د. سليم الهنائي لـ«الوصال»: بريطانيا تنظر إلى عُمان كصوت متزن وشريك موثوق في منطقة مضطربة.. والزيارة ترفع هذا الدور إلى أعلى مستوى سياسي ورسمي
ساعة الظهيرة
الوصال ـ أكد الدكتور سليم بن محمد الهنائي، محلل سياسي وأستاذ مساعد بكلية العلوم والآداب في جامعة نزوى، أن زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المتحدة تحمل دلالات سياسية ورسائل تقدير واضحة لمكانة سلطنة عُمان، باعتبار أن زيارة الدولة تعد أعلى مستويات الزيارات في البروتوكول البريطاني، ولا تمنح إلا لعدد محدود من القادة كل عام وبدعوة من الملك وبمشورة الحكومة.
وأوضح الهنائي خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، أن اختيار سلطنة عُمان لهذه الزيارة يعكس مستوى الحضور الذي تتمتع به العلاقات العُمانية البريطانية، مشيرًا إلى أن الحدث يكتسب بعدًا تاريخيًا لافتًا، إذ تأتي الزيارة بعد أكثر من أربعة عقود من آخر زيارة دولة قام بها سلطان عُماني إلى المملكة المتحدة. وأضاف أن هذه الزيارة لا تأتي منفصلة عن مسار سابق من اللقاءات والاتصالات بين قيادتي البلدين، وإنما تتوج مسارًا متصاعدًا من التواصل السياسي والدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة.
توقيت يحمل دلالة سياسية
ورأى الهنائي أن توقيت الزيارة لا يقل أهمية عن طبيعتها البروتوكولية، في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من توترات وتحولات متسارعة، معتبرًا أن ذلك يعكس نظرة لندن إلى مسقط كشريك موثوق وصوت متزن في المنطقة. وأضاف أن المملكة المتحدة تبدو حريصة على منح هذه الشراكة مستوى مرتفعًا من الحضور الرسمي والرمزي، مستفيدة من الدور الذي تؤديه سلطنة عُمان في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن خصوصية العلاقات بين البلدين نابعة من تراكم سياسي طويل، ومن قدرة الطرفين على الحفاظ على قنوات التواصل حتى في الفترات التي شهدت فيها المنطقة تحولات كبيرة.
علاقات تعود إلى قرون
وتطرق الهنائي إلى الجذور التاريخية للعلاقات العُمانية البريطانية، موضحًا أنها تعد من أقدم العلاقات التي أقامتها بريطانيا مع دول المنطقة، ومرت بمحطات متعددة شملت اتفاقيات ومعاهدات في مجالات الصداقة والتجارة والملاحة. وقال إن أهمية هذه العلاقات لا تكمن في قدمها فقط، وإنما في قدرتها على التجدد وفق مصالح البلدين ومتطلبات كل مرحلة، مشيرًا إلى أن الجانبين عملا باستمرار على إعادة صياغة مجالات التعاون بما ينسجم مع التحولات السياسية والاقتصادية.
وأضاف أن التواصل بين القيادتين أسهم كذلك في تعزيز الطابع الخاص لهذه العلاقة، إلى جانب الزيارات الرسمية المتبادلة التي حافظت على زخمها خلال السنوات الماضية.
تعاون دفاعي وأمني
وأوضح الهنائي أن الشق الدفاعي والأمني يمثل أحد المسارات الأساسية في العلاقات بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، لافتًا إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 2019، وما صاحبها من تعاون لوجستي وتدريبات عسكرية مشتركة. وأشار إلى أن هذه الترتيبات أسهمت في إيجاد قنوات تشاور منتظمة بين الطرفين، ورسخت مستوى مرتفعًا من الثقة في التعامل مع القضايا الأمنية والعسكرية.
وأضاف أن التعاون في الدقم يمثل أحد الأمثلة على البعد اللوجستي والدفاعي في هذه العلاقات، إلى جانب ما تشهده من تنسيق في مجالات أخرى ترتبط بالأمن الإقليمي وحماية خطوط الملاحة.
ثبات العلاقة رغم التحولات
وحول أسباب استمرار العلاقات العُمانية البريطانية بصورة مستقرة رغم المتغيرات التي شهدتها المنطقة، قال الهنائي إن ذلك يعود إلى وضوح الرؤى المشتركة وإدراك الطرفين لطبيعة المصالح التي تجمعهما. وأوضح أن هذه المصالح التقت تاريخيًا عند ملفات الأمن البحري والملاحة والتجارة، إلى جانب قناعة مشتركة بأهمية استقرار المنطقة وتمكين شعوبها من العيش في أمن وسلام.
وأضاف أن العلاقات لم تبق أسيرة الجانب السياسي أو الأمني، وإنما توسعت لتشمل الاقتصاد والتجارة والطاقة والطاقة المتجددة، وهو ما منحها قدرة أكبر على الاستمرار والتجدد. وأشار إلى أن استمرارية هذه الشراكة تستند كذلك إلى القواسم المشتركة في رؤى القيادتين، وإلى حاجة البلدين إلى تطوير التعاون بما يخدم المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدفاعية.
الملاحة البحرية في مقدمة الملفات
ورأى الهنائي أن أمن الملاحة البحرية يأتي في صدارة الملفات التي يمكن أن تشهد مزيدًا من التنسيق بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة. وأوضح أن موقع سلطنة عُمان المطل على مضيق هرمز يمنحها دورًا مهمًا في ضمان استمرار حركة الشحن التجاري، فيما تعد بريطانيا قوة بحرية لها مصالح مباشرة في الممرات الحيوية. وأضاف أن التنسيق في هذا الملف لا يخدم البلدين فقط، وإنما يرتبط كذلك بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية.
الوساطة وخفض التصعيد
وأشار الهنائي إلى أن ملف الوساطة وخفض التصعيد يمثل مجالًا آخر يمكن البناء عليه في العلاقات بين البلدين، موضحًا أن سلطنة عُمان بنت سمعة دولية قائمة على الحياد الإيجابي وفتح قنوات الحوار بين الأطراف المتنازعة.
وأضاف أن الدبلوماسية العُمانية حافظت على هذا النهج حتى في الملفات التي تحمل تعقيدات إقليمية وأمنية، مستفيدة من الثقة التي تتمتع بها لدى أطراف متعددة. ورأى أن المملكة المتحدة تستطيع أن تكون شريكًا داعمًا لهذا الدور عبر ثقلها في مجلس الأمن والساحة الأوروبية، بما يرفع فرص الوصول إلى حلول سلمية في عدد من القضايا.
اليمن وفلسطين ضمن دوائر التنسيق
وتحدث الهنائي عن القضايا الإنسانية والسياسية في المنطقة، مشيرًا إلى أن الأوضاع في اليمن والقضية الفلسطينية تمثلان من الملفات التي تتقاطع فيها رؤى البلدين حول أهمية الحلول السياسية والعودة إلى طاولة المفاوضات. وأضاف أن سلطنة عُمان تنطلق في تعاملها مع هذه الملفات من قناعة بأهمية استقرار المنطقة، لأن استمرار التوترات يترك انعكاسات مباشرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية. وأشار إلى أن مثل هذه القضايا يمكن أن تكون حاضرة ضمن مساحات التشاور بين الجانبين، خصوصًا مع استمرار التحديات الإقليمية.
من السياسة إلى التنمية المستدامة
وأكد الهنائي أن مستقبل الشراكة لا يقتصر على السياسة والأمن، وإنما يمتد إلى قطاعات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والاستثمار والتعليم والتغير المناخي. وأوضح أن هذه المجالات تتقاطع مع أولويات رؤية عُمان 2040، لاسيما في الجوانب المرتبطة بالطاقة المتجددة والتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وأضاف أن توسيع التعاون في هذه القطاعات يمنح العلاقة بعدًا تنمويًا طويل الأمد، ويحولها من شراكة قائمة على التاريخ والمصالح السياسية إلى تعاون يرتبط كذلك بالمعرفة والاستثمار والاقتصاد المستدام. وأكد في ختام حديثه أن زيارة الدولة تفتح أمام البلدين مساحة واسعة لمناقشة ملفات مشتركة متعددة، وتعكس في الوقت نفسه مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات العُمانية البريطانية وقدرتها على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


