الوصال ـ أكدت الدكتورة بدرية الشحي، الأكاديمية والروائية والكاتبة وعضوة مجلس الدولة سابقًا، أن كلمة السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان ـ حفظها الله ورعاها ـ بمناسبة يوم المرأة العُمانية لم تكن كلمة عامة أو احتفائية فقط، وإنما حملت دلالات مباشرة تتصل بواقع المرأة ومسؤولياتها في المرحلة الحالية، سواء في المشاركة العامة أو الأسرة أو التعامل مع التحولات الفكرية والمعرفية المتسارعة.

وقالت خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، إن تخصيص مقعد إضافي للمرأة في كل محافظة بمجلس الشورى يمثل تحولًا مهمًا بعد سنوات من النقاش حول حضور المرأة في مجلس عُمان، معتبرة أن توقيت الإشارة إلى هذه الخطوة في كلمة السيدة الجليلة يحمل رسالة واضحة للنساء للاستعداد مبكرًا للدورة المقبلة.

وأوضحت أن هذا التوجه لا يعني حصر تمثيل النساء في 11 مقعدًا فقط، وإنما يمثل الحد الأدنى من الحضور، في حين يمكن للمرأة أيضًا المنافسة على بقية المقاعد وفق النظام الانتخابي المعمول به. وأضافت أن النساء اللواتي يمتلكن الكفاءة والخبرة أمامهن فرصة حقيقية لأن يبدأن منذ الآن في إعداد أنفسهن، والتعريف بقدراتهن وبرامجهن وما يمكن أن يقدمنه للمجتمع من خلال مجلس الشورى.

المرأة أمام عام للاستعداد

وأشارت الشحي إلى أن الفترة المتبقية حتى نهاية الدورة الحالية من مجلس الشورى تمنح الراغبات في الترشح مساحة زمنية مناسبة للاستعداد، معتبرة أن المطلوب ليس انتظار موعد الانتخابات، وإنما البدء مبكرًا في بناء الحضور المجتمعي والتعريف بالخبرات والإنجازات. وقالت إن المرأة التي ترغب في التقدم يجب أن توضح للناخبين ما الذي تستطيع إضافته إلى مجلس الشورى، وألا تنظر إلى الوصول إلى المجلس باعتباره تكريمًا أو حضورًا شكليًا.

وأضافت أن عضوية المجلس مسؤولية تتطلب وجود رؤية واضحة لدى المترشحة، وبرنامجًا يعكس خبراتها، وإدراكًا للدور الذي يمكن أن تؤديه داخل المؤسسة التشريعية والرقابية. ولفتت إلى أن نتائج الانتخابات السابقة أظهرت استمرار بعض التحديات المجتمعية أمام حضور المرأة، حتى في المحافظات التي يفترض أنها أكثر انفتاحًا، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الأصوات النسائية نفسها ذهبت إلى مترشحين رجال.

ورأت أن تخصيص مقعد للنساء في كل محافظة يمكن أن يفتح الطريق أمام حضور نسائي أوسع، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تنافس المرأة على بقية المقاعد وإثبات قدرتها من خلال البرامج والطرح والكفاءة.

المجتمع مطالب بالنظر إلى الكفاءة

وأكدت الدكتورة بدرية الشحي ضمن حديثها في برنامج «منتدى الوصال» أن وصول المرأة إلى مجلس الشورى لا ينبغي أن يقوم على فكرة دعمها لمجرد كونها امرأة، وإنما على قدرتها على القيام بالدور التشريعي والرقابي. وأوضحت أن المترشحة مطالبة بفهم أدوات مجلس الشورى وصلاحياته، وأن تكون لديها خلفية تمكنها من قراءة التشريعات وتحليلها واستيعاب آثارها، إلى جانب القدرة على تقديم رؤى مستقبلية لما يمكن تطويره.

وأضافت أن الخلفية القانونية قد تكون ميزة مهمة، لكنها ليست شرطًا، مشيرة إلى أن الأهم هو إدراك طبيعة المسؤولية والابتعاد عن التعامل مع عضوية المجلس باعتبارها وجاهة اجتماعية أو مساحة للظهور. وشددت على أن مجلس الشورى منصة تشريعية ورقابية تتطلب وعيًا عاليًا، وأن المجتمع كذلك مطالب عند اختيار المترشحين بالنظر إلى الكفاءة والقدرة على العمل وليس إلى الاعتبارات الاجتماعية وحدها.

الجمعيات والحقل التربوي

وتطرقت الشحي إلى الدور الممكن لجمعيات المرأة العُمانية، موضحة أنها يمكن أن تسهم في تشجيع النساء ورفع مستوى الوعي بأهمية المشاركة، إلا أن القرار النهائي يظل بيد المرأة نفسها التي يجب أن تتقدم وتثق بقدراتها. وأشارت إلى أن عدد النساء المترشحات في الدورة السابقة كان محدودًا مقارنة بإجمالي عدد المترشحين، معتبرة أن جزءًا من التحدي يبدأ من إحجام النساء أنفسهن عن خوض التجربة.

وقالت إن المطلوب هو تجاوز الخوف والنظرة السلبية المرتبطة أحيانًا بمجلس الشورى، وإدراك أن الظروف أصبحت أكثر دعمًا لحضور المرأة ومشاركتها. ورأت أن الحقل التربوي يمثل إحدى البيئات التي يمكن أن تقدم كفاءات نسائية مناسبة لمجلس الشورى، لما تمتلكه المعلمات والتربويات من خبرة في التعامل مع المجتمع والتعليم والأجيال المختلفة.

وأضافت أن المرأة ذات الخلفية التربوية تمتلك معرفة مباشرة بنقاط القوة والضعف في التشريعات التعليمية والتربوية، إلى جانب مهارات التواصل والحوار، وهو ما يمكن أن يجعلها مؤهلة لخوض تجربة العمل البرلماني.

المعرفة بلا حدود

وانتقلت الشحي إلى قراءة الجزء المتعلق بتعدد مصادر التأثير وتداخل الأفكار في كلمة السيدة الجليلة، معتبرة أن هذه الإشارة تعكس إدراكًا عميقًا لما يواجهه المجتمع اليوم في ظل الانفتاح المعلوماتي. وقالت إن المعرفة أصبحت متاحة بلا حدود، وهو جانب إيجابي من جهة، لكنه فتح في المقابل الباب أمام معلومات مغلوطة وأفكار قادرة على التأثير في النشء وفي منظومة القيم.

وأضافت أن السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة شهدت، في رأيها، تصاعدًا واضحًا في حجم التأثير المعلوماتي على المنصات، وأصبحت الأفكار تقدم أحيانًا بصيغ جذابة ومقنعة ومزينة بالمنطق والأسلوب الهادئ، ما يجعل التعامل معها أكثر صعوبة. ورأت أن الحل لا يمكن أن يكون في منع المعرفة عن الأجيال الجديدة، لأن ذلك أصبح شبه مستحيل، وإنما في بناء وعي قادر على التمييز والتحليل والنقد. وأكدت أن الأسرة مطالبة بأن تكون قريبة من أبنائها فكريًا ونفسيًا، وليس فقط بالحضور الجسدي، لأن المسافة المعنوية بين الوالدين والأبناء قد تجعل تأثير المنصات أقوى من تأثير الأسرة.

التوجيه يشمل الجميع

وأوضحت الشحي أن الرسائل المتعلقة بالتعامل مع المعرفة والتأثير الرقمي لا تخص فئة عمرية بعينها ولا تقتصر على الأمهات أو الأكبر سنًا، وإنما تشمل الشابات والرجال والنساء على حد سواء. وقالت إن على كل شخص أن يسأل نفسه عن مدى تأثره بما يشاهده، وهل يتلقى الأفكار سريعًا أم يتحقق من مصادرها وخلفياتها وأهدافها. وأضافت أن المطلوب ليس فقط مراقبة الآخرين، وإنما مراجعة الذات وقدرتها على التفكير والتحقق قبل تبني أي فكرة أو موقف.

القيم تُغرس بالاقتناع

وأكدت الشحي أن مواجهة الأفكار التي قد تؤثر في منظومة القيم تبدأ منذ السنوات الأولى للطفل، مشددة على أن الأخلاق والدين والانتماء لا يمكن غرسها بالإجبار، وإنما بالاقتناع. وقالت إن بناء القناعة في وقت مبكر يمنح الطفل أساسًا أقوى عندما يواجه لاحقًا أفكارًا مختلفة أو محتوى يحاول التأثير في مفاهيمه.

وأضافت أن بعض الرسائل الرقمية تقدم اليوم بصورة جذابة ومزينة بالثقافة والكلام الجميل، ولذلك يصبح من الضروري أن تكون القاعدة الفكرية للطفل أكثر قوة. وأشارت إلى أنه حتى مع التربية الجيدة قد ينجرف بعض الأبناء نحو أفكار مختلفة، لكن التعامل مع ذلك يجب أن يكون بالعقل والمنطق والحوار وليس بالهدم أو المواجهة السلبية.

ورأت أن المجتمع العُماني يمتلك مستوى جيدًا من الوعي بما يحدث على منصات التواصل، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التعامل مع هذه الظواهر وتحويل الوعي إلى أسلوب تربوي عملي.

المرأة شريك رئيس في القرار الأسري

وتحدثت الشحي خلال حديثها في برنامج «منتدى الوصال»عن دور المرأة داخل الأسرة، مؤكدة أنها تشارك بصورة كبيرة في صناعة القرارات اليومية، خاصة ما يتعلق بالأبناء وأساليب المعيشة والتربية داخل المنزل.

وأضافت أن المرأة في الأسرة العُمانية تمتلك حضورًا واضحًا في القرار، وأن الأبناء كثيرًا ما يتلقون توجيهاتهم بصورة أكبر من الأم نتيجة وجودها المستمر معهم. وأكدت في الوقت نفسه أن مسؤولية التربية ومواجهة التأثيرات الفكرية لا يمكن تحميلها للمرأة وحدها، وإنما يجب أن تكون شراكة بين الأب والأم.

بعض التأثيرات منظمة وأخرى عشوائية

وحول طبيعة المحتوى الذي ينتشر عبر المنصات، قالت الشحي إنها لا تعتقد أن كل ما يظهر يمثل حملات منظمة، إذ يوجد الكثير من المحتوى الفردي والعشوائي الذي يعكس أفكار أصحابه. إلا أنها ترى في المقابل أن بعض التأثيرات منظمة بصورة كبيرة، وأن هناك شبكات تعمل، بحسب تقديرها، على إعادة تشكيل بعض الأفكار داخل المجتمعات العربية.

الحد من وصول الأطفال إلى الهواتف

ورأت الشحي أن منح الأطفال هواتف وأجهزة ذكية في سن مبكرة يمثل أحد التحديات الكبرى أمام الأسر، خصوصًا عندما لا يستطيع الوالدان التحكم في الوقت الذي يقضيه الطفل على الجهاز أو في التطبيقات والمحتوى الذي يصل إليه. وأوضحت أن الأسرة إذا كانت قادرة على ضبط الاستخدام وتحديد البرامج والأوقات فيمكن إدارة الأمر، أما إذا تعذر ذلك، فإن تقليل الوصول إلى الأجهزة يصبح خيارًا أكثر أمانًا. وأضافت أن الكتاب والتلفاز يمكن أن يظلا من الوسائل التي يسهل على الأسرة التحكم في محتواها مقارنة بالهاتف الذكي المفتوح على عالم واسع من التطبيقات والمنصات.

واستشهدت بتجربتها الشخصية، موضحة أن أبناءها لم يحصلوا على هواتف حتى انتهائهم من الثانوية العامة واستعدادهم للجامعة، رغم صعوبة هذا القرار وما قد يصاحبه من مقارنة بزملائهم أو اتهام الأهل بالقسوة. وأكدت أن الأم تستطيع وضع حدود لاستخدام أبنائها الأجهزة ووسائل التواصل متى كانت مقتنعة بأهمية ذلك ومستعدة للالتزام بالقرار.

المظاهر الرقمية تؤثر في الرضا

وتطرقت الشحي إلى تأثير وسائل التواصل في رضا الأفراد عن حياتهم، موضحة أن المشاهد اليومية لحياة المشاهير والصور المثالية تجعل المستخدم يقارن نفسه بما يراه دون معرفة ما يحدث خلف هذه الصورة. وقالت إن الكثير مما يعرض على المنصات يقدم بصورة تجميلية لا تعكس الحقيقة كاملة، وهو ما قد يدفع الأشخاص إلى التطلع المستمر لما يمتلكه الآخرون والشعور بأن حياتهم أقل قيمة.

وأضافت أن هذه المقارنات تجعل الإنسان ينظر إلى ما يفتقده أكثر من نظره إلى ما يمتلكه، وهو سلوك بشري زادت وسائل التواصل من حدته واتساعه. وأكدت أهمية أن تشرح الأسرة للأبناء أن ما يشاهدونه لا يمثل الواقع كاملًا، وأن الصور والمظاهر المنشورة لا تقدم بالضرورة حقيقة حياة أصحابها.

القرار مسؤولية الأب والأم

وحول الإنفاق والاستهلاك داخل الأسرة، أقرت الشحي بأن المرأة قد يكون لها حضور مؤثر في بعض القرارات المادية، لكنها أكدت أن ذلك لا يعفي الرجل من دوره. وضربت مثالًا برغبة الأم في شراء هاتف مرتفع القيمة لطفل صغير، معتبرة أن الأب مطالب حينها بأن يناقش القرار ويقترح بدائل أكثر فائدة للطفل إذا رأى أن الهاتف غير مناسب لعمره. وشددت على أن تربية الأبناء لا تحتمل أن يلقي كل طرف المسؤولية على الآخر، وأن وجود قصور في رؤية أحد الوالدين يجب أن يقابله وعي الطرف الثاني وقدرته على الحوار وتصحيح المسار.

يوم المرأة يمتد 365 يومًا

وفي قراءتها لعبارة السيدة الجليلة حول أن الاحتفاء بالمرأة رسالة متجددة وعطاء ممتد، قالت الشحي إن يوم 17 أكتوبر لا ينبغي أن يختزل في الاحتفال بالإنجازات. وأوضحت أن جوهر المناسبة يتمثل في تذكير المرأة بأن مسؤوليتها ورسالتها مستمرتان، وأن ما يطرح في هذا اليوم يجب أن يمتد إلى أيام العام كلها.

وأضافت أن المرأة تواجه تحديات لا تتعلق فقط بإثبات الذات والنجاح المهني، وإنما تمتد إلى المسؤوليات الأسرية والتربوية والمجتمعية.

التمكين ليس احتفالًا تجميليًا

وأشارت الشحي إلى أن الحديث عن تمكين الإنسان بالعلم والمعرفة وصون الكرامة وتهيئة أسباب الإبداع يحمل رسالة للمؤسسات كذلك، موضحة أن الاحتفال بالمرأة لا ينبغي أن يكون شكليًا أو تجميليًا. وقالت إن التمكين الحقيقي يظهر في تطوير المهارات والقدرات وإتاحة المجال للمرأة للتقدم وفق كفاءتها، وعدم إبقائها في الموقع ذاته دون فرصة للتطور.

المسؤولة مطالبة بتمكين زميلاتها

ورأت الشحي أن وصول المرأة إلى مواقع صناعة القرار يضع عليها مسؤولية إضافية تتمثل في مساندة النساء الأخريات وفتح الفرص أمامهن. وقالت إن الحضور النسائي في مواقع المسؤولية أصبح واضحًا، ويعكس ثقة المجتمع والمؤسسات في قدرات المرأة، إلا أن الوصول بحد ذاته ليس نهاية المهمة.

وأضافت أن المرأة المسؤولة ينبغي أن تكون عنصر تمكين لزميلاتها وألا تصبح أكثر صعوبة عليهن داخل بيئة العمل، مشيرة إلى أن المسؤولية تشمل كذلك تمكين الزملاء من الرجال وفق الكفاءة والقدرات.

بيئة العمل مطالبة بالتغيير

ودعت الشحي المؤسسات إلى توفير بيئات عمل جاذبة تمكّن المرأة والرجل معًا من الإنتاج والتطور، معتبرة أن التمكين لا يقتصر على الترقي الإداري أو الوصول إلى منصب قيادي. وأوضحت أن المؤسسات يمكن أن تطور أدوات وأساليب تساعد المرأة على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية وعملها، وأن تستفيد من إمكانات العمل المرن والتقنيات الحديثة وغيرها من الممكنات.

وأضافت أن المؤسسة مطالبة كذلك بمعرفة قدرات موظفيها وتطويرها وعدم ترك العاملين بلا مهام أو طموح أو مسار واضح للتقدم، لأن غياب البيئة الجاذبة يقلل من الدافعية والإنتاجية. واختتمت الشحي حديثها بالتأكيد على أن المرأة العُمانية حصلت على مساحات واسعة من التمكين على امتداد العقود الماضية، وأن أمامها اليوم الوسائل التي تساعدها على إظهار قدراتها، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تحويل هذا التمكين إلى عمل وإنجاز وإثبات للقدرة، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالمناسبة نفسها.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو