د. محمد العلوي لـ«الوصال»: ليس كل ما تشعر به مرضًا نفسيًّا.. وفوضى التشخيص على المنصات قد تربك الناس وتحوّل المشاعر الطبيعية إلى أمراض متخيلة
منتدى الوصال
الوصال ــ تناول الدكتور محمد العلوي، أستاذ مساعد واستشاري الطب النفسي في جامعة السلطان قابوس ورئيس الرابطة العُمانية للطب النفسي، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، التحولات التي طرأت على نظرة المجتمع إلى الصحة النفسية، مشيرًا إلى أن التوسع في الحديث عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في رفع مستوى الوعي من جهة، لكنه أوجد في المقابل إشكالات أخرى، من بينها التسرع في إطلاق أوصاف وتشخيصات نفسية على تجارب إنسانية طبيعية.
وأوضح أن بعض الناس باتوا يفسرون مشاعر عابرة أو مواقف حياتية مألوفة على أنها اضطرابات نفسية، أو يربطون سلوكيات محددة باضطرابات في الشخصية من دون أساس علمي، وهو ما قد يدفع الشخص إلى الشك في نفسه أو في المحيطين به، خاصة إذا كان بطبعه كثير التحليل والتفكير. ورأى أن المطلوب اليوم ليس فقط توسيع التوعية بالصحة النفسية، وإنما أيضًا توعية موازية تميز بين ما هو تجربة إنسانية طبيعية وما يحتاج فعلًا إلى تقييم مختص.
بين الوعي والتهويل
وأشار العلوي إلى أن الوعي المتزايد بالصحة النفسية قد يحمل آثارًا إيجابية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى نتائج غير دقيقة إذا لم يكن مؤسسًا على معرفة علمية متوازنة. ولفت إلى أن بعض الأشخاص قد يبدؤون في تفسير كل ما يمرون به على أنه اضطراب نفسي، أو ينظرون إلى سلوك في الأب أو الابن أو الصديق على أنه مؤشر مرضي. وفي الجهة الأخرى، هناك من يمر باضطراب نفسي فعلي لكنه لا يتحدث عنه بسبب طبيعته الصلبة أو الكتومة، أو لعدم ميله إلى التعبير عما يمر به. ومن هنا أكد أن التحدي الحقيقي يكمن في الوصول إلى التوازن، ومعرفة متى يكون ما يمر به الإنسان جزءًا من الحياة، ومتى يستدعي تدخلًا متخصصًا.
نصائح وسائل التواصل
وعن النصائح النفسية المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي، أوضح العلوي أن التمييز بين الصحيح والخاطئ ليس سهلًا دائمًا على غير المختص، ولهذا يبقى الخيار الأكثر أمانًا هو الرجوع إلى المختصين، مع النظر إلى مؤهلات الشخص، وخبرته، والسياق العام الذي يقدم فيه نصائحه، ومقارنتها بما يطرحه المختصون الآخرون في المجال نفسه. وأضاف أن بعض الناس قد ينجذبون إلى الطروحات الخارجة عن المألوف، خاصة إذا خاطبت رغباتهم أو اعتمدت على خطاب تشكيكي أو تفسيرات تبسيطية، ولهذا شدد على أهمية الوعي الشخصي، إلى جانب الدور الذي ينبغي أن تقوم به المؤسسات والمختصون في تقديم معرفة علمية واضحة ومتوازنة تشكل موجة مقابلة للطرح غير المنضبط.
الاضطرابات الأكثر شيوعًا
وفي حديثه ضمن برنامج «منتدى الوصال» عن الاضطرابات النفسية الأكثر حضورًا في المجتمع العُماني، أشار العلوي إلى أن الصورة العامة لا تختلف كثيرًا عما هو موجود في الخليج والعالم، موضحًا أن القلق والاكتئاب يأتيان في مقدمة الاضطرابات التي يجري التعامل معها، تليهما نوبات الهلع والوسواس القهري والفصام واضطراب الوجدان ثنائي القطب. ولفت إلى أن هذا الاضطراب الأخير قد لا يكون سهل التشخيص دائمًا، لأن بعض الأشخاص قد يمرون بفترات نشاط مرتفع وإنتاجية عالية وأخرى أقل مزاجًا وطاقة، من دون أن يصل ذلك بالضرورة إلى مستوى المرض، ما يجعل فهم السياق وطبيعة الشخص مسألة مهمة في عملية التقييم.
متى يصبح القلق مرضيًا؟
وأوضح العلوي أن القلق في أصله أمر طبيعي يمر به كل إنسان، لكن التحول إلى اضطراب القلق العام يحدث حين يستمر القلق لفترة طويلة تمتد إلى أشهر، ولا يكون مرتبطًا بموضوع واحد محدد، وإنما يصبح حاضرًا في معظم تفاصيل الحياة. وأضاف أن هذا القلق يصاحبه عادة عدد من الأعراض الجسدية مثل الخفقان، والرجفة، والخمول، واضطرابات النوم، إلى جانب تأثيره على جوانب متعددة من حياة الشخص، الاجتماعية والعملية والأكاديمية. ولفت إلى أن المعيار الأهم هنا هو مقدار ما يحدثه القلق من تعطيل وتأثير في الحياة اليومية، مؤكدًا أن انتظار الانفجار الكامل للمشكلة قبل طلب المساعدة ليس حكمة، لأن لذلك تبعات على العلاقات والقرارات والعمل ومسار الحياة عمومًا.
أهمية البوح
وتناول العلوي مسألة البوح وما إذا كان الحديث مع صديق أو قريب يساعد في التخفيف من الضغط النفسي، موضحًا أن البوح يعد من الزوايا المهمة في الوقاية النفسية إذا تحول إلى منهج حياة، بحيث يكون للإنسان أشخاص مقربون يتحدث معهم بشكل منتظم. ورأى أن هذا النوع من التعبير يشكل استثمارًا بعيد المدى في الصحة النفسية. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن البوح قد يستخدم كأداة علاجية أيضًا، مثل الكتابة التعبيرية أو الجلسات التي تساعد على إخراج ما في الداخل، لكنه نبّه إلى أن البوح وحده قد لا يكون كافيًا عندما يصل الشخص إلى مرحلة متقدمة من القلق أو الأرق أو التوتر المستمر، حيث تصبح الحاجة أكبر إلى تدخل مهني أكثر عمقًا.
عندما يتحدث الجسد
وأشار العلوي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» إلى أن الإنسان إذا لم يجد طريقة صحية للتعبير عن ضغوطه، فإن الجسد قد يتحدث عنه، موضحًا أن هذا ما يراه كثيرًا في إطار الطب النفسي الجسدي، حيث تتحول الضغوط إلى أعراض بدنية، مثل تلبك المعدة أو اضطرابات الجهاز الهضمي أو مشاكل النوم أو غيرها. وأوضح أن هناك تواصلًا وثيقًا بين الجهاز الهضمي والدماغ عبر الأعصاب والهرمونات، وأن اختلال التوازن في أحدهما قد ينعكس على الآخر. وأضاف أن بعض الحالات تبدأ بأعراض في المعدة أو الشهية، ثم يتبين لاحقًا أنها ترتبط بالاكتئاب أو القلق، كما قد يحدث العكس، حيث تقود مشكلة عضوية معينة إلى تراجع نفسي ملحوظ.
الاكتئاب بين الوصف والتشخيص
وفي ما يتعلق بالاكتئاب، أوضح العلوي أن استخدام هذه الكلمة في الحديث اليومي لا يعني بالضرورة وجود اضطراب اكتئابي مرضي، مؤكدًا أن التشخيص لا يصح إلا من قبل مختص. وأشار إلى أن كثيرًا من الناس قد يستخدمون الكلمة لوصف ضيق عابر أو فترة صعبة أو مزاج منخفض، بينما يختلف هذا عن الاكتئاب السريري الذي يحتاج إلى تقييم وعلاج. كما نبّه إلى أن الاستسلام لهذه المشاعر العابرة ووقف الحياة بسببها ليس دائمًا هو الخيار الصحيح، موضحًا أن بعض الناس قد يكون علاجهم في التحرك والانخراط في الحياة والذهاب إلى العمل والتفاعل مع الآخرين، لأن ترك النفس تغرق في الأفكار قد يوسع المشكلة ويضخمها.
الطبيب النفسي والأخصائي النفسي
وعن الفرق بين الطبيب النفسي والأخصائي النفسي، أوضح العلوي أن هناك تقاطعًا كبيرًا بينهما، مع وجود اختلاف في المسار العلمي والتدريبي. فـالطبيب النفسي يمر بمسار طويل يبدأ بدراسة الطب العام، ثم التخصص في الطب النفسي، وقد يمتد ذلك إلى سنوات إضافية من الزمالة، بينما يرتكز الأخصائي النفسي على التقييم النفسي والاجتماعي والمعرفي، ثم تقديم العلاج النفسي القائم على هذا التقييم. وأضاف أن العلاقة بين الطرفين في الواقع العملي علاقة تكامل لا تعارض، فالأخصائي قد يحول بعض الحالات إلى الطبيب النفسي إذا احتاجت إلى تدخل دوائي، والطبيب النفسي قد يحول حالات كثيرة إلى الأخصائي النفسي عندما تكون الحاجة الأساسية علاجية نفسية سلوكية أو معرفية. ورأى أن الأهم بالنسبة للمراجع هو أن يصل إلى مختص متمكن في البداية، لأن المختص الجيد سيعرف بدوره متى يحتاج إلى إحالة الحالة إلى الطرف الآخر.
الاحتراق الوظيفي
وتطرق العلوي إلى الاحتراق الوظيفي، موضحًا أنه ظاهرة حاضرة في بيئات العمل وإن ظل الجدل قائمًا حول تصنيفه الدقيق، وما إذا كان يمثل اضطرابًا نفسيًّا مستقلاً أو حالة نفسية مرتبطة بضغوط العمل. وأشار إلى أن ما يحدث للإنسان تحت وطأة الضغوط المهنية قد يؤثر في نفسيته وجسده وإنتاجيته، وهذا أمر واقع، حتى لو كان توصيفه العلمي لا يزال موضع نقاش في بعض الأوساط. وأضاف أن بعض الجهات الدولية والوطنية باتت تنظر إلى السلامة النفسية في بيئة العمل بوصفها مسألة جوهرية، وهو ما يظهر في الأدبيات المهنية الحديثة وفي بعض التشريعات، مع ضرورة التمييز بين التعب العابر وبين الحالة الأعمق التي تستنزف الإنسان وتضعف أداءه بشكل ممتد.
البيئة والمناخ وتأثيرهما
وأكد العلوي أن البيئة المحيطة بالإنسان، بما في ذلك الحرارة والضوضاء وظروف المكان، تؤثر في الشعور والتقييم والسلوك، مشيرًا إلى أن الإنسان لا يفكر بمفرده بمعزل عن جسده ومحيطه، بل يتأثر بما يحدث في الجسد والجلد والحواس. ورأى أن هذا يفسر كيف يمكن أن تتغير أحكام الإنسان ومشاعره واستجاباته بحسب الظروف التي تحيط به، وهو ما ينعكس حتى على المقابلات والقرارات والتفاعلات اليومية.
الخصوصية الثقافية وعلم النفس
وفي حديثه عن الانتقادات التي ترى أن علم النفس والطب النفسي قائم على نظريات غربية لا تراعي خصوصية المجتمعات العربية والإسلامية، قال العلوي إن في هذا الطرح جانبًا من الصحة، موضحًا أن هناك خصوصية ثقافية واجتماعية ومعرفية لا بد أن تؤخذ في الاعتبار. وأشار في هذا السياق إلى غنى التراث الإسلامي في تناول النفس والروح والاضطرابات والمشاعر، مستشهدًا بأعمال أبي زيد البلخي في كتابه مصالح الأبدان والأنفس، حيث تناول موضوعات مثل الوسواس ونوبات الهلع والحزن والاكتئاب، ووصف الأعراض والأسباب وبعض مسارات التدخل بأسلوب يبعث على الدهشة والفخر. وأضاف أن هذا الإرث لا يعني الاكتفاء بما ورد فيه من دون تمحيص، لكنه يفتح الباب أمام قراءة جادة لما يمكن أن يقدمه علم النفس الإسلامي من تصورات تساعد في بناء مقاربات أكثر قربًا من مجتمعاتنا، خاصة إذا جرى التعامل معه بطريقة علمية رصينة تربط بين التراث والمعرفة الحديثة.
الرابطة العُمانية للطب النفسي
وفي ختام حديثه، استعرض العلوي جانبًا من عمل الرابطة العُمانية للطب النفسي، موضحًا أن من أهم ما تركز عليه الرابطة حاليًا الاجتماعات التعليمية والتدريبية الدورية للأطباء، مع إيلاء اهتمام خاص بدعم البحث العلمي، والاحتفاء بالمناسبات العالمية المرتبطة بالطب النفسي، وتكثيف العمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال المعرفة بصورة أفضل. كما أعلن عن تنظيم مؤتمر في 17 و18 يوليو بمشاركة خبراء في الطب النفسي من كندا والإمارات وقطر، إلى جانب ورش تدريبية تسبق المؤتمر، في إطار عمل الرابطة بالتعاون مع عدد من الجهات الداعمة، من بينها جامعة السلطان قابوس، والمدينة الطبية الجامعية، ووزارة الصحة، والجمعية الطبية العُمانية، والرابطة العُمانية لمرض ألزهايمر.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


