الوصال ـ دعا المهندس صالح بن عيسى العبري، صاحب كتاب «العمر المالي للأسرة»، الأسر إلى الانتقال من التعامل الآني مع المصروفات إلى التخطيط المالي السنوي، عبر تحديد المواسم والمناسبات التي يتكرر فيها الإنفاق، وتقدير تكلفتها مسبقًا، ثم توزيعها على أشهر السنة، مؤكدًا أن كثيرًا من الالتزامات المالية لا تأتي بصورة مفاجئة، وإنما يمكن الاستعداد لها قبل حلولها. وقال خلال استضافته في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، إن فكرة «السنة المالية للأسرة» تقوم على معرفة محطات الإنفاق الرئيسة التي تمر بها الأسرة على مدار العام، مثل شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، إلى جانب العودة إلى المدارس، والسفر، والمناسبات الاجتماعية، وتجديد المركبات وغيرها من الالتزامات المعروفة مسبقًا.

ورأى أن اعتماد السنة الهجرية قد يكون أكثر ملاءمة لتنظيم ميزانية الأسرة المسلمة؛ لارتباط عدد من مواسم الإنفاق المهمة بها، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن الأمر ليس ملزمًا، ويمكن لكل أسرة اختيار السنة الميلادية أو أي نقطة بداية تراها مناسبة لظروفها. وضرب مثالًا بمصاريف شهر رمضان، موضحًا أن الأسرة التي تتوقع زيادة في الإنفاق تبلغ 600 ريال يمكنها توزيع هذا المبلغ على 12 شهرًا، بادخار 50 ريالًا شهريًا، بحيث تصل إلى رمضان وقد جمعت المبلغ بدل تحميل راتب شهر واحد جميع المصروفات.

ابدأ من اليوم

وأشار العبري إلى أن عدم التخطيط منذ بداية السنة لا يعني تأجيل الأمر إلى عام آخر، مستشهدًا بقاعدة مفادها أن أفضل وقت للتخطيط كان في السابق، وثاني أفضل وقت هو اليوم. واقترح أن يبدأ الفرد أو الأسرة بالجلوس وتدوين جميع المناسبات المقبلة بورقة وقلم، وأن يشارك الزوجان والأبناء في معرفة الالتزامات التي ستواجه الأسرة وفق ما يناسب أعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب.

وأوضح أن القائمة لا تقتصر على رمضان والعيدين والمدارس، وإنما تشمل المناسبات الأسرية والاجتماعية وتجديد المركبة وأي التزامات معلومة الموعد، مبينًا أن هذه المصروفات لا يفترض أن تفاجئ الأسرة لأنها مرتبطة بتواريخ يمكن معرفتها مسبقًا. وأضاف أنه بعد حصر هذه المصروفات تأتي مرحلة تقدير قيمتها، اعتمادًا على ما أنفقته الأسرة في السنوات السابقة إن كانت لديها بيانات، أو بوضع تقدير تقريبي إذا كانت تبدأ التخطيط للمرة الأولى.

وبيّن أنه إذا بلغ مجموع النفقات الموسمية المتوقعة 1200 ريال في العام، فإن الأسرة تستطيع تخصيص 100 ريال شهريًا لها، بدل الانتظار حتى حلول كل مناسبة ومحاولة الوفاء بجميع تكاليفها من الراتب نفسه. وأكد أن الادخار في هذه الحالة ليس أمرًا ثانويًا، لأن عدم تخصيص المبلغ مسبقًا سيعني مواجهة المصروف ذاته لاحقًا دون استعداد، مشددًا على ضرورة أن يتناسب نمط الحياة مع مستوى الدخل الحقيقي للأسرة.

وتطرق خلال الحوار ببرنامج «منتدى الوصال» إلى تقدير طرحه بشأن ما تتحمله دخول الأفراد وأسعار السلع من اقتطاعات وتكاليف مختلفة، وربط ذلك باشتراكات الحماية الاجتماعية والضرائب والجمارك وضريبة القيمة المضافة، وهو ما أثار نقاشًا مع مقدم البرنامج حول آلية احتساب النسبة التي ذكرها، ومدى انطباقها على مختلف السلع. وأشار سالم العمري إلى أن هذه الجزئية تحتاج إلى مناقشة أوسع مع الجهات المختصة، في ضوء اختلاف الإعفاءات والمعاملة الضريبية والجمركية بين السلع.
تعليم الأبناء المال مبكرًا

وتناول العبري أهمية إدخال الأبناء تدريجيًا في ثقافة الإدارة المالية، معتبرًا أن دور الوالدين لا يقتصر على توفير احتياجاتهم من مسكن ومأكل وملبس وتعليم، وإنما يمتد إلى تربيتهم على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار. وأوضح أن إشراك الطفل لا يعني وضعه أمام الأزمات المالية للأسرة أو إخباره بتفاصيل تفوق قدرته على الاستيعاب، وإنما تعليمه بطريقة مبسطة أن شراء الأشياء يحتاج إلى تخطيط وانتظار وادخار.

وضرب مثالًا بطفل يريد شراء لعبة قيمتها خمسة ريالات، إذ يمكن للأسرة منحه ريالًا أسبوعيًا حتى يجمع ثمنها بنفسه، موضحًا أن الهدف ليس توفير اللعبة فقط، وإنما تعليمه كيف يؤجل الرغبة ويجمع المال للوصول إلى هدفه. ولفت إلى أن هذا النوع من التربية يساعد الطفل مستقبلًا على فهم الفرق بين الأساسيات والكماليات والترفيه، ويجعله أكثر قدرة على مقاومة ضغوط العلامات التجارية والاتجاهات الاستهلاكية عندما يكبر.

وأضاف أن نقل المعرفة المالية كان يتم قديمًا داخل الأسرة بصورة تلقائية من الآباء إلى الأبناء، فيما أصبح كثير من الشباب اليوم يصل إلى الجامعة أو سوق العمل دون خبرة كافية في إدارة أمواله، ما أدى إلى الحاجة إلى برامج توعية مالية مخصصة لهذه الفئات.

أربع قواعد بين الزوجين

وفي جانب العلاقة المالية بين الزوجين، أوضح العبري أن التعامل المالي داخل الأسرة يمكن النظر إليه من خلال أربعة محاور رئيسة هي: التملك، والنفقة، والتعاون، والتصرف، معتبرًا أن فهم هذه الجوانب بوضوح يمنع كثيرًا من الخلافات التي تظهر لاحقًا بين الزوجين. وأشار إلى أن بعض المشكلات الأسرية التي تبدو في ظاهرها اجتماعية أو عاطفية يكون أصلها ماليًا، مستشهدًا بمثال أسرة ترى أن الزوج لا يخرج بها أو لا يوفر لها أنشطة ترفيهية، بينما يكون السبب الحقيقي في بعض الحالات هو عدم قدرته على تحمل كلفة هذه الأنشطة.

وفيما يتعلق بالتملك، رأى أن لكل من الزوج والزوجة ذمة مالية مستقلة، وأن الملكية ينبغي أن تعكس ما دفعه كل طرف فعليًا. وأوضح أنه في حال تحمل الزوج كامل تكلفة منزل، فإن الملكية تكون له، وإذا تحملتها الزوجة كاملة تكون لها، أما إذا اشتركا في التمويل فإن الأصل -بحسب طرحه- أن تثبت حصة كل منهما وفق مساهمته، حفاظًا على الحقوق مستقبلًا.

وشدد على أهمية كتابة الحقوق المالية وعدم التعامل مع التوثيق باعتباره تشكيكًا في الطرف الآخر، معتبرًا أنه وسيلة لحماية الطرفين عند وقوع ظروف غير متوقعة مثل الوفاة أو تغير الحالة الأسرية. وأشار إلى أن عدم توثيق مساهمة أحد الزوجين في عقار مسجل باسم الآخر قد يخلق لاحقًا نزاعات تتعلق بالتركة أو الملكية، خصوصًا إذا كان الطرف غير المسجل قد ساهم فعليًا في البناء أو السداد.

النفقة والتعاون

وفيما يتعلق بالنفقة، قال العبري: إن مسؤولية الزوج ترتبط بالإنفاق على الاحتياجات الأساسية وفق قدرته المالية، موضحًا أن مستوى النفقة لا يمكن فصله عن دخل الزوج وما تسمح به إمكاناته. وحدد، وفق رؤيته، الاحتياجات الرئيسة في المأكل والمشرب والمسكن والملبس والعلاج، مبينًا أن مقدار الإنفاق عليها يرتبط أيضًا بالعرف ومستوى المعيشة السائد، مع ضرورة تجنب الإسراف وتجاوز المقدرة المالية.

وفرق بين «النفقة» و«التعاون»، موضحًا أن السفر والترفيه وبعض المصروفات الإضافية لا تدخل -بحسب طرحه- ضمن الحد الأساسي للنفقة، وإنما تأتي في مساحة التعاون والتفاهم بين الزوجين. وأضاف أنه إذا كان الزوج قادرًا على توفير مستوى معين من السكن، بينما تطمح الزوجة إلى مستوى أعلى وتملك دخلًا يسمح لها بالمساهمة، فيمكن للطرفين الاتفاق على المشاركة في التكلفة، على أن تنعكس مساهمة كل طرف في حقه المالي متى كانت مرتبطة بأصل مملوك.

وأوضح أن التعاون لا يعني إلزام المرأة بالإنفاق من راتبها على المنزل، وإنما مساهمتها برضاها في مستوى معيشة تتجاوز تكلفته قدرة الزوج منفردًا، مؤكدًا أن الاتفاق بين الطرفين هو الأساس في هذا الجانب. ولفت إلى أن الحياة الزوجية لا ينبغي أن تتحول إلى جدول جامد من الحقوق والواجبات المالية، لأنها تقوم كذلك على المودة والفضل والتعاون، وأن كل طرف يستطيع تقديم ما يتجاوز الحد الواجب إذا كانت ظروفه تسمح بذلك.

المال الخاص وقرارات الأسرة

وتناول العبري كذلك حدود تصرف كل من الزوجين في أمواله الخاصة، موضحًا أن استقلال الذمة المالية لا يلغي مسؤولية التشاور في القرارات التي يمكن أن تترك أثرًا مباشرًا على الأسرة. وذكر مثال الدخول في مشروع تجاري يحمل مخاطر والتزامات مالية كبيرة، معتبرًا أن من الأفضل إطلاع الطرف الآخر والتشاور معه عندما يكون القرار قادرًا على التأثير في استقرار الأسرة.

وقال إن خسارة مشروع كبير أو ترتب ديون أو التزامات قانونية على أحد الزوجين لن تبقى آثارها محصورة في الشخص وحده، بل ستنعكس على الأسرة، وهو ما يجعل التشاور مهمًا في القرارات المصيرية. وفي المقابل، أكد أن الأمر لا يعني إلغاء حق كل طرف في ماله، وإنما مراعاة قاعدة عدم إلحاق الضرر بالأسرة نتيجة قرارات مالية كبيرة.

حساب مشترك للمصروفات

وعن أفضل طريقة لتنظيم المال بين زوجين يعمل كلاهما، أوضح العبري أنه لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الأسر، لأن الظروف ومستوى الدخل والالتزامات تختلف من منزل إلى آخر. ورأى أن البداية تكون بمعرفة إجمالي الدخل السنوي للأسرة وحجم ما يمكنها إنفاقه شهريًا، ثم توزيع الالتزامات وفق اتفاق واضح بين الزوجين.

وأشار إلى إمكانية إنشاء حساب مشترك يحول إليه كل طرف مبلغًا متفقًا عليه شهريًا وتدفع منه المصروفات المنزلية، أو الاتفاق على تحمل كل طرف مجموعة محددة من الالتزامات. وضرب مثالًا بأن تتولى الزوجة، برضاها، مصروفًا محددًا مثل العاملة أو بعض المصاريف الشهرية، بينما يتحمل الزوج بنودًا أخرى، مؤكدًا أن الأساس هو التوافق وليس فرض نموذج مالي موحد.

وأوضح في الوقت نفسه أن مساهمة الزوجة في الكهرباء والمياه والغذاء وغيرها من المصروفات اليومية لا تمنحها تلقائيًا حصة في منزل اشتراه الزوج أو سدد ثمنه، ما لم تكن قد ساهمت مباشرة في ثمن العقار أو اتفق الطرفان على منحها حصة منه. وبيّن أن هناك فرقًا بين المساهمة في «النفقات الجارية» والمساهمة في «قيمة الأصل»، وأن الخلط بين الاثنين قد يخلق خلافات مستقبلية، ولذلك فإن الاتفاق الواضح منذ البداية يحفظ حقوق الطرفين.

محطات مالية كبرى

وانتقل العبري إلى الحديث عن القروض، موضحًا أن حياة الإنسان لا تتضمن مناسبات مالية سنوية فقط، وإنما تمر كذلك بما أسماه «المحطات العقدية»، وهي التزامات كبيرة قد تتكرر مرة واحدة أو مرات قليلة خلال العمر. وحدد خمس محطات رئيسة هي الدراسة، وشراء المركبة، وبناء المنزل، والزواج، والحج، موضحًا أن هذه المحطات تحتاج إلى تخطيط طويل المدى بدل التعامل معها بعد وصول موعدها.

وأشار إلى أن الشاب قد يدخل سوق العمل في سن الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين دون أصول أو ديون، لكنه ينتقل بعد أول راتب مباشرة إلى مديونية عندما يشتري سيارة بالتمويل، وهو ما وصفه بالانتقال من «الخط الصفري» إلى وضع مالي أقل بسبب الالتزام بالقرض. وأكد أنه لا يدعو إلى رفض الاقتراض بصورة مطلقة، وإنما إلى معرفة القدرة الحقيقية على تحمل القسط قبل الدخول في الالتزام، والبحث متى أمكن عن بدائل تقلل الحاجة إلى التمويل.

جرّب القسط قبل توقيعه

واقترح العبري طريقة عملية لاختبار القدرة على سداد القروض، تقوم على اقتطاع مبلغ يعادل القسط المتوقع قبل الحصول على التمويل. وأوضح أنه عند التفكير في شراء مركبة يمكن للفرد اقتطاع قيمة القسط لمدة ثلاثة أشهر والعيش بما يتبقى من راتبه، لمعرفة ما إذا كان يستطيع الاستمرار بهذا المستوى من الدخل.

أما بالنسبة إلى التمويل السكني، فنصح بمحاكاة القسط لمدة ستة أشهر قبل الالتزام به، بحيث يستقطع الشخص المبلغ المتوقع شهريًا ويراقب قدرته على الوفاء ببقية احتياجاته والتزاماته خلال هذه الفترة. وأضاف أن نجاح الفرد أو الأسرة في العيش بصورة مستقرة بعد هذا الاقتطاع يمنحه مؤشرًا عمليًا على القدرة على تحمل القرض، بدل الاعتماد على حسابات نظرية فقط.

واختتم العبري حديثه في برنامج «منتدى الوصال»  بقاعدة مالية وصفها بأنها الأبسط والأكثر أهمية، وهي «لا تنفق أكثر مما تكسب»، موضحًا أن من يبلغ دخله 500 ريال ينبغي أن يبني إنفاقه في حدود هذا الدخل، ومن يبلغ دخله ألف ريال ينظم مستوى معيشته وفق الألف. وأكد أن معيار قرار الشراء يجب ألا يكون الرغبة وحدها، وإنما القدرة المالية، مشيرًا إلى أن الإنسان قد يرغب في ساعة مرتفعة الثمن أو مركبة باهظة أو ملابس مكلفة، لكن الرغبة لا تعني بالضرورة القدرة على تحمل كلفتها. وشدد على أن ربط الإنفاق بمستوى الدخل، والاستعداد المبكر للمواسم، وتنظيم العلاقة المالية بين أفراد الأسرة، تمثل مجتمعة أساسًا لتقليل الضغوط المالية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار على مدار العام.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو