الوصال ـ شرح المحامي والمستشار القانوني عبدالله بن حميد القنوبي أبرز ما يتضمنه الدليل الاسترشادي الموحد لإجراءات التقاضي أمام محكمة الاستثمار والتجارة، موضحًا أنه يحدد المسار الإجرائي لتطبيق القانون ويهدف إلى توحيد آليات التعامل مع الدعاوى التجارية، والحد من اختلاف الإجراءات والاجتهادات بين المحاكم.

وقال خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال إن الدليل يشبه «دليل الاستخدام» الذي يوضح كيفية التعامل مع القانون خطوة بخطوة، بما يجعل الإجراءات أكثر وضوحًا للمتقاضين والمحامين وأصحاب الأعمال في مختلف محافظات سلطنة عُمان.

اختصاصات المحكمة

وأوضح القنوبي أن محكمة الاستثمار والتجارة تختص بالمعاملات التجارية التي تكون الشركات طرفًا فيها، بينما لا تدخل الدعاوى العمالية ضمن اختصاصها، إذ تبدأ تلك القضايا عبر الجهة المختصة في وزارة العمل ثم تسلك مسارها القضائي وفق الأحكام المنظمة لها. وأضاف أن منازعات الإيجارات انتقلت إلى اللجان المختصة في مكاتب الولاة، فيما تنظر محكمة الاستثمار والتجارة في النزاعات ذات الطبيعة التجارية، مثل العقود والتوريد والمعاملات بين الشركات والمؤسسات الخاصة.

وأشار إلى أن التعامل مع الشركات الحكومية قد يختلف بحسب طبيعة القضية والصفة القانونية للجهة، لافتًا إلى أن الشركة التي تبلغ مساهمة الحكومة فيها 60% تُعامل من حيث الصفة كجهة حكومية، فيما يبقى تحديد جهة الاختصاص القضائي مرتبطًا بطبيعة النزاع نفسه.

المعرفة القانونية قبل النزاع

وشدد القنوبي على أهمية أن يعرف المستثمر أو صاحب العمل حقوقه والتزاماته القانونية قبل الدخول في أي تعامل تجاري، معتبرًا أن الاستشارة القانونية المبكرة قد تجنب التاجر كثيرًا من النزاعات والتكاليف اللاحقة. وأوضح أن الاستعانة بمحام لا تعني بالضرورة تكليفه بإدارة جميع معاملات المؤسسة، إذ يمكن لصاحب العمل اللجوء إليه للاستشارة فقط، بحسب إمكاناته وحجم المعاملة، للحصول على تصور قانوني واضح قبل اتخاذ القرار أو توقيع العقد.

وأضاف أن بعض مكاتب المحاماة تقدم الاستشارات بمبالغ بسيطة أو بصورة مجانية في بعض الحالات، مشيرًا إلى أن الاستشارة قبل بدء النزاع قد تكون أقل كلفة من محاولة معالجة آثار عقد أو اتفاق غير واضح بعد وقوع الخلاف.

فحص الدعوى خلال دقائق

وتطرق القنوبي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  إلى إجراءات رفع الدعوى أمام محكمة الاستثمار والتجارة، موضحًا أن المتقاضي يقدم في البداية طلبًا إلكترونيًا يتضمن صحيفة الدعوى ومستنداتها ومؤيداتها والوكالة عند وجود وكيل أو محام.

وبيّن أن الطلب يمر على فاحص للتأكد من استيفائه الشروط القانونية، مشيرًا إلى أن الدليل الاسترشادي ينص على فحص الطلب والرد عليه خلال نحو خمس دقائق، وإذا كان مكتملًا يُطلب من مقدم الدعوى سداد الرسم، لتتحول المعاملة بعد ذلك من طلب إلى دعوى مقيدة.

أما إذا كانت هناك نواقص أو تعديلات، فيُعاد الطلب إلى مقدمه لاستكمالها، وإذا لم تُجرَ التعديلات المطلوبة خلال عشرة أيام يُلغى الطلب.

مدد محددة لتبادل المذكرات

وأوضح القنوبي أن تقليص مدد التقاضي جاء أساسًا من قانون محكمة الاستثمار والتجارة، فيما يعمل الدليل على شرح كيفية تطبيق هذه الإجراءات وتوضيح مسارها للمستخدمين. وأشار إلى أن الدعوى بعد قيدها تمر عبر مكتب تهيئة الدعوى قبل عرضها على القاضي، حيث يتم إعلان المدعى عليه خلال ثلاثة أيام على الأكثر، ثم يُمنح 15 يومًا لتقديم رده.

وبعد تقديم الرد، يُخطر المدعي ويمنح 15 يومًا للتعقيب، ثم يكون أمام المدعى عليه عشرة أيام لتقديم مذكرته الختامية، وبعد استكمال هذه المراحل تصبح الدعوى جاهزة للإحالة إلى القاضي.  وأضاف أن تنظيم هذه المدد يحد من التأجيلات المفتوحة التي كانت قد تطيل أمد بعض المنازعات التجارية سابقًا، ويجعل الأطراف على معرفة مسبقة بالوقت المخصص لكل مرحلة.

15 يومًا للجلسة و60 للخبير

وبيّن القنوبي أن القاضي، بعد إحالة الدعوى إليه مكتملة، يكون أمامه 15 يومًا لتحديد جلسة، أو يمكن أن يصدر خلال عشرة أيام حكمًا تمهيديًا إذا احتاجت القضية إلى خبير فني أو حسابي. وأشار إلى أن الخبير يمنح 60 يومًا لإيداع تقريره أمام المحكمة، مع إمكانية تمديد المدة 15 يومًا فقط إذا تقدم بطلب يقوم على سبب جوهري يبرر التأخير.  وأوضح أن مدة الاستئناف في القضايا العادية أمام المحكمة أصبحت 15 يومًا، بينما تبلغ سبعة أيام في المواد المستعجلة، فيما حُدد الطعن أمام المحكمة العليا بشهر.

ما الحكم التمهيدي؟

وفرّق القنوبي بين الحكم التمهيدي والحكم القطعي، موضحًا أن الحكم القطعي ينهي الخصومة أمام المحكمة التي أصدرته ويفتح الطريق أمام الأطراف للانتقال إلى درجة التقاضي التالية. أما الحكم التمهيدي فلا ينهي النزاع، وإنما يصدر عندما تحتاج المحكمة إلى استكمال عناصر الإثبات قبل الفصل في الموضوع، مثل تعيين خبير أو إحالة الدعوى للتحقيق وسماع الشهود.

وأشار إلى أن التحقيق في هذا السياق لا يعني إحالة القضية إلى الادعاء العام، بل يكون إجراءً تتولاه المحكمة نفسها لاستكمال الأدلة أو الاستماع إلى الأطراف والشهود وبناء قناعتها قبل إصدار الحكم النهائي.

قاضٍ واحد أو ثلاثة

وأوضح القنوبي في برنامج «منتدى الوصال»  أن قيمة الدعوى هي التي تحدد عدد القضاة الذين ينظرونها؛ فإذا كانت قيمة المطالبة 100 ألف ريال عُماني أو أقل، يتولى نظرها قاضٍ واحد، أما إذا تجاوزت 100 ألف ريال أو كانت الدعوى غير مقدرة القيمة، فينظرها ثلاثة قضاة.  وأكد أن المستثمر الأجنبي يخضع للقانون والإجراءات نفسها المطبقة على المستثمر العُماني في هذا الجانب.

العقد الضعيف يصعّب إثبات الحق

وحذر القنوبي أصحاب المؤسسات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، من توقيع عقود تجارية دون مراجعة قانونية، مبينًا أن كثيرًا من النزاعات تبدأ من ضعف الصياغة أو غموض البنود أو صعوبة إثبات الحقوق بعد وقوع الخلاف. وأشار إلى وصول بعض أصحاب الأعمال بعقود جرى إعدادها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة مختص، وهو ما قد يضعهم أمام مشكلات قانونية إذا كانت الصياغة ركيكة أو لا تتناسب مع طبيعة التعامل والقانون المطبق.

وقال إن توفير مبلغ بسيط عند إعداد العقد قد يقود لاحقًا إلى تكاليف أكبر بكثير عند محاولة إثبات الحق أمام القضاء، مؤكدًا أن المراجعة القانونية المسبقة تساعد التاجر على معرفة حقوقه والتزاماته قبل الدخول في الصفقة.

بنود تميل إلى الطرف الأقوى

ولفت إلى أن بعض الشركات الكبيرة تضع عقودًا أُعدت بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، فيما قد يوقع الطرف الأصغر عليها بسبب حاجته إلى المشروع أو الصفقة دون التحقق من مدى توازن الالتزامات. وأكد أهمية أن تكون لكل جهة استشارتها القانونية المستقلة، لأن مستشار الطرف الآخر يعمل بطبيعة الحال على حماية مصالح موكله، في حين تتيح مراجعة العقد من الجانبين الوصول إلى صيغة أكثر توازنًا قبل التوقيع.

وأشار إلى أن تكلفة مراجعة عقد قد تكون محدودة مقارنة بقيمة العقد نفسه وما يمكن أن يترتب على بند غير واضح أو التزام لم يدركه صاحب المؤسسة عند التوقيع.

شرط التحكيم يحتاج إلى انتباه

ونبّه القنوبي كذلك إلى أهمية قراءة بنود التحكيم في العقود التجارية بعناية، خصوصًا عندما يُحدد مكان التحكيم في دولة أخرى، لأن صاحب المؤسسة الصغيرة قد يجد نفسه مضطرًا لتحمل تكاليف مرتفعة للمطالبة بمبلغ محدود. وأوضح أنه إذا اتفق الطرفان في العقد على اللجوء إلى التحكيم عند نشوء النزاع، فإن هذا الاتفاق يكون ملزمًا، ولا يمكن تجاهل الشرط والتوجه مباشرة إلى المحكمة لمجرد ارتفاع كلفة التحكيم في المكان المحدد.

وأضاف أن شرط التحكيم إذا نص على جهة أو مكان محدد فيجب الالتزام به، وهو ما يجعل مراجعة هذا النوع من البنود قبل توقيع العقد أمرًا أساسيًا، لا سيما للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي قد تكون أقل قدرة على تحمل نفقات التقاضي أو التحكيم خارج سلطنة عُمان.  وأكد القنوبي في ختام حديثه أن معرفة الإجراءات القانونية قبل الدخول في النزاع، وصياغة العقود بصورة سليمة، ومراجعة شروط الاختصاص والتحكيم، يمكن أن تختصر على أصحاب الأعمال كثيرًا من الوقت والتكاليف، في حين يتيح الدليل الاسترشادي فهمًا أوضح لمسار التقاضي أمام محكمة الاستثمار والتجارة من لحظة تقديم الطلب وحتى مراحل الطعن.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو