الوصال ــ تناول سهيل بن ناصر النهدي، الصحفي المهتم بالشأن المحلي في جريدة «عُمان»، التحولات التي طرأت على ثقافة الأعراس في المجتمع العُماني، محذرًا من اتساع مظاهر التباهي والاستعراض والإسراف على حساب البساطة والاستقرار الأسري، ومؤكدًا أن ما كان يفترض أن يكون مناسبة لتكوين حياة زوجية مستقرة تحوّل عند بعض الناس إلى ساحة للمفاخرة وإبراز المظاهر بصورة تضع الشباب أمام ضغوط اجتماعية ونفسية ومادية كبيرة. وقال خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» إن المجتمع العُماني بحاجة إلى مراجعة هذا المسار، والعودة إلى جوهر الزواج بوصفه مشروعًا لبناء أسرة، لا ميدانًا للمقارنات والاستعراض.

تحول في المفهوم

وأشار النهدي إلى أن الأعراس في المجتمع العُماني كانت تقوم في السابق على صورة بسيطة وجميلة، يتم فيها اجتماع شاب وفتاة لتكوين أسرة بموافقة الأسرتين، وسط فرح أهلي واجتماعي لا يخرج عن الإطار الطبيعي والبسيط. وأضاف أن هذا المفهوم شهد تحولًا واضحًا لدى البعض، حتى أصبحت الأعراس أقرب إلى مظهر من مظاهر الإسراف والتفاخر، وتحول الحديث فيها من معنى الارتباط والاستقرار إلى حجم القاعة، وعدد المدعوين، ونوعية السيارات، وحجم الولائم، وما يرافق ذلك من تصوير ونشر لا يخدم الأسرة ولا المجتمع.

وسائل التواصل والاستعراض

ورأى النهدي أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تغذية هذا التغيير، عبر تحويل بعض المناسبات الخاصة إلى مشاهد عامة يعرض فيها كل شيء، من تفاصيل الضيافة إلى حجم الصواني والذبائح وأشكال الترتيبات، وكأن قيمة المناسبة باتت تقاس بما يظهر للناس لا بما تحمله من معنى إنساني واجتماعي. وأضاف أن هذا النوع من النشر لا يفيد صاحبه، ولا يفيد المتلقي، ولا يضيف شيئًا للمجتمع، بل قد يزرع في نفوس كثير من الشباب والشابات شعورًا بالعجز والخوف من الإقدام على الزواج حين يرون أن الطريق إليه أصبح محاطًا بمظاهر لا يستطيعون مجاراتها.

أثر اجتماعي مباشر

وأوضح النهدي أن أخطر ما في هذه المظاهر أنها لا تقف عند حدود يوم الزفاف، وإنما تمتد آثارها إلى المستقبل، إذ قد تدفع بعض الشباب إلى الاستدانة أو الاقتراض أو تحميل أنفسهم ما لا يطيقون من أجل ليلة أو ليلتين، ثم تبدأ الحياة الزوجية بعد ذلك تحت ضغط الديون والالتزامات. وأضاف أن بعضهم قد يعزف أصلًا عن الزواج حين يرى أن الصورة السائدة في بعض الأعراس توحي بأن تكوين الأسرة لم يعد ممكنًا إلا بتكاليف باهظة ومظاهر مبالغ فيها، وهو ما يخلق حالة من القلق الاجتماعي غير المبرر.

تكلف لا حاجة له

وتحدث النهدي عن صور أخرى من التوسع غير المبرر في الأعراس، مشيرًا إلى أن بعض الناس لم يعودوا يكتفون بليلة عقد القران أو ليلة الزفاف، بل أضيفت مناسبات أخرى متكررة تستدعي دعوة الأشخاص أنفسهم مرة بعد أخرى، بما يضاعف من الكلفة ويحول المناسبة إلى سلسلة من الالتزامات التي يخلقها المجتمع لنفسه من غير حاجة حقيقية. وأضاف أن هذه التفاصيل لم تفرضها جهة رسمية ولا جاءت استجابة لضرورة، بل نشأت من داخل المجتمع نفسه، وهو ما يعني أن المجتمع قادر أيضًا على مراجعتها والتخفف منها متى ما أراد.

الكرامة لا تُصوّر

وشدد النهدي على أن الكرم العُماني معروف ومتجذر، والناس في عُمان والخليج والعالم العربي عمومًا أهل ضيافة وكرم، لكن المشكلة ليست في الكرم نفسه، وإنما في تحويله إلى مشهد مصور ومعلن للناس. وأضاف أن الضيافة والكرامة لا ينبغي أن تتحولا إلى مادة للنشر، لأن تصويرها على هذا النحو يخرجها من معناها الأصيل، ويضعها في إطار المقارنة والاستعراض، بل وقد يرسل رسائل قاسية إلى أسر أو أفراد لا يملكون القدرة على مجاراة تلك الصور، في وقت قد تكون فيه هناك بيوت لا يتوفر فيها ما يكفي من اللحم من عيد إلى عيد.

القدوة الحقيقية

وأكد النهدي أن المجتمع لا ينبغي أن يعيد تعريف البطولة والقدوة على أساس من ذبح أكثر أو من ملأ القاعة أكثر أو من قدّم صواني أكبر، بل على أساس منجزات حقيقية في ميادين العلم والعمل والقيادة والمبادرات الاجتماعية والإنسانية. وأضاف أن لدى عُمان من العلماء والمفكرين والقيادات والرياضيين وأصحاب المبادرات والإنجازات ما يكفي ليكونوا قدوات حقيقية للأجيال، في حين أن التفاخر بحجم الولائم والصور المنشورة من الأعراس لا يمكن أن يصنع قيمة اجتماعية أو يرسخ مفهوما صحيحا للنجاح أو المكانة.

البساطة والاستقرار

ورأى النهدي أن كلما كان العرس أبسط، كان ذلك أدعى إلى تشجيع مزيد من الشباب على الزواج وتكوين الأسر، وبالتالي الإسهام في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا. وأضاف أن المطلوب ليس منع الناس من الفرح أو التضييق عليهم، وإنما إعادة التوازن إلى المفهوم، بحيث يكون الفرح في حدوده الطبيعية، والكرم في صورته اللائقة، من دون إسراف أو استدانة أو استعراض يحمّل المقبلين على الزواج ما لا يطيقون.

مسؤولية مجتمعية

وأكد النهدي أن تغيير هذا الواقع لا يقع على فرد واحد أو جهة واحدة، بل هو مسؤولية تشاركية بين وسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والمهتمين بالشأن الاجتماعي، وكل من يستطيع أن يسهم في ترسيخ ثقافة أكثر اتزانًا في الأعراس والمناسبات. وأضاف أن الحديث عن هذه القضية ليس ترفًا، لأنها ترتبط بواقع المجتمع العُماني ومستقبل الأسرة فيه، وبالطريقة التي يرى بها الشباب الزواج وإمكان الإقدام عليه.

دعوة إلى المراجعة

وختم سهيل بن ناصر النهدي حديثه بدعوة المجتمع إلى مراجعة هذه المظاهر، والتمييز بين الكرم بوصفه قيمة أصيلة، وبين الاستعراض بوصفه سلوكًا دخيلًا لا ينسجم مع الشيم العُمانية. وأشار إلى أن المجتمع العُماني مجتمع واعٍ وكريم بطبعه، وما يحتاجه اليوم هو أن يحافظ على هذا الكرم في معناه الصحيح، من دون أن يربطه بالتصوير والمقارنة والمبالغة، حتى يبقى الزواج بابًا لبناء الحياة، لا سببًا في التعقيد والقلق والتكلف.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو