الوصال ــ قدّم سعادة السفير عبدالله بن ناصر الرحبي، سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية مصر العربية ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، في شهادة اتسمت بالوفاء والاستحضار العميق للمسيرة الوطنية، قراءة خاصة في مناقب المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد، متوقفًا عند أدواره المبكرة في تأسيس الدولة الحديثة، وإسهامه في بناء المؤسستين الخارجية والإعلامية، وحضوره المؤثر في المحافل العربية والدولية، إلى جانب قربه من الإعلاميين ووعيه العميق برسالة الإعلام العُماني.

رجل ارتبط ببواكير النهضة العُمانية

استهل سعادة السفير عبدالله بن ناصر الرحبي حديثه بالتأكيد على أن استحضار اسم صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد لا يعني استذكار مسؤول شغل مناصب عليا فحسب، بل استذكار رجل ارتبطت تجربته ببواكير النهضة العُمانية الحديثة، وأسهم بعلمه وخبرته وإخلاصه في خدمة وطنه في مراحل دقيقة ومفصلية من تاريخه.

وأوضح أن سموه كان من رجالات عُمان الذين جمعوا بين الحكمة في الرأي، والرزانة في الطرح، والهدوء في إدارة المواقف، وهو ما منحه مكانة مقدرة في الداخل والخارج، ومكّنه من تمثيل السلطنة خير تمثيل في محافل إقليمية ودولية متعددة. وأضاف أن هذه المكانة لم تأت فقط من المناصب التي تولاها، وإنما أيضًا من شخصية اتسمت بالنضج، وسعة الأفق، والقدرة على فهم التحولات الكبرى والتعامل معها بكفاءة واتزان.

من الخارجية إلى الإعلام..

وتوقف الرحبي عند البدايات الأولى لصاحب السمو في جهاز الدولة، مشيرًا إلى أن تقلده وزارة الشؤون الخارجية في مطلع السبعينيات وضعه في صدارة مرحلة بالغة الحساسية في عمر الدولة العُمانية الحديثة، إذ كانت البلاد خارجة لتوها إلى الفضاء الإقليمي والدولي بهويتها الجديدة، وكانت تحتاج إلى عمل دبلوماسي مكثف من أجل تثبيت حضورها وانتزاع الاعتراف بها وإقامة علاقاتها مع العالم.

وأضاف أن تلك المرحلة لم تكن سهلة، لا من حيث التوازنات الدولية القائمة آنذاك، ولا من حيث طبيعة البيئة الإقليمية، ولا من حيث التحديات التي كانت تمر بها السلطنة في الداخل، ولذلك فإن الدور الذي اضطلع به سموه في وزارة الخارجية كان دورًا تأسيسيًا بامتياز، أسهم في رسم ملامح الحضور العُماني في العالم منذ السنوات الأولى للنهضة.

كما أشار إلى أن انتقاله بعد ذلك إلى وزارة الإعلام مثّل امتدادًا لهذا الدور التأسيسي، لكن في جبهة لا تقل أهمية، وهي جبهة تشكيل الوعي الوطني، وبناء الخطاب الإعلامي الحديث، وتأسيس أدوات الإعلام العُماني الرسمي على أسس مهنية ومؤسسية.

بدايات الإعلام العُماني الحديث

وفي استحضاره لتجربته الشخصية، قال سعادة السفير عبدالله الرحبي إنه عاد بذاكرته إلى بدايات عمله المهني حين التحق بوزارة الإعلام، وتحديدًا بإذاعة سلطنة عُمان، في وقت كان فيه صاحب السمو يتولى مسؤولية وزارة الإعلام بعد أن كان وزيرًا للخارجية. ولفت إلى أن تلك الفترة كانت مرحلة تأسيس حقيقية للإعلام العُماني الحديث، سواء من حيث بناء المؤسسات أو تطوير البنية الفنية أو بلورة المشروع الإعلامي الوطني الذي يواكب النهضة.

وأوضح أن ملامح هذا التأسيس كانت تتجلى في تطوير التلفزيون والإذاعة، وفي الاشتغال على مدينة إعلامية متكاملة، وفي السعي إلى جعل الإعلام أداة مواكبة لمسيرة البناء الوطني لا مجرد وسيلة بث أو نقل. وأضاف أن هذه الرؤية عكست وعيًا مبكرًا بطبيعة الدور الذي يجب أن ينهض به الإعلام في دولة تتشكل حديثًا وتبني مشروعها التنموي والسياسي والثقافي.

وأشار إلى أن صاحب السمو كان يفهم الإعلام من زاوية استراتيجية لا تنفيذية فقط، وكان يدرك أن الكلمة في تلك المرحلة لم تكن مجرد خبر أو تقرير، بل جزءًا من معركة إثبات الهوية وترسيخ الاستقرار وبناء صورة الدولة الجديدة في الداخل والخارج.

شخصية تجمع بين الثقافة الغربية والعربية

وتحدث الرحبي عن الخلفية العلمية والثقافية لصاحب السمو، موضحًا أن تكوينه المعرفي كان أحد أسرار تميزه، فقد جمع بين دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، وبين التكوين الثقافي الواسع الذي انفتح على الغرب من خلال دراسته في جامعة السوربون، وعلى الثقافة العربية من خلال خلفيته الأصيلة وتجربته الطويلة في العمل العام.

وأضاف أن هذا المزيج بين الثقافة الغربية والعربية لم يكن مجرد جانب شخصي في سيرته، بل كان عنصرًا فاعلًا في تشكيل أسلوبه في الحوار وفي فهمه للسياسة وفي قدرته على مخاطبة الآخر بلغته ومنطقه، من دون أن يفقد خصوصيته العُمانية والعربية. وأكد أن هذا الاتساع في الرؤية كان حاضرًا في مداخلاته ومناقشاته ولقاءاته، وهو ما جعل كثيرًا ممن التقوه يقفون بإعجاب أمام عمق طرحه ورصانته.

حضور مؤثر في القمم والمحافل الدولية

وفي «الوصال» أيضًا، استعرض سعادة السفير عبدالله الرحبي جانبًا من حضور صاحب السمو في مؤتمرات القمة الخليجية والعربية، مشيرًا إلى أنه شارك في عدد من تلك القمم، وكان يتابع عن قرب مداخلات سموه، التي كانت تأتي دائمًا في توقيتها المناسب، وتعكس دقة في التقاط اللحظة، وحكمة في التعبير عن الموقف، وقدرة على صوغ الطرح العُماني بأسلوب يرسخ الاحترام ويعزز الحضور.

وأوضح أن صاحب السمو لم يكن يتحدث لمجرد تسجيل موقف، بل كان يضيف إلى النقاش فهمًا أعمق وأبعد مدى، ويقدم طرحًا متزنًا يعبّر عن هوية السلطنة السياسية القائمة على الحكمة، وعدم الانفعال، والنظر إلى القضايا من زاوية المصلحة العامة والاستقرار الإقليمي.

وأضاف أن هذا الحضور لم يكن محصورًا في القمم فقط، بل امتد إلى اللقاءات الثنائية مع المسؤولين والزعماء، حيث كان يترك انطباعًا خاصًا لدى من يلتقونه، لما يتميز به من هدوء، وثقافة، وأسلوب راقٍ في الحوار، وهي صفات جعلته وجهًا عُمانيًا مشرفًا في المحيطين العربي والدولي.

لقاء 2022 وانطباع ثابت

ومن المحطات التي استحضرها سعادة السفير في شهادته، اللقاء الذي جمعه بصاحب السمو خلال زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سلطنة عُمان عام 2022، مؤكدًا أن سموه ظل حتى في هذه المرحلة القريبة حاضرًا بذات الرصانة والاتزان والقدرة على تقديم صورة عُمان بأفضل ما تكون.

وأشار إلى أن هذا الحضور لم يكن مفاجئًا لمن عرفوه، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمسيرة طويلة من العمل والتمثيل والتفاعل مع مختلف المستويات السياسية والدبلوماسية، بما جعل حضوره في أي لقاء أو مناسبة إضافة بحد ذاته.

قريب من الإعلاميين ومؤمن بدورهم

وفي جانب آخر من حديثه، أكد سعادة السفير عبدالله الرحبي أن صاحب السمو كان قريبًا من الإعلاميين، ليس فقط بحكم مسؤوليته السابقة عن وزارة الإعلام، بل أيضًا بحكم إيمانه الحقيقي بدور الإعلام ووعيه بأهمية رسالته. وقال إن سموه ظل، حتى بعد انتقاله إلى مواقع أخرى في الدولة، يتابع الإعلام ويقدّر العاملين فيه، ويعرف تمامًا حجم الجهد الذي يبذله الصحفيون والإعلاميون في خدمة الوطن.

وأضاف أن الإعلاميين العُمانيين كانوا يشعرون بهذا القرب، لأنه لم يكن قربًا بروتوكوليًا أو عابرًا، بل كان نابعًا من فهم عميق لطبيعة العمل الإعلامي، ولما يعنيه أن تكون الكلمة مسؤولة ومؤثرة وفاعلة في بناء الوعي الوطني. وأوضح أن هذا الوعي جعل سموه يقدّر الدور الإعلامي في مراحله المختلفة، سواء في التأسيس أو في التطوير أو في التوثيق.

رجل دولة بصوت هادئ وأثر كبير

وبيّن سعادة السفير أن أحد أبرز ما يميز صاحب السمو هو أنه كان من أولئك المسؤولين الذين يتركون أثرهم الكبير من دون ضجيج، ويؤدون أدوارهم بصوت هادئ لكن بنتائج واضحة وعميقة. وقال إن من يعرفه عن قرب كان يدرك أنه لا يميل إلى المبالغة ولا إلى الحضور الصاخب، وإنما يفضل العمل الرزين المبني على الفهم والخبرة والتقدير الدقيق لما يقتضيه كل مقام.

وأشار إلى أن هذا الأسلوب هو ما جعل ذكراه حاضرة بإجلال كبير في نفوس من عملوا معه أو التقوه أو تابعوا مسيرته، لأنه جسّد نموذج رجل الدولة الذي يوازن بين الرؤية والخبرة، وبين الحضور الشخصي والالتزام المؤسسي، وبين الوفاء للنهج والانفتاح على المستقبل.

إرث باقٍ في الذاكرة الوطنية

وفي ختام شهادته، أكد سعادة السفير عبدالله بن ناصر الرحبي أن صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، غير أن الرجال تبقى آثارهم بما قدموه لأوطانهم، وبما يتركونه من سيرة طيبة في نفوس من عرفوهم وعملوا معهم. وأضاف أن ما قدمه سموه لعُمان على امتداد عقود سيظل حاضرًا في ذاكرة الوطن، سواء في المؤسستين الخارجية والإعلامية، أو في مختلف مواقع المسؤولية التي تقلدها، أو في الأثر الذي تركه في العمل العام وفي صورة السلطنة في الخارج.

وختم بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يحفظ عُمان قيادة وشعبًا، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار.

لمتابعة البث الاستثنائي على الوصال «عُمان تودع السيد فهد» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو