الدكتورة منى الشكيلية لـ«الوصال»: الاستماع دون لوم هو خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من آثار الإساءة
منتدى الوصال
الوصال ــ قدّمت الدكتورة منى الشكيلية، استشاري أول طب نفسي بمستشفى المسرة، عبر برنامج «منتدى الوصال»، قراءة تحليلية نفسية واجتماعية معمّقة للأرقام التي أعلن عنها الادعاء العام بشأن قضايا التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال، مؤكدة أن هذه الأرقام، على خطورتها، لا يمكن التعامل معها بردّة فعل انفعالية أو استنتاجات سريعة، بل تحتاج إلى قراءة علمية هادئة تأخذ في الاعتبار تطور آليات الرصد، وارتفاع مستوى الوعي، وتغيّر ثقافة الإفصاح داخل المجتمع.
قراءة الأرقام في سياقها الزمني
وأوضحت الشكيلية أن تسجيل أكثر من «106 حالات اغتصاب» وأكثر من «1352 حالة إساءة جنسية» خلال عام واحد يثير تساؤلات مشروعة حول دلالات هذا الارتفاع، مشيرة إلى أن مقارنة هذه الأرقام بالسنوات السابقة تكشف تحوّلًا واضحًا؛ إذ لم يتجاوز عدد حالات التحرش الجنسي المسجلة في عام 2016 «116 حالة»، ثم ارتفع الرقم تدريجيًا في عام 2024 إلى «399 حالة»، وصولًا إلى أكثر من «1300 حالة» في العام الأخير.
وبيّنت أن هذا الفارق الزمني لا يعني بالضرورة تضاعف الجريمة بقدر ما يعكس تحسّن كفاءة الرصد، وتطور أداء المؤسسات المعنية، واتساع دائرة الإبلاغ.
هل نحن أمام كارثة اجتماعية؟
وأكدت الشكيلية أن القفز مباشرة إلى توصيف الوضع بـ«الكارثة» لا يستند إلى قراءة علمية دقيقة، موضحة أن علم النفس والاجتماع يفرضان تحليل الأرقام ضمن سياقها المؤسسي والمجتمعي، لا التعامل معها كمؤشرات معزولة.
وأضافت أن أحد التفسيرات الرئيسة لهذا الارتفاع يتمثل في تطور أداء الأجهزة الأمنية، والادعاء العام، ووزارة التنمية الاجتماعية، ووزارة الصحة، ووزارة التربية والتعليم، حيث أصبحت منظومة الرصد أكثر احترافية، وأصبح الوصول إلى القنوات الرسمية أكثر وضوحًا وسهولة.
الوعي المجتمعي وتراجع ثقافة الصمت
وأشارت إلى أن المجتمع العُماني شهد تحوّلًا تدريجيًا في التعاطي مع قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال، بعد أن كانت هذه القضايا تُدفن سابقًا تحت مسميات «العيب» و«الفضيحة»، وهو ما أدى إلى تراكم حالات لم تُسجَّل أو يُبلّغ عنها.
وبيّنت أن الوعي المجتمعي والمؤسسي اليوم أسهم في خلق بيئة أكثر تقبلًا للإفصاح، مؤكدة أن الطفل بات يشعر بقدر أكبر من الأمان في الحديث عمّا يتعرض له، مقارنة بأطفال قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.
شبكة الأمان بين الطفل ووالديه
وتوقفت الشكيلية عند مفهوم «شبكة الأمان»، موضحة أن العلاقة بين الطفل ووالديه تطورت في جانب الإفصاح، ليس من حيث المحبة فقط، بل من حيث شعور الطفل بأن البوح لن يقابَل بالإنكار أو اللوم أو العقاب.
وأشارت إلى أن الطفل في الماضي كان يخشى ردّة فعل الأسرة أكثر من الفعل نفسه، في حين أن الطفل اليوم، رغم استمرار الخوف، بات أكثر قدرة على الإفصاح، وهو ما انعكس على ارتفاع نسب البلاغات.
المجتمع المحافظ ليس مجتمعًا معصومًا
وأكدت أن المجتمع العُماني، رغم محافظته، ليس مجتمعًا معصومًا من الانتهاكات، مشيرة إلى أن الاعتداءات قد تصدر أحيانًا من داخل الأسرة أو من أشخاص يُفترض أنهم جزء من شبكة الأمان، مثل الأب أو العم أو الخال أو الأخ الأكبر. وشدّدت على أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من المجتمع، بل يفتح المجال أمام حماية الطفل بدل إنكار الواقع.
أول عشر ثوانٍ… اللحظة الفاصلة
وبيّنت الشكيلية أن الدراسات النفسية تؤكد أن «أول عشر ثوانٍ» من ردّة فعل الأهل عند إفصاح الطفل تُعد لحظة مفصلية في مسار تعافيه النفسي، موضحة أن الاستماع، والاحتواء، والتصديق، والدعم غير المشروط تشكل ما يشبه «الوصفة الأساسية» للتعامل السليم مع الحالة.
وأكدت ضرورة تجنب عبارات اللوم أو التساؤل من قبيل «ليش ما قلت من قبل؟»، لأن ذلك يُحمّل الطفل عبئًا نفسيًا إضافيًا ويعزز شعوره بالذنب، رغم كونه ضحية.
البلاغ المبكر وأهميته القانونية والنفسية
وأوضحت أن توقيت الإفصاح له أثر بالغ، سواء على المسار القانوني أو النفسي، مشيرة إلى أن بعض حالات الاعتداء يُبلّغ عنها فور وقوعها، في حين أن الغالبية تمرّ بما يُعرف بـ«مرحلة الصمت»، والتي قد تمتد لعدة أشهر قبل الإفصاح.
وأضافت أن البلاغ المبكر يسهّل الفحص الطبي الشرعي، ويعزز فرص التوثيق، ويحدّ من تعقيدات الإثبات، داعية الأسر إلى عدم التردد في التواصل مع الجهات المختصة أو خطوط الحماية المخصصة.
الصدمة النفسية والصدمة الثانوية
وتطرقت الشكيلية إلى مفهوم «الصدمة الثانوية»، موضحة أن الطفل قد يتعرض لصدمات إضافية أثناء الإجراءات، سواء من خلال أسلوب غير مناسب في الاستجواب، أو رهبة مراكز الشرطة، أو الفحص الطبي غير المهيأ نفسيًا.
وأكدت أهمية أن تتعامل المؤسسات المعنية مع الطفل وفق بروتوكولات تراعي حالته النفسية، لتجنب مضاعفة الأذى.
الآثار البعيدة للاعتداء الجنسي
واستعرضت نتائج دراسات واسعة النطاق شملت أكثر من «17 ألف شخص»، أظهرت ارتباط التعرض لصدمات الطفولة – ومن بينها الاعتداء الجنسي – بارتفاع معدلات الاكتئاب، والقلق، والأفكار الانتحارية، وأمراض جسدية خطيرة مثل أمراض القلب وسرطان الرئة.
وأشارت إلى أن تراكم الصدمات، خاصة عند تجاوز أربع أو سبع صدمات، يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض نفسية وجسدية مزمنة في مراحل لاحقة من العمر.
ما بعد القضاء… المعركة النفسية
وأوضحت الشكيلية أن انتهاء المسار القضائي لا يعني انتهاء المعاناة، إذ قد يواجه الطفل تحديات نفسية طويلة الأمد، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، أو القلق، أو الاكتئاب، أو حتى أفكار الانتقام أو التشوش في الهوية.
وأكدت أن العلاج النفسي لا يهدف إلى «نسيان» ما حدث، بل إلى تمكين الطفل من التعامل مع التجربة، وبناء مرونة نفسية تساعده على الاستمرار دون أن تهيمن الصدمة على حياته.
العالم الرقمي… بوابة الخطر الصامت
وحذّرت من مخاطر الفضاء الرقمي، مؤكدة أن الألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة باتت من أبرز وسائل استدراج الأطفال، حيث يستغل المعتدي شعور الطفل بالأمان واللعب لتطبيع الحديث الجنسي تدريجيًا، فيما يُعرف بمراحل «الاستمالة».
وبيّنت أن بعض الحالات في العيادة كشفت عن استغلال جنسي بدأ عبر الألعاب، وانتهى باعتداءات واقعية بعد بناء ثقة زائفة امتدت لأشهر.
درجات التحرش والمنطقة الرمادية
وأوضحت أن الإساءة الجنسية لا تقتصر على الاعتداء الجسدي، بل تشمل إرسال الصور والمقاطع غير اللائقة، أو الاستغلال عبر الكاميرات، مؤكدة أن هذه الأفعال تُعد جرائم مكتملة الأركان، حتى دون ملامسة جسدية.
ودعت الأهالي إلى أخذ إفصاح الطفل على محمل الجد، مهما بدا «بسيطًا» في نظرهم، لأن الاستهانة قد تفتح الباب لانتهاكات أكبر.
لماذا لا نقول للطفل: لماذا؟
وختمت الشكيلية بالتأكيد على أن سؤال «ليش؟» هو أكثر الأسئلة إيذاءً للطفل الضحية، لأنه يعزز شعوره بالذنب والمسؤولية، داعية إلى استبداله بالتصديق، والدعم، وبناء الثقة، والاستعانة بالمختصين منذ اللحظة الأولى.
وأكدت أن الأطفال يمتلكون مرونة نفسية عالية، وأن الدعم المبكر كفيل بمساعدتهم على التعافي والارتداد من التجربة بأقل الأضرار الممكنة.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:



