الوصال ــ تناول بدر العبري، كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم، الاستقالات الأخيرة في عدد من الجمعيات الخيرية، معتبرًا أنها لا يمكن قراءتها بوصفها خللًا تنظيميًا مباشرًا بقدر ما تعكس «تحوّلًا مرحليًا عميقًا» في بنية العمل الخيري والمجتمع العُماني بشكل عام، في ظل تغيّرات اقتصادية واجتماعية متسارعة.

تحولات المجتمع

وأوضح العبري خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»  أن العمل الخيري قبل عام 1970 كان مرتبطًا بالبنية الجمعية التقليدية التي كانت تدير شؤون المجتمع، حيث كانت الزكوات والصدقات تُدار بصورة جماعية واضحة، قبل أن تؤدي الوفرة النفطية وتوسع الوظائف بعد ذلك إلى حالة من الاستقرار الأفقي، أسهمت في تراجع الاهتمام المؤسسي بالعمل الخيري لفترة من الزمن. وأضاف أن مرحلة ما بعد عام 1990 شهدت عودة العمل الخيري بصورة جديدة مع تقلّص فرص العمل وظهور الفرق والجمعيات الخيرية، التي لعبت دورًا مهمًا في سد فجوات اجتماعية متزايدة.

تحديات المرحلة الراهنة

وأشار العبري إلى أن المرحلة الحالية تشهد ضغوطًا غير مسبوقة، تتصل بارتفاع أعداد الباحثين عن عمل، والمسرّحين، وأسر الضمان الاجتماعي، مؤكدًا أن هذه التحديات تُدار اليوم بعقلية جمعية لا تزال أسيرة تصورات سابقة، لا تنسجم مع الواقع المعاصر من حيث الحوكمة والإجراءات، ولا حتى من حيث الاجتهادات الفقهية المرتبطة بالزكاة والصدقات. ولفت إلى أن قضايا حديثة مثل «الضرائب» وعلاقتها بالزكاة وإبراء الذمة لم تُراجع بالشكل الكافي، إلى جانب غياب البعد التنموي والاستثماري في إدارة أموال الزكاة، التي تظل في كثير من الأحيان مجرد توزيع آني دون أثر طويل المدى.

غياب المركزية

وبيّن العبري أن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في غياب مركزية واضحة لإدارة العمل الخيري في سلطنة عُمان، حيث تنتشر الجمعيات على مستوى الولايات والمحافظات دون مظلة واحدة قادرة على توحيد الرؤية وتسريع المعالجة. واعتبر أن واقع الحوكمة والرقمنة المعاصرة يفرض وجود «هيئة مستقلة واحدة» تمتلك تشريعاتها وصلاحياتها، بما يتيح معالجة الملفات الخيرية بكفاءة أعلى، ورقابة أسهل، واستجابة أسرع للاحتياجات المتغيرة.

مرحلة جديدة للعمل الخيري

وأكد العبري أن العالم بأسره يشهد مرحلة جديدة من العمل الخيري، وأن سلطنة عُمان ليست بمعزل عن هذه التحولات، مشيرًا إلى وجود محاولات جادة للمراجعة والتنظيم، من بينها مراسيم سلطانية حديثة أعادت ترتيب الجوانب الاجتماعية والتعاونية. غير أنه شدد على أن الانتقال الحقيقي يتطلب التحول من العمل الموزع والاجتهادي إلى «العمل المؤسسي المركزي»، القادر على تحويل الإعانات من استجابات آنية إلى حلول مستدامة، تقلل من آثار الأزمات المستقبلية مثل ما حدث خلال جائحة كوفيد-19.

ثقة المجتمع

وتناول العبري مسألة تراجع ثقة المجتمع في بعض المؤسسات الخيرية، موضحًا أن غياب الحوكمة الواضحة، وطول قوائم الانتظار، وتفاوت مستوى الدعم بين المناطق، كلها عوامل أسهمت في خفض سقف التوقعات المجتمعية. وأضاف أن غياب قواعد بيانات دقيقة، وعدم وضوح الأولويات، قد يؤدي أحيانًا إلى توزيع عشوائي أو غير عادل، حتى وإن حدث ذلك بحسن نية، وهو ما ينعكس سلبًا على المدى البعيد.

أولويات متغيّرة

وأشار العبري إلى أن أولويات العمل الخيري اليوم لم تعد هي ذاتها التي كانت قائمة في تسعينيات القرن الماضي، مؤكدًا أن التفكير بعقلية زمنية قديمة لا يستجيب لتعقيدات الواقع الحالي، سواء من حيث التضخم، أو التغيرات الاجتماعية، أو التأثيرات العالمية المتداخلة. كما لفت إلى غياب مراكز بحثية متخصصة في الشأن الخيري داخل سلطنة عُمان، قادرة على دراسة آليات التوزيع والتنمية، ونقل العمل الخيري من نماذجه التقليدية إلى نماذج أكثر فاعلية.

نحو الاستدامة

وحول ضمانات استدامة العمل الخيري في ظل الاستقالات الجماعية، أوضح العبري أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من العمل التطوعي القائم على الأفراد إلى «العمل المؤسسي الإلزامي»، الذي لا يعتمد على وجود المتطوعين فقط، بل على مؤسسات مستقرة ذات فروع وتنظيمات واضحة. وأكد أن الرقمنة تمثل فرصة حقيقية لمعالجة كثير من الإشكالات، من خلال تسهيل عمليات الحصر والتوزيع والتنمية والاستثمار، وتحويل العمل الخيري من تدخلات مؤقتة إلى مسار مستدام يعالج القضايا من جذورها.

وختم العبري حديثه بالتأكيد على أن المجتمع العُماني يمتلك رصيدًا كبيرًا من التماسك وروح العطاء، إلا أن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب إعادة بناء منظومة العمل الخيري على أسس مؤسسية حديثة، تواكب التحولات، وتعزز الثقة، وتضمن استدامة الأثر الاجتماعي في المرحلة المقبلة.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو