..

ختام الحفل الموسيقي مع نصير شمّة كان مقطوعته الموسيقية الأشهر ” العامرية ” والتي ألفها إثر قصف الطائرات الأمريكية ملجأ العامرية أثناء حرب الخليج الثانية حيث أدت الغارة التي وقعت يوم 13 فبراير، 1991 بواسطة طائرتين أمريكيتين من نوع أف-117 تحملان قنابل ذكية إلى تدمير الملجأ مما أدى إلى مقتل أكثر من 400 مدنيًا عراقيًا من نساء وأطفال .

أجواء مقطوعة ” العامرية ” اتسقت تماما مع أصوات القصف وأصوات المصابين وصافرات سيارات الإسعاف ..وجاءت في أجواء عالية من الحضور الموسيقي للفرقة السيمفونية مع نصير ..وفي تناغم أعاد صورة مشهد ” العامرية ” الذي لايمكن نسيانه .

في كلمته الختامية في الحفل عبّر الموسيقي نصير شمّة عن شعوره بالفخر بالعزف مع الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية وقال ” تشرفت بالعمل معهم ، وأرى أنهم من أهم الاستثمارات في البشر في سلطنة عمان ” .

في جدول حفلات دار الأوبرا السلطانية مسقط لشهري ستمبر وأكتوبر عرض ” الأمير إيغور ” أوبرا ألكسندر بورودين ، أداء فرقة مسرح ماربينسكي يومي السابع والعشرين والتاسع والعشرين من ستمبر الحالي . وبينهما في الثامن والعشرين من الجاري حفل موسيقي لفاليري غيرغييف مع أوركسترا مسرح ماربينسكي .

وفي أكتوبر المقبل ، الجمهور على موعد مع أربع حفلات متنوعة ، تبدأها الحفلة الهندية ” ناماستي الهند ” بأسلوب بوليوودي ، يومي الرابع والخامس من أكتوبر المقبل ، ثم عرض ” راقصة المعبد ” موسيقى لودفيغ مينكوس وأداء فرقة بالية طوكيو ، أيام 11 ، 12 ، 13 أكتوبر ..ويوم السابع عشر من أكتوبر تقيم دار الأوبرا احتفالية خاصة بيوم المرأة العمانية مع ضيف الشرف الفنان وائل كفوري ، الذي سيكون مع محبيه في اليوم التالي ( 18 أكتوبر ) في حفلة غنائية خاصة .