د. محمد المشيخي لـ«الوصال»: الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد جعل من قطر دولة صغيرة في مساحتها كبيرة في تأثيرها السياسي والفكري والإعلامي
ساعة الظهيرة
الوصال ـ قال الدكتور محمد بن عوض المشيخي، الأكاديمي والباحث في الرأي العام والاتصال الجماهيري، إن الأمة العربية فقدت برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحد رموزها وقادتها الذين تركوا أثرًا واضحًا في مسيرة العمل الخليجي والعربي، مشيرًا إلى أن فترة قيادته لدولة قطر شهدت تحولات سياسية واقتصادية وتنموية واسعة، نقلت الدولة إلى موقع متقدم على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة»، أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قاد دولة قطر لمدة 18 عامًا منذ توليه مقاليد الحكم عام 1995، وخلال تلك المرحلة تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للدولة مرات عدة، وارتفع متوسط دخل الفرد، بالتزامن مع التوسع في المشروعات التنموية والاستثمارية وتطوير قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والتعليم والصحة.
وأضاف أن إصدار الدستور الدائم لدولة قطر عام 2004 شكّل إحدى المحطات السياسية والمؤسسية البارزة في عهده، إذ أسهم في تنظيم عمل مؤسسات الدولة وتحديد اختصاصاتها، ووضع مرجعية دستورية لمسيرة التطوير السياسي والإداري.
وأكد المشيخي أن التعليم والبحث العلمي احتلا موقعًا متقدمًا في فكر الأمير الوالد، موضحًا أن إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع مثّل خطوة استراتيجية نحو بناء مجتمع المعرفة، ودعم البحث العلمي، واستقطاب المؤسسات التعليمية والجامعات العالمية إلى دولة قطر.
وبيّن أن المدينة التعليمية في الدوحة أصبحت مركزًا أكاديميًّا وبحثيًّا يحتضن عددًا من فروع الجامعات والمؤسسات التعليمية الدولية، وأسهمت في توفير بيئة علمية تستقطب الطلبة والباحثين من قطر والدول العربية ومختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن الاهتمام بالتعليم جاء ضمن رؤية تستهدف الاستثمار في الإنسان، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتمكين الشباب والمرأة، وتوفير مقومات المشاركة الفاعلة في بناء الدولة.
وتطرق إلى الدور الذي اضطلعت به صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في دعم ملفات التعليم والبحث العلمي وتنمية المجتمع، موضحًا أن المؤسسات والمبادرات التي أشرفت عليها أسهمت في توسيع فرص التعليم، وتعزيز حضور المرأة، ودعم الثقافة والابتكار والعمل المجتمعي.
حضور إعلامي
وعدّ المشيخي تأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية إحدى أبرز المحطات الفكرية والإعلامية في عهد الأمير الوالد، مبينًا أن المشروع أحدث تحولًا في طبيعة الخطاب الإعلامي العربي، وفتح المجال أمام مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية من زوايا متعددة.
وقال إن المشروع الإعلامي تمكّن من الوصول إلى جمهور عربي ودولي واسع عبر قنواته ومنصاته باللغتين العربية والإنجليزية، وأصبح منصة للنقاش الفكري والسياسي والثقافي، وأسهم في تقديم خطاب إعلامي عربي قادر على المنافسة والوصول إلى الرأي العام العالمي.
وأشار إلى تجربة شخصية عاشها خلال وجوده الأكاديمي في أستراليا عام 2007، حيث لاحظ معرفة واسعة بشبكة الجزيرة ومتابعة منصاتها الإنجليزية، ما يعكس قدرة المشروع الإعلامي القطري على تجاوز الحدود الإقليمية والوصول إلى الجمهور الدولي.
وأضاف أن تأسيس الشبكة مثّل قراءة مبكرة لأهمية الإعلام في بناء حضور الدول وتأثيرها، وتشكيل الرأي العام، وتقديم وجهات نظر المنطقة العربية إلى العالم.
وأوضح أن فوز دولة قطر عام 2010 بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 جاء ضمن الإنجازات البارزة التي تحققت خلال عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إذ أصبحت قطر أول دولة عربية تستضيف البطولة العالمية.
وأضاف أن هذا الإنجاز عكس الثقة الدولية بقدرة قطر على تنظيم الأحداث الكبرى، وأسهم في تسريع مشروعات البنية الأساسية والنقل والمنشآت الرياضية والخدمات، وصولًا إلى تنظيم البطولة عام 2022.
ولفت إلى أن الأمير الوالد اكتسب خبرات سياسية وإدارية قبل توليه الحكم، من خلال عمله وزيرًا للدفاع ورئاسته عددًا من المجالس والهيئات المعنية بالتخطيط والتنمية، ما مكّنه من قيادة مرحلة التحول المؤسسي والاقتصادي التي شهدتها الدولة.
كما أشار إلى أن رؤية قطر الوطنية 2030 جاءت امتدادًا للتوجهات التنموية التي أرساها الأمير الوالد، عبر التركيز على التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وبناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والاستدامة.
بعد إنساني
وأكد المشيخي أن شخصية الأمير الوالد اتسمت بالتواضع والقرب من المواطنين، موضحًا أن القطريين يتذكرون زياراته واهتمامه بأحوالهم وظروفهم الاجتماعية والأسرية، وحرصه على التواصل المباشر معهم.
وأضاف أن الجانب الإنساني شكّل جزءًا أصيلًا من شخصيته القيادية، إذ اهتم ببناء الإنسان القطري وتحسين مستوى معيشته، إلى جانب اهتمامه بالمشروعات الاقتصادية والمؤسسات السياسية والثقافية.
وبيّن أن تواضع الأمير الوالد وقربه من الناس استمرا حتى بعد تنازله عن الحكم، إذ ظل حاضرًا في المناسبات العامة، ومتفاعلًا مع المواطنين والجمهور، وحريصًا على الحديث مع من يلتقي بهم خلال زياراته ورحلاته.
وأشار إلى أن مجالس الأسرة الحاكمة في قطر عُرفت تاريخيًّا بانفتاحها على المواطنين والضيوف وأبناء دول الخليج، لافتًا إلى أن قطر استقبلت خلال مراحل سابقة عددًا من أبناء سلطنة عُمان ودول المنطقة للعمل والإقامة، في ظل العلاقات الاجتماعية والتاريخية التي تجمع الشعوب الخليجية.
وعدّ المشيخي تنازل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن الحكم لنجله صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013 حدثًا سياسيًّا مهمًّا، عكس حرصه على انتقال سلس ومستقر للسلطة، ومنح الجيل الجديد فرصة قيادة المرحلة المقبلة.
وقال إن الأمير الوالد عاش بعد انتقال الحكم في انسجام كامل مع قيادة نجله، وظل داعمًا لمسيرة الدولة، ما أسهم في استمرار الاستقرار السياسي والمؤسسي، واستكمال المشروعات والخطط التنموية التي بدأت خلال فترة حكمه.
وأوضح أن صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني واصل مسيرة البناء والتطوير، مستندًا إلى المؤسسات التي أُسست في عهد والده، ومضيفًا إليها رؤيته في التعامل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والإقليمية.
وأكد أن القيادة القطرية أظهرت قدرة على اتخاذ القرارات ومواجهة التحديات، إلى جانب امتلاكها رؤية تقوم على التفكير المتجدد والاستثمار في الإنسان والتعليم والاقتصاد والمعرفة.
أدوار سياسية
وتناول الدكتور محمد المشيخي الدور السياسي والدبلوماسي الذي اضطلعت به دولة قطر خلال عهد الأمير الوالد، موضحًا أن الدوحة وسعت حضورها في مجال الوساطات وتسوية النزاعات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.
وأضاف أن هذا النهج استمر في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إذ أصبحت قطر طرفًا فاعلًا في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وشاركت في جهود الوساطة ووقف النزاعات وتسهيل المفاوضات.
وأشار إلى أن مواقف قطر تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، شكّلت جانبًا أساسيًّا من سياستها الخارجية، لافتًا إلى استمرار أدوارها السياسية والإنسانية في دعم الشعب الفلسطيني والمشاركة في الجهود الرامية إلى وقف الحرب في قطاع غزة.
ووصف المشيخي العلاقات العُمانية القطرية بأنها علاقات راسخة ومتجذرة، تستند إلى روابط تاريخية وأخوية تجمع القيادتين والشعبين الشقيقين، وتمتد عبر أجيال متعاقبة بين أسرتي آل سعيد وآل ثاني.
وقال إن العلاقات بين سلطنة عُمان ودولة قطر تتميز بالتفاهم والتقارب والتنسيق في عدد من القضايا، إلى جانب الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تجمع الشعبين.
وأضاف أن برقية التعزية التي بعث بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى أخيه صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عبّرت عن عمق العلاقات الأخوية ومشاعر الحزن التي يشارك بها الشعب العُماني أشقاءه في قطر.
وأكد أن رحيل الأمير الوالد يمثّل خسارة خليجية وعربية، نظرًا لما امتلكه من حضور سياسي وفكري، وما تركه من إنجازات ومؤسسات ومشروعات أسهمت في ترسيخ مكانة دولة قطر.
وختم المشيخي حديثه بالتأكيد على أن الإرث الذي تركه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سيظل حاضرًا في مسيرة قطر الحديثة، من خلال مؤسسات التعليم والبحث العلمي والإعلام والثقافة، والمشروعات الاقتصادية والتنموية، والأدوار السياسية والدبلوماسية التي أرساها خلال فترة قيادته. وأشار إلى أن دولة قطر ستواصل في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مسيرة البناء، مستندة إلى قاعدة مؤسسية وتنموية راسخة، ورؤية تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ حضور الدولة إقليميًّا ودوليًّا.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


