د. علي بن سعيد الريامي

رئيس قسم التاريخ ـ جامعة السلطان قابوس

لم تكن هجرة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) حدثاً عابراً في تاريخ الأمة الإسلامية، ولا مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت تحولاً إستراتيجياً بالغ الأثر، أسّس لمرحلة جديدة في تاريخ الإسلام والإنسانية، حيث مثّلت الهجرة لحظة فاصلة انتقل فيها الإسلام من طور الدعوة المستضعفة إلى طور بناء المجتمع والدولة، ومن مرحلة ترسيخ العقيدة في النفوس إلى مرحلة تجسيدها في مؤسسات ونظم وقيم حضارية.

لقد شكّلت الهجرة النبوية منعطفاً عميقاً في التاريخ البشري؛ إذ أصبح للعالم الإسلامي كيان سياسي واجتماعي مستقل، وموطئ قدم على خارطة العالم جغرافياً وحضارياً، ومن ثم، فإن الاحتفاء بهذه الذكرى لا ينبغي أن يكون احتفاءً شكلياً أو مناسبة عابرة، بل فرصة لاستحضار دلالاتها الكبرى، واستخلاص دروسها في التخطيط، والقيادة، وبناء الإنسان، وصناعة التحولات التاريخية.

في المرحلة المكية، بذل الرسول (صلى الله عليه وسلم) جهده في ترسيخ التوحيد، وبناء الوعي الإيماني، وتكوين النواة الصلبة للجماعة المؤمنة، أما في المرحلة المدنية، فقد بدأ غرس القيم والنظم التي أسست لمجتمع جديد، يقوم على القيادة الحكيمة، ووحدة الجماعة، وسيادة التشريع، وحماية الحقوق، وإعلاء شأن الإنسان. ومن هذا المنطلق، أرست الهجرة ركائز المجتمع الإسلامي الناشئ على أسس الوحدة، والمحبة، والتكافل، والتآخي، والحرية، والمساواة، وضمان الحقوق المدنية، واحترام حرية المعتقد، والقبول بالتعددية الثقافية، ومن زاوية التفكير الإستراتيجي، يمكن النظر إلى الهجرة كحدث قبل الهجرة وأثناء الهجرة وبعد الهجرة وما تركته من أثر في بناء الدولة الإسلامية الناشئة وذلك من خلال ثلاث مسارات رئيسة: مسار الفكرة والإعداد والتحضير المحكم، ومسار التنفيذ وتأسيس مجتمع المدينة، ومسار حصاد المنجز والأثر.

أولاً: مسار الفكرة والإعداد والتحضير المحكم:

إن فكرة الهجرة في ذاتها تثير في النفس مشاعر القلق والخوف من المجهول؛ فالإنسان بطبيعته يألف موطنه وبيئته الاجتماعية والثقافية، ولا يغادرهما إلا لضرورة كبرى أو مقصد أسمى، وقد جاءت الهجرة النبوية بعد أن استنفد الرسول صلى الله عليه وسلم مختلف وسائل الدعوة في المجتمع المكي، وبعد أن اشتدّ أذى قريش واضطهادها للمؤمنين، فكان البحث عن بيئة آمنة وقاعدة مستقرة ضرورةً لحماية الدعوة وضمان استمرارها. ولم تكن فكرة الهجرة وليدة لحظة مفاجئة، بل كانت حاضرة ضمن رؤية أوسع للبحث عن البدائل الممكنة، فقد سبقتها الهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة، بهدف حماية المستضعفين ونشر الدعوة خارج مكة، ثم كان خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في السنة العاشرة للبعثة بحثاً عن نصرة وملاذ، أما اختيار يثرب لتكون دار الهجرة، فقد تأخر إلى لحظة نضجت فيها الظروف المواتية، واقترنت بالحكمة الإلهية والتدبير النبوي المحكم.

وتؤكد السيرة النبوية أن الهجرة ليست حادثة معزولة في تاريخ النبوات، فقد عرفت رسالات سابقة أنماطاً من الهجرة القسرية أو الاختيارية في سبيل العقيدة والرسالة؛ فإبراهيم عليه السلام هاجر داعياً إلى التوحيد، ويعقوب ويوسف عليهما السلام انتقلا إلى مصر، ولوط عليه السلام غادر قومه بعدما أعرضوا عن دعوته، وموسى عليه السلام خرج بقومه من مصر فراراً بدينه من طغيان فرعون، وبذلك تبدو الهجرة سنةً من سنن الدعوات الكبرى حين تضيق الأرض بأصحاب الرسالة، فيفتح الله لهم آفاقاً جديدة.

تضمّن التخطيط للهجرة تهيئة البيئة المستقبِلة لهذا الحدث المفصلي، وقد ظهر ذلك جلياً في استثمار موسم الحج، حين التقى النبي صلى الله عليه وسلم برجال من يثرب، فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية التي مثّلت تحولاً سياسياً واضحاً؛ إذ تعهّد الأنصار بالنصرة والمنعة والحماية إذا هاجر إليهم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبذلك لم تكن الهجرة انتقالاً عفوياً، بل جاءت بعد استعداد سابق، وبعد بناء قاعدة تأييد قادرة على احتضان المشروع الإسلامي.

وعندما أذن الله تعالى بالهجرة، اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) جميع التدابير اللازمة لإنجاح المهمة، فقد أحيط الحدث بسرية تامة، ولم يعرف موعد الخروج إلا عدد محدود ممن كُلّفوا بأدوار محددة، فكان أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) رفيق الرحلة، ونام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في فراش النبي (صلى الله عليه وسلم) تمويهاً على قريش، وتولت أسماء بنت أبي بكر وعائشة (رضي الله عنهما) إعداد الزاد، وكان عبد الله بن أبي بكر(رضي الله عنه) ينقل أخبار قريش، بينما تولى عامر بن فهيرة رعي الغنم لإخفاء الآثار.

كما اتخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) مساراً غير مألوف، فاتجه جنوباً نحو غار ثور، خلافاً للطريق المتوقع إلى المدينة، بما يدل على وعي عميق بإدارة المخاطر وتضليل المطاردين. والدرس الإستراتيجي هنا واضح: إن نجاح المشاريع الكبرى لا يتحقق بمجرد صدق المقصد، بل يحتاج إلى تخطيط دقيق، وتحضير محكم، وتوزيع للأدوار، وسرية في التنفيذ، واستباق للسيناريوهات المحتملة، مع التوكل على الله والأخذ بالأسباب.

ثانياً: مسار التنفيذ وتأسيس مجتمع المدينة:

ما إن وصل الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى يثرب، حتى بدأ مرحلة بناء المجتمع الجديد على أسس عملية ومؤسسية. ولم يكن اهتمامه منصرفاً إلى حياة آمنة مستقرة له ولأتباعه فحسب، بل إلى تأسيس نموذج حضاري متكامل، تتكامل فيه العبادة، والأخلاق والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد. وبدا ذلك واضحاً من خلال أربع ركائز رئيسة: الركيزة الأولى: إنشاء المسجد، بدءاً بمسجد قباء ثم المسجد النبوي. ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل كان مؤسسة جامعة تؤدي أدواراً دينية وتعليمية واجتماعية وسياسية، وتمثل القلب النابض للمجتمع المسلم، ففيه تُبنى القيم، وتُعالج القضايا العامة، وتُدار شؤون الجماعة، وتُصاغ روح الانتماء المشترك.

وتمثلت الركيزة الثانية في مشروع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهو مشروع اجتماعي بالغ العمق؛ إذ تجاوز حدود التعاطف العاطفي إلى بناء رابطة عملية قائمة على النصرة والتكافل والمشاركة، وكان المهاجرون قد تركوا أموالهم وديارهم في مكة، فاحتاجوا إلى بيئة حاضنة تعوّضهم عن الفقد وتعينهم على الاستقرار، وقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار، كما صورها القرآن الكريم في سورة الحشر: }وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ{.

أما الركيزة الثالثة فتمثلت في صحيفة المدينة، أو وثيقة المدينة، التي تُعد من أهم الوثائق السياسية في التاريخ الإسلامي المبكر، فقد نظّمت العلاقة بين مكونات المدينة من المسلمين واليهود وسائر الجماعات، وحددت الحقوق والواجبات، وأقرت مبادئ الأمن العام، والعدالة، والتكافل، والمسؤولية المشتركة. وبالمفهوم الحديث، يمكن النظر إلى هذه الصحيفة بوصفها دستوراً مدنياً ينظم التعدد داخل مجتمع واحد، ويؤسس لمفهوم الأمة القائمة على العقد والالتزام المشترك، لا على العصبية القبلية.

والركيزة الرابعة تمثلت في بناء سوق للمسلمين، وهو إجراء اقتصادي بالغ الدلالة، فالاقتصاد عصب الدولة والمجتمع، ولا يمكن لأي كيان ناشئ أن يستقل سياسياً واجتماعياً من دون قاعدة اقتصادية تحمي قراره وتوفر حاجات أفراده، لذلك حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على تشجيع التجارة، وتنظيم المعاملات، ووضع الضوابط الأخلاقية لأحكام البيع والشراء، بما يضمن العدالة، ويحفظ الحقوق، ويمنع الاستغلال والاحتكار.

وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن تأسيس مجتمع المدينة لم يكن عملاً عشوائياً أو ارتجالياً، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان، وتنظيم العلاقات، وترسيخ المؤسسات، وتحقيق التوازن بين الروحي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

ثالثاً: مسار حصاد المنجز والأثر:

بعد أن وُضعت اللبنات الأولى للمجتمع المدني في المدينة، شرع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في ترسيخ قواعد الحكم الإسلامي، وبناء مجتمع مستقر وآمن، والتفرغ لنشر الدعوة وتبليغ الرسالة، غير أن هذه المرحلة لم تكن خالية من التحديات؛ فقد واجهت الدولة الناشئة تهديدات قريش وحلفائها، ووقعت غزوات كبرى مثل بدر وأحد والخندق، كشفت عن صلابة المجتمع الجديد وقدرته على الصمود أمام الأخطار الخارجية.

ثم جاء صلح الحديبية ليؤكد بُعد النظر النبوي في إدارة الصراع. فعلى الرغم من أن بعض بنوده بدت في ظاهرها مجحفة، إلا أنه كان فتحاً سياسياً واستراتيجياً مبيناً؛ إذ أتاح للمسلمين فرصة التحرك السلمي، ونشر الدعوة، ومخاطبة القبائل والملوك، وتوسيع دائرة الإسلام خارج نطاق المواجهة العسكرية المباشرة.

وبعد ذلك هيأ الله تعالى فتح مكة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحقق التحول الكبير في الجزيرة العربية، ثم جاءت حجة الوداع وخطبة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الجامعة لتعلن اكتمال الرسالة، وتؤكد المبادئ الكبرى التي جاء بها الإسلام: حرمة الدماء، وصيانة الأموال، وكرامة الإنسان، وحقوق المرأة، ونبذ العصبية، والمساواة بين الناس، والاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله.

ومن هنا يتضح أن الهجرة النبوية كانت حدثاً مفصلياً في التاريخ الإسلامي، ولذلك اختار الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أن تكون مبدأً للتقويم الإسلامي، فلم يكن هذا الاختيار قائماً على تاريخ الميلاد أو البعثة أو الوفاة، بل على لحظة التحول من الدعوة إلى الدولة، ومن الاستضعاف إلى الفاعلية التاريخية، ومن الجماعة المحدودة إلى الأمة المنظمة. وخلال عقد واحد من الهجرة، عمّ الإسلام جزيرة العرب، وخلال عقود قليلة امتد أثره شرقاً وغرباً، وأسهم في تأسيس حضارة إنسانية زاهرة في النظم والتشريعات والعلوم والفنون، وقد تركت هذه الحضارة إرثاً عظيماً، في وقت كانت فيه مناطق واسعة من العالم تعيش اضطراباً فكرياً وسياسياً وحضارياً.

إن الهجرة النبوية ليست مجرد ذكرى تاريخية تُروى أحداثها، بل مدرسة متكاملة في صناعة التحولات الكبرى، نتعلم منها دروساً وعبر منها: أن المبادئ تحتاج إلى حاضنة، وأن العقيدة حين تتحول إلى مشروع حضاري لا بد لها من قيادة واعية، وتخطيط محكم، ومؤسسات راسخة، وقيم جامعة. كما تكشف الهجرة أن بناء الدولة لا يبدأ بالقوة وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان، وترسيخ الثقة، وتنظيم المجتمع، وصيانة الحقوق، وتحقيق التكافل، وإقامة العدل؛ ولذلك ستظل الهجرة النبوية حدثاً إستراتيجياً بامتياز، لأنها بحق غيّرت مسار التاريخ، وفتحت أمام الإنسانية نموذجاً حضارياً يقوم على الإيمان، والعدل، والحرية، والمسؤولية، وصون الكرامة الإنسانية.

--:--
--:--
استمع للراديو