الوصال ــ تناولت أسماء بنت عامر الصواعي، عضو جمعية الاجتماعيين العُمانية، خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة»، موضوع التقاعد المرن للمرأة العُمانية بوصفه أحد الملفات الاجتماعية المتجددة التي تلامس واقع كثير من الأسر، موضحة أن هذا الطرح لم يعد مرتبطًا فقط بمسألة سن التقاعد أو سنوات الخدمة، وإنما بات يتصل بصورة أوسع بالعلاقة بين العمل والحياة وجودة العيش والرفاه الاجتماعي. وأشارت إلى أن المرأة العُمانية أصبحت اليوم شريكًا رئيسيًّا في التنمية الوطنية، وحاضرة في مختلف المواقع القيادية والمهنية والتخصصية، وهو ما يجعل النقاش حول مستقبلها المهني أكثر تعقيدًا وأعمق من مجرد التساؤل عن التقاعد المبكر أو الاستمرار في العمل.

طرح يتجاوز سن التقاعد

وأوضحت أسماء الصواعي أن الحديث عن التقاعد المرن ينبغي ألا يختزل في سؤال مباشر حول ما إذا كانت المرأة تتقاعد مبكرًا أم لا، وإنما يفترض أن يعاد تأطيره في إطار أوسع يسأل: كيف يمكن تصميم مسارات مهنية أكثر مرونة تمكّن المرأة من الاستمرار في العطاء وفق ظروفها المتغيرة عبر مراحل الحياة المختلفة؟ وأضافت أن هذا الطرح يرتبط بجملة من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها ارتفاع متطلبات الرعاية الأسرية، وزيادة متوسط العمر المتوقع، وتنامي أهمية الصحة النفسية وجودة الحياة، فضلًا عن التحولات التي طرأت على طبيعة الوظائف نفسها.

مساران داخل النقاش

وبيّنت عضوة جمعية الاجتماعيين العُمانية أن النقاش الدائر اليوم حول التقاعد المرن يكشف عن مسارين متوازيين؛ الأول يخص النساء اللواتي يرين أن لديهن القدرة على مواصلة العمل والعطاء حتى بعد استكمال سنوات الخدمة، خاصة إذا بدأن حياتهن العملية في سن مبكرة، بحيث قد يكملن ثلاثين سنة من الخدمة وهن ما زلن في مرحلة عمرية تسمح لهن بمزيد من الإنتاج. وأضافت أن هذا المسار يستدعي التفكير في إتاحة فرص للاستمرار عبر أدوار استشارية أو تدريبية أو توجيه مهني، بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتراكمة. أما المسار الآخر فيرتبط بالنساء اللواتي تدفعهن ظروفهن الأسرية أو الصحية أو الاجتماعية إلى المطالبة بخيارات أكثر مرونة تسمح لهن بالخروج المبكر أو بتخفيف العبء المهني.

نماذج متعددة

وأكدت أسماء الصواعي أن التقاعد المرن لا يعني بالضرورة الخروج النهائي والمبكر من سوق العمل، وإنما قد يشمل أنماطًا متعددة، مثل التقاعد الجزئي، أو العمل المرن، أو التخفيض التدريجي لساعات العمل، أو الانتقال إلى أدوار أقل ضغطًا وأكثر توافقًا مع ظروف المرأة. وأضافت أن هذه النماذج ليست أفكارًا عابرة، وإنما ترتبط باتجاهات عالمية تتصل بمفهوم الاستدامة البشرية للموارد البشرية، من خلال بناء بيئات عمل أكثر قدرة على استيعاب تغيرات الحياة ومراحلها المختلفة.

منظومة قابلة لإعادة التصميم

وأشارت إلى أن منظومة الحماية الاجتماعية يمكنها، من حيث المبدأ، إعادة تصميم بعض برامج التقاعد بما يراعي هذه الخيارات، شريطة أن يتم ذلك وفق ضوابط واضحة ودراسات دقيقة. ولفتت إلى أن من الممكن مثلًا وضع حد أدنى لسنوات الخدمة، ثم ربط الامتيازات التقاعدية بدرجة الاستفادة من هذا الخيار، بحيث تقل النسبة كلما تم الخروج في وقت أبكر، وتزداد كلما طالت سنوات الخدمة. وأضافت أن بعض النساء قد لا يحتجن إلى تقاعد نهائي، وإنما إلى تخفيف ساعات العمل أو تهيئة ظروف مهنية أكثر مرونة، خاصة في ظل مسؤوليات ترتبط بالأمومة أو رعاية كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة داخل الأسرة. ورأت أن توفير هذه البدائل قد يدفع كثيرات إلى الاستمرار في العمل بدلًا من اللجوء إلى التقاعد المبكر الكامل.

عدالة تراعي الواقع

وأكدت أسماء الصواعي أن النقاش في هذا الملف ينبغي أن ينطلق من مفهوم العدالة الذي يراعي واقع المرأة وظروفها، لا من فهم جامد للمساواة. وأوضحت أن المرأة كثيرًا ما تتحمل بعد انتهاء ساعات العمل الرسمي التزامات أسرية ورعائية متشعبة، سواء تجاه الأبناء أو الوالدين أو كبار السن أو أفراد الأسرة من ذوي الإعاقة، وهو ما يجعل حاجتها إلى المرونة المهنية أكبر في بعض المراحل. وأضافت أن بناء قوالب ونماذج عمل تستوعب هذه الاحتياجات يمكن أن ينعكس إيجابًا على قدرتها على الإنجاز والاستمرار، سواء عبر العمل عن بُعد أو تقليل ساعات العمل أو تقديم صيغ مهنية انتقالية أكثر ملاءمة.

تدرج وتشريعات

وشددت عضوة جمعية الاجتماعيين العُمانية أسماء الصواعي في ختام حديثها على أن أي تحرك في هذا الاتجاه لا يمكن أن يتم بصورة مفاجئة أو من دون أرضية مؤسسية وتشريعية واضحة، مؤكدة أن الأمر يحتاج إلى دراسات اكتوارية دقيقة، وإلى جاهزية تقنية ومؤسسية، وإلى تشريعات واضحة، فضلًا عن تدرج في التطبيق. وأضافت أن المطلوب ليس قرارًا سريعًا بقدر ما هو بناء حزم وخيارات مرنة تتدرج في التنفيذ، وتمنح المرأة مساحة أوسع للاختيار وفق ظروفها ومرحلتها الحياتية، بما يحقق التوازن بين استدامة المسار المهني ومتطلبات الحياة الخاصة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو