الوصال ــ استعرض المهندس محمد العزري، الرئيس التنفيذي لشركة آيكو للتطوير العقاري، خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، واقع ارتفاع أسعار مواد البناء، موضحًا أن ما يشهده السوق في الوقت الحالي لا يقتصر على سلطنة عُمان وحدها، وإنما يرتبط كذلك بما يحدث على مستوى دول الخليج والمنطقة عمومًا، في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة وما تفرضه من تأثيرات مباشرة على سلاسل التوريد والشحن والتأمين. وأشار إلى أن جزءًا من هذه الارتفاعات يجد ما يبرره في الواقع العالمي، خاصة مع زيادة أسعار الشحن البحري وارتفاع كلفة التأمين على الحاويات، حيث قفزت كلفة بعض الحاويات المستوردة من الصين، بحسب حديثه، من نحو 2400 دولار إلى قرابة 6000 دولار، نتيجة ارتفاع رسوم التأمين نفسها. وأضاف أن بعض المواد ترتبط أصلًا بأسعار عالمية مثل النحاس والحديد والذهب والفضة، ولذلك فإن ارتفاعها أو انخفاضها يتأثر مباشرة بحركة الأسواق الدولية.

التأثير المباشر على السوق المحلي

وأوضح العزري أن ارتفاع الأسعار لا ينعكس على المطورين العقاريين والمقاولين وحدهم، وإنما يمتد أيضًا إلى أصحاب الورش، وحتى إلى المواطنين الذين يخططون للبناء، مع فارق أن الفرد قد يقرر التريث أو التأجيل، في حين تبقى الشركات أمام التزامات قائمة من رواتب ومشاريع وعقود وأعمال جارية لا يمكن تأجيلها. ولفت إلى أن هذا الواقع يضع المطورين العقاريين وشركات المقاولات في مواجهة مباشرة مع موجة ارتفاع يصعب تجاوزها من دون معالجات سريعة، لأن التزامات السوق لا تحتمل الانتظار الطويل.

الحديد.. ارتفاع أعلى من السوق الخليجي

وتطرق العزري إلى أسعار الحديد بوصفها أحد أبرز عناصر الكلفة في البناء، موضحًا أنها تشكل ما يقارب 35 بالمائة من تكلفة المشروع، وهو ما يجعل أي زيادة فيها ذات أثر جوهري. وأشار إلى أن سعر الحديد ارتفع منذ بداية عام 2026 من حدود 240 إلى 245 ريالًا للطن إلى نحو 290 ريالًا، أي بزيادة تقارب 20 بالمائة، في حين أن الارتفاع العالمي، وفق ما عرضه، لا يتجاوز 3.4 بالمائة مقارنة بعام 2025. وأضاف أن هذا الفارق يفرض تساؤلًا حول أسباب وصول السعر في سلطنة عُمان إلى هذا المستوى، خاصة حين تُقارن الأسعار بما هو موجود في دول الجوار، إذ ذكر أن سعر الحديد في الإمارات يدور في حدود 274 إلى 275 ريالًا تقريبًا، وفي السعودية عند حدود 264 ريالًا، ما يعني أن السوق العُماني يسجل سعراً أعلى بفارق يصل إلى 20 إلى 25 ريالًا تقريبًا عن بعض الأسواق الخليجية. ورأى أن هذا الارتفاع، في صورته الحالية، غير مبرر بالدرجة الكافية، خاصة إذا ما أخذ في الاعتبار أن تأثير الظروف الجيوسياسية على سلطنة عُمان يظل أقل من تأثيرها على بعض الأسواق الأخرى في المنطقة.

الألمنيوم.. الارتفاع الأكبر

وأكد العزري ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الألمنيوم يمثل، في تقديره، أحد أكثر المواد التي شهدت ارتفاعًا لافتًا وغير مريح في الفترة الأخيرة، موضحًا أن الزيادة العالمية فيه بلغت نحو 43 بالمائة، في حين وصلت الزيادة في السوق المحلي إلى ما بين 70 و80 بالمائة. وشرح ذلك بمثال عملي، قائلًا إن بابًا من الألمنيوم كان سعره في حدود 200 ريال أصبح اليوم يقارب 350 ريالًا، وهو ما وصفه بارتفاع كبير جدًا. ولفت إلى أن هذا الواقع لا يرهق المطورين والمقاولين فقط، وإنما يضع كذلك أصحاب الورش والمصانع الصغيرة أمام ضغط حقيقي، خاصة أولئك الذين لديهم عقود سابقة بأسعار أقل، إذ يجدون أنفسهم مضطرين إلى التنفيذ في ظل كلفة جديدة أعلى، ما يعني العمل بخسائر أو بهوامش ضيقة جدًا. ورأى أن هذا الملف من الملفات التي تستدعي متابعة مباشرة من هيئة حماية المستهلك، لأن الزيادة في هذا الجانب، وفق تقديره، لم تعد قابلة للتفسير الطبيعي وحده.

الإسمنت والطابوق والخرسانة

وفي ما يتعلق بـ الإسمنت، أوضح العزري أن عام 2026 شهد ارتفاعين في أسعار هذه المادة، الأول في يناير، والثاني في أبريل، مبينًا أن هذا الارتفاع ينعكس تلقائيًا على عدد من الصناعات المرتبطة بها، مثل الطابوق والخرسانة والأنترلوك وغيرها. لكنه أشار في المقابل إلى أن الأثر الفعلي لارتفاع الإسمنت على بعض هذه المنتجات، بحسب حساباته، لا يبدو بحجم الزيادات المسجلة في السوق. وشرح ذلك بالقول إن الطن من الإسمنت ارتفع بنحو 3 ريالات فقط، وإن صناعة ألف طابوقة تحتاج تقريبًا إلى 200 كيلوجرام من الإسمنت، ما يعني أن الأثر الطبيعي للزيادة لا يتجاوز 600 بيسة في الألف طابوقة، في حين أن بعض المصانع رفعت السعر بنحو 8 إلى 10 ريالات. واعتبر أن هذه الفجوة بين كلفة المدخلات والزيادة النهائية في السعر تشير إلى مغالاة غير مبررة، وتستدعي تدخلًا واضحًا من هيئة حماية المستهلك. وأضاف أن الوضع نفسه ينسحب، بنسب مختلفة، على بعض أنواع الخرسانة، موضحًا أن زيادة سعر الخرسانة في بعض الدرجات الفنية يجب ألا تتجاوز حدودًا معينة إذا كانت الزيادة مرتبطة فقط بكلفة الإسمنت، وأي تجاوز أكبر من ذلك ينبغي النظر إليه على أنه موضع مراجعة وتدقيق.

الكسارات والرمل المغسول

وتوقف العزري خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري كذلك عند أسعار مواد أخرى تدخل في البناء مثل الرمل المغسول، موضحًا أن سعره ارتفع من 120 ريالًا إلى 130 ريالًا، من دون أن يرى مبررًا واضحًا لهذا الارتفاع، خاصة أن المصدر نفسه لم يتغير، ولا توجد، بحسب ما طرحه، زيادة مقابلة في رسوم الجهات الحكومية أو في أسعار الديزل أو في الكلف التشغيلية الأساسية التي يمكن أن تفسر هذه القفزة. واعتبر أن هذه الجوانب أيضًا تستحق أن توضع تحت المجهر، لأن تراكمها يضيف عبئًا جديدًا على كلفة البناء.

مواد التشطيب ليست خارج المعادلة

وأشار العزري إلى أن الحديث عن ارتفاع أسعار مواد البناء لا ينبغي أن يقتصر على الحديد والإسمنت والطابوق فقط، لأن مواد التشطيب بدورها تشهد تحركات في الأسعار، بما في ذلك السيراميك، والإنارة، والأنابيب، وبعض المواد المكملة الأخرى. وأضاف أن أسعار الإنارة، على سبيل المثال، سجلت ارتفاعًا في حدود 13 بالمائة، وهو ارتفاع يراه أقل حدة من غيره، خاصة أن بعض أسبابه ترتبط بزيادة الشحن والتأمين. لكنه لفت في المقابل إلى أن بعض الموردين ما زالوا لا يستوردون مباشرة عبر موانئ سلطنة عُمان، وإنما عبر أسواق مجاورة، وهو ما يضيف حلقات أخرى من الكلفة على المنتج قبل وصوله إلى السوق المحلي.

نهضة عمرانية وفرصة يجب ألا تضيع

وربط العزري بين هذه التحديات وبين الحراك العمراني والاستثماري الذي تشهده سلطنة عُمان، مشيرًا إلى المشاريع السكنية والعمرانية والاستثمارية الجديدة، وإلى ما تتيحه الأوضاع الحالية من فرصة حقيقية لاستقطاب مزيد من المستثمرين في ظل ما تتمتع به سلطنة عُمان من استقرار وأمن. وأوضح أن المرحلة الراهنة تستدعي تعاونًا أوسع بين الجهات الحكومية المعنية، مثل وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وهيئة حماية المستهلك، والجهات ذات العلاقة بالبيئة والمواد الخام، حتى يمكن تجاوز هذه المرحلة بطريقة تحمي السوق وتدعم المشاريع التنموية في الوقت نفسه. ورأى أن نجاح سلطنة عُمان في هذا الملف سيكون له أثر مباشر في تعزيز جاذبيتها الاستثمارية، خاصة في وقت يبحث فيه كثير من المستثمرين عن بيئات أكثر استقرارًا واتزانًا في المنطقة.

هل يؤجل المواطن البناء؟

وعن نصيحته للمواطن الذي يخطط للبناء، أوضح العزري أن القرار يعتمد على وضع كل شخص وظروفه، لكنه قال بوضوح إنه إذا كان الفرد غير مضطر للبناء في الوقت الحالي، فقد يكون من الأفضل له أن يتريث قليلًا حتى تتضح صورة الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، لأن الأسعار، في تقديره، مرشحة للعودة إلى مستويات أكثر طبيعية إذا هدأت الظروف الحالية. أما إذا كان مضطرًا للبناء، فشدد على أهمية أن تكون العقود المبرمة واضحة جدًا، وأن تتضمن تحديدًا دقيقًا لأسعار المواد الأساسية وقت التعاقد، حتى لا يقع أي طرف في إشكالات لاحقة نتيجة تقلب الأسعار، مؤكدًا أن وضوح البنود التعاقدية في مثل هذه المراحل مسألة مهمة لحماية جميع الأطراف.

ما الذي ينبغي على الجهات المعنية أن تركز عليه؟

وفي حديثه عن المطلوب من هيئة حماية المستهلك والجهات المعنية، أوضح العزري أن البداية يجب أن تكون من التمييز بين الارتفاعات المبررة وغير المبررة، وعدم تبديد الجهد في ملاحقة كل شيء بالدرجة نفسها. ورأى أن الأولوية ينبغي أن تتجه إلى الملفات التي تبدو فيها علامات المبالغة أو عدم الانسجام مع الكلفة الحقيقية، وعلى رأسها الحديد والألمنيوم والإسمنت ومواد الكسارات. كما أبدى استعداد المطورين العقاريين للتعاون مع الجهات الرسمية وعقد جلسات مشتركة لشرح التفاصيل الفنية وتقديم البيانات التي تساعد على تشخيص المشكلة بدقة، مؤكدًا أن الهدف في النهاية هو حماية السوق وخدمة عُمان قبل أي شيء آخر.

دعوة إلى تضافر الجهود

واختتم العزري حديثه بالتأكيد على أن ملف أسعار مواد البناء ملف شائك وحساس، ولا يمكن التعامل معه من زاوية واحدة، لأن أثره يمتد من المصانع والموردين إلى المطورين والمقاولين وأصحاب الورش، وصولًا إلى المستهلك النهائي. ودعا إلى توحيد الجهود بين مختلف الجهات، وعدم النظر إلى المسألة بوصفها خلافًا بين طرف وآخر، وإنما باعتبارها تحديًا يتطلب قراءة دقيقة وتدخلًا متوازنًا. وأكد أن التعامل مع هذه المرحلة بروح التعاون والمسؤولية من شأنه أن يساعد السوق على تجاوز الأزمة الحالية والوصول إلى قدر أكبر من الاستقرار.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو