د. حارث الحارثي لـ«الوصال»: لا تعاقبوا شركة ملتزمة بسبب سجل آخر.. الربط الإلكتروني يجب أن يفرّق بين المستثمر والمتحايل
ساعة الظهيرة
الوصال ـ حذّر الدكتور حارث الحارثي، المدير التنفيذي لمجموعة «Sofpital»، من أن يؤدي الربط الإلكتروني بين السجلات التجارية إلى انتقال الإجراءات أو العقوبات بصورة تلقائية من شركة مخالفة إلى شركات أخرى ملتزمة لمجرد وجود شريك أو مفوض إداري مشترك بينها، معتبرًا أن لكل شركة كيانها القانوني والتزاماتها وشركاءها وموظفيها، وأن معالجة حالات التحايل ينبغي أن تستهدف المتسبب الفعلي دون الإضرار بمنشآت أخرى لا علاقة لها بالمخالفة. وأشار خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال إلى أنه لا يعترض على مبدأ الربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية والسجلات التجارية، ويراه توجهًا مهمًا يساعد في تنظيم سوق العمل ومتابعة الالتزامات وكشف محاولات التحايل، إلا أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الربط من تبادل المعلومات وتجميعها في قواعد بيانات مشتركة إلى ربط تلقائي للمسؤولية والإجراءات بين كيانات تجارية مستقلة.
وأوضح الحارثي أن وجود شخص مرتبط بأكثر من شركة لا يعني بالضرورة أن المخالفة الواقعة في إحدى هذه الشركات تنتقل مسؤوليتها إلى الشركات الأخرى، مشيرًا إلى أن الشخص قد يكون مالكًا في منشأة، أو شريكًا في أخرى، أو مفوضًا إداريًا في شركة ثالثة، ولكل حالة طبيعتها القانونية والتجارية المختلفة. وضرب مثالًا بموظف يعمل لدى شركة ومفوض بإدارة بعض أعمالها، وفي الوقت نفسه يمتلك سجلًا تجاريًا خاصًا به، موضحًا أن تعرض سجله الخاص لمشكلة لا ينبغي أن يجعل الشركة التي يعمل فيها مسؤولة عنها، والعكس صحيح. وبيّن أن تعدد مصادر الدخل والأنشطة التجارية أمر طبيعي في السوق، وقد يمثل كل نشاط جديد رافدًا للاقتصاد وفرصة لإيجاد وظائف وتوليد قيمة مضافة، لذلك فإن مجرد الارتباط بأكثر من سجل لا يكفي في حد ذاته لاعتباره مؤشرًا على التحايل.
التحقق قبل العقوبة
ولفت الحارثي إلى أن امتلاك الجهات الحكومية قواعد بيانات مترابطة يمثل فرصة لبناء أدوات أكثر دقة للتحقق من المخالفات، بدل الاعتماد على الإجراءات التلقائية التي قد تمتد آثارها إلى منشآت لا علاقة لها بالمخالفة. وأوضح أنه إذا أظهر النظام أن شخصًا واحدًا مرتبط بخمس شركات، وكانت إحدى هذه الشركات مخالفة، فإن دور الجهة المختصة ينبغي ألا يتوقف عند وجود هذا الارتباط، وإنما يتطلب التحقق مما إذا كان الشخص قد نقل النشاط أو الأصول أو الموظفين من الشركة المخالفة إلى شركة أخرى بقصد التهرب من التزامات مالية أو عمالية أو قانونية.
وأضاف أن إثبات وجود مثل هذه الممارسات يبرر اتخاذ الإجراء بحق المتسبب، أما الاكتفاء بوجود علاقة شخصية أو إدارية بين شركتين فلا ينبغي أن يكون أساسًا لإيقاف الخدمات أو نقل تبعات المخالفة بصورة مباشرة. ورأى أن تطوير أدوات التحقيق والتحقق يجب أن يسبق التوسع في العقوبات التلقائية، خصوصًا مع توفر حجم كبير من البيانات التي تسمح للجهات المختصة بالتمييز بين المستثمر الذي يمارس أنشطة متعددة بصورة نظامية وبين من يستخدم تعدد السجلات للتحايل.
تعدد الشركات ليس تحايلًا
وبيّن الحارثي أن وجود أكثر من شركة للشخص نفسه قد يكون له ما يبرره اقتصاديًا وتمويليًا، موضحًا أن المستثمر قد ينشئ شركة مستقلة لنشاط معين بناءً على اشتراطات التمويل، أو نتيجة اختلاف الشركاء من مشروع إلى آخر، أو لتنويع محفظته الاستثمارية. وأشار إلى أن المستثمر في المجال الطبي، على سبيل المثال، قد يمتلك نشاطًا للمستشفى وآخر للمختبرات، وقد تختلف الجهات الممولة أو الشركاء بين المشروعين، كما يمكن أن يدخل في استثمار صناعي بحصة محدودة مع مجموعة من المتخصصين، دون أن يعني ذلك وجود محاولة للالتفاف على الأنظمة.
وأضاف أن بعض جهات التمويل قد تشترط فصل النشاط في سجل تجاري مستقل أو رهن سجل المشروع للحصول على التمويل، وهو ما يجعل تعدد السجلات في كثير من الحالات جزءًا طبيعيًا من ممارسة الأعمال وتوسيع الاستثمارات. وأكد أن مكافحة التحايل هدف لا يختلف عليه أحد، إلا أن المطلوب هو الفصل بين وجود عدة كيانات تجارية وبين استخدام هذه الكيانات لنقل الأصول أو الموظفين أو الالتزامات بقصد الإفلات من الديون أو العقود أو المخالفات.
ورأى أن النظام الإلكتروني يمكن تطويره ليصبح أكثر قدرة على التمييز بين المستثمر الحقيقي والمتحايل، بدل التعامل مع جميع أصحاب السجلات المتعددة باعتبارهم محل اشتباه إلى أن يثبت العكس.
المخالفة قد تطال أطرافًا غير معنية
وحذر الحارثي من اتساع دائرة الضرر عندما تتوقف خدمات شركة ملتزمة بسبب مخالفة في شركة أخرى مرتبطة بها من خلال شخص واحد، موضحًا أن الأثر في هذه الحالة لا يقع على المخالف وحده. وأشار إلى أن القرار قد يمتد إلى الموظفين والشركاء والموردين والعملاء، خصوصًا إذا كانت الشركة الملتزمة تمارس نشاطًا مستقرًا ولديها شركاء آخرون لا تربطهم أي علاقة بالمخالفة الأصلية.
وأضاف أن حساسية هذا الأثر تختلف من قطاع إلى آخر، لافتًا إلى أن بعض القطاعات، وفي مقدمتها القطاع الصحي، تعتمد على استمرارية التشغيل ولا يمكنها تحمل توقف مفاجئ للخدمات إلى حين معرفة خلفية المشكلة أو تسوية وضع سجل آخر. وبيّن أن توقف منشأة صحية، على سبيل المثال، لا يقتصر أثره على صاحب الشركة، وإنما يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على سير الخدمات المقدمة للمرضى والعاملين والموردين، لذلك ينبغي دراسة علاقة المنشأة بالمخالفة قبل اتخاذ أي إجراء بحقها.
وأكد تأييده الكامل لمعاقبة المتحايل متى ثبتت المخالفة، إلا أنه شدد على ضرورة عدم توسيع العقوبة لتطال شركات وأطرافًا أخرى لم يثبت ارتباطها بالسلوك المخالف.
البيانات قادرة على كشف المتحايل
وأشار الحارثي إلى أن التحول الإلكتروني الذي شهدته سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة وفر للجهات الحكومية قدرًا واسعًا من البيانات التي يمكن استخدامها بصورة أكثر انتقائية في تتبع حالات التحايل.
وأوضح أن الجهات المختصة تستطيع الاستفادة من المعلومات المرتبطة بالمعاملات المصرفية والضرائب والقضايا والأنشطة التجارية والعلاقات بين الشركات، بما يساعدها على بناء صورة متكاملة حول ما إذا كان صاحب السجل يستخدم شركات أخرى للتهرب من التزاماته.
واقترح الاستفادة من هذه البيانات لإيجاد سجل أو تصنيف للحالات التي يثبت فيها التحايل، بما يسمح بتوجيه الإجراءات إلى الأشخاص والمنشآت التي تتكرر لديها الممارسات المخالفة، بدل تطبيق الإيقاف بصورة عامة على جميع الكيانات المرتبطة بالشخص ذاته.
وأضاف أن وجود المعلومات وتطور الربط بين المؤسسات الحكومية يتيحان بناء أنظمة ذكية لفلترة البيانات ورصد المؤشرات المرتبطة بالمخالفة، وهو ما يجعل الانتقال من العقوبة العامة إلى الإجراء الانتقائي أكثر قابلية للتطبيق.
حماية الحقوق دون الإضرار بالملتزمين
وشدد الحارثي على تأييده لدور وزارة العمل في تطبيق القانون وحماية حقوق العمال والموردين وبقية الأطراف، مؤكدًا أن الخلاف ليس على ضرورة المحاسبة، وإنما على كيفية توجيه الإجراء إلى الطرف المسؤول بصورة دقيقة.
ورأى أن تطبيق الأنظمة ينبغي أن يقوم على مبدأ تحميل المخالف أو المتحايل مسؤولية فعله، مع المحافظة في الوقت نفسه على استمرارية الشركات الملتزمة وعدم تحميلها نتائج مخالفة ارتكبتها شركة أخرى لمجرد وجود علاقة مشتركة بينها وبين شخص واحد.
واختتم بالتأكيد على أن الجمع بين قوة الربط الإلكتروني ودقة أدوات التحقق يمكن أن يحقق الهدفين معًا؛ الحد من التحايل وحماية حقوق الأطراف المتضررة من جهة، والمحافظة على بيئة أعمال مستقرة لا تتعرض فيها المنشآت الملتزمة لإجراءات لا تتناسب مع مسؤوليتها الفعلية من جهة أخرى.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


