المحامي موسى العامري لـ«الوصال»: رفع سقف التوقعات قبل الزواج يصنع صدمة قد تقود سريعًا إلى الانفصال
ساعة الظهيرة
الوصال ـ تناول المحامي موسى بن علي العامري مؤشرات الزواج والطلاق في سلطنة عُمان، موضحًا أن تسجيل أكثر من 23 ألف عقد زواج مقابل نحو 4200 حالة طلاق خلال عام 2025 يعكس استمرار الإقبال على الزواج، وهو مؤشر إيجابي، مع ضرورة عدم التقليل من دلالات عدد حالات الطلاق وآثارها الاجتماعية والأسرية. وأوضح خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن قراءة الأرقام تحتاج إلى قدر من التوازن والموضوعية، بعيدًا عن التهويل أو التقليل، مؤكدًا أن الطلاق في ذاته لا يمثل دائمًا مشكلة، فقد يكون في بعض الحالات «حلًّا لمشكلة ورفعًا للظلم وكفًّا للمعاناة» عندما تصل العلاقة الزوجية إلى مرحلة الضرر أو الشقاق المستحكم.
وأشار إلى أن بعض الأزواج كانوا في السابق يستمرون في علاقات زوجية مضطربة تحت ضغط المجتمع والخوف من نظرة الآخرين، بينما أصبح إنهاء العلاقة اليوم أكثر قبولًا عندما تتعذر المعالجة وتتحول الحياة الزوجية إلى مصدر للأذى والمعاناة.
الاختيار أولًا
وبيّن العامري أن أسباب الطلاق لا يمكن إيقافها بصورة كاملة، إلا أنه يمكن دراستها وتتبعها ووضع حلول تقلل من أعداد الحالات، لافتًا إلى أن كثيرًا من المشكلات تبدأ من القرارات التي تسبق الزواج، وفي مقدمتها حسن اختيار شريك الحياة.
وذكر أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع ليست سلبية في ذاتها، فالناس تطمح إلى الأفضل، غير أن التحدي يكمن في طريقة التعامل مع هذه التحولات وما تفرزه من آثار على العلاقات الأسرية.
ولفت إلى أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير أنماط الحياة، وخروج المرأة إلى سوق العمل، واستقلال الذمة المالية للزوجين، وتداخل الأدوار والمسؤوليات بينهما، كلها عوامل أسهمت في ظهور إشكاليات جديدة داخل الحياة الزوجية.
وأضاف أن الطرفين أصبحا يعملان خارج المنزل ويتحملان مسؤوليات متعددة، ما يستدعي وضوحًا أكبر في توزيع الأدوار والواجبات، وتفاهمًا يراعي المتغيرات التي طرأت على شكل الأسرة وطبيعة الحياة اليومية.
القانون لا يكفي
وأوضح العامري أن قانون الأحوال الشخصية يوفر إطارًا مهمًّا لحماية الحقوق الناتجة عن الزواج والطلاق، بما يشمل النفقة والحضانة والزيارة والمسكن والحقوق المالية، إلا أن القانون غالبًا ما يتدخل بعد وقوع النزاع.
وأكد أن التشريعات وحدها لا تستطيع المحافظة على الأسرة، لأن الركيزة الأساسية لاستمرار العلاقة تتمثل في الزوج والزوجة، وما يمتلكانه من قدرة على التفاهم والتعاون والتنازل المتبادل.
وأشار إلى أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تُدار فقط بمنطق الحقوق القانونية والشرعية، لأنها تقوم كذلك على المودة والرحمة والتعاضد، موضحًا أن تمسك كل طرف بحقه بصورة حادة قد يقود إلى مزيد من التنافر.
وضرب أمثلة على أسر استمرت بفضل التنازل والتعاون، من بينها مساهمة بعض الزوجات في الإنفاق على المنزل، أو تنازل الزوج عن بعض حقوقه، مؤكدًا أن نجاح العلاقة لا يتحقق دائمًا بالتمسك الحرفي بالحقوق، وإنما بالتفاهم الذي يراعي مصلحة الأسرة.
تأهيل المقبلين
وتحدث العامري عن أهمية برامج التوعية والتأهيل قبل الزواج، موضحًا أنها لا تعني أن جميع المقبلين على الزواج يفتقرون إلى النضج، إذ يوجد من يمتلك الوعي والقدرة على إدارة الحياة الزوجية باقتدار.
وأكد أن هذه البرامج تظل ضرورية في جوانب محددة، خصوصًا «كيفية الاختيار والمكاشفة والمصارحة قبل الزواج»، حتى يدخل الطرفان العلاقة بصورة واقعية بعيدًا عن التصنع والمبالغة في إظهار الصفات الإيجابية.
وأشار إلى أن بعض المشكلات تبدأ من رفع سقف التوقعات بشأن القدرة المالية أو مستوى التفاهم أو طبيعة شخصية الطرف الآخر، ثم تظهر الطبائع الحقيقية بعد الزواج، فتبدأ الخلافات نتيجة الشعور بأن الصورة التي سبقت الزواج لم تكن واقعية.
ودعا إلى أن يكون كل طرف واضحًا وصادقًا في عرض ظروفه وطبيعته وتوقعاته، لأن المصارحة المبكرة تسهم في تجنب كثير من النزاعات التي تظهر بعد الارتباط.
ما بعد الطلاق
وأوضح العامري أن تحديد الأسباب الحقيقية للطلاق يظل أمرًا صعبًا، لأن هناك أسبابًا معلنة وأخرى يختار أصحابها عدم الإفصاح عنها، حتى عند وصول النزاع إلى المحاكم أو مكاتب المحامين والاستشاريين.
وبيّن أن بعض الأزواج يصلون إلى الجهات المختصة في مراحل متأخرة، بعد تفاقم المشكلة، وقد يركزون على تفاصيل جانبية ولا يكشفون السبب الأساسي الذي دفعهم إلى طلب الانفصال.
وأكد أن الإنسان لا ينبغي أن يبحث عن شريك كامل، لأن «لا أحد كامل بنسبة مائة بالمائة»، مشددًا على أهمية الحوار والشورى ووجود مساحة وسطى للتفاهم، بعيدًا عن التعامل مع الخلافات بمنطق أبيض أو أسود.
وأضاف أن استمرار كل طرف في جذب العلاقة باتجاهه دون تنازل أو مرونة يؤدي في النهاية إلى انقطاعها، فيما يمكن للتفاهم وتقدير ظروف الطرف الآخر أن يحافظا على استقرار الأسرة.
ولفت إلى أن المشكلة الأشد لا تكمن دائمًا في الطلاق نفسه، وإنما في النزاعات التي تليه، خصوصًا ما يتعلق بالحضانة والنفقة والزيارة واصطحاب الأبناء والحقوق المالية.
وأكد أن انتهاء العلاقة الزوجية لا يعني انتهاء علاقة الأبوة أو الأمومة، وأن الأبناء يجب أن يحافظوا على ارتباطهم بكلا الوالدين، مهما بلغت حدة الخلاف بينهما. وحذر من إدخال الأبناء في النزاعات الزوجية أو استخدامهم وسيلة للضغط والانتقام، سواء بمنع أحد الوالدين من رؤيتهم، أو تحريضهم عليه، أو تشويه صورته أمامهم.
ووصف الزج بالأطفال في الخلافات بعد الطلاق بأنه من أخطر المشكلات الأسرية، لما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية قد تستمر معهم سنوات طويلة. وختم المحامي موسى العامري حديثه بالدعوة إلى استحضار قيمة «ولا تنسوا الفضل بينكم» عند انتهاء العلاقة الزوجية، والحفاظ على حقوق الأبناء ومصلحتهم، وعدم تحويل الطلاق إلى صراع ممتد يدفع الأطفال ثمنه.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


