د. محمد الشعيلي لـ«الوصال»: العلاقات العُمانية البريطانية بدأت اقتصاديًا قبل أن تتحول إلى شراكة سياسية.. والرحالة البريطانيون وثّقوا أدق تفاصيل عُمان عبر القرون
منتدى الوصال
الوصال ـ قسّم الدكتور محمد بن حمد الشعيلي، الأكاديمي والباحث في التاريخ العُماني، مسار العلاقات بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة إلى أربع مراحل تاريخية، بدأت بزيارات فردية للرحالة والمستكشفين البريطانيين، ثم انتقلت إلى تأسيس العلاقات الاقتصادية، أعقبتها مرحلة الاتفاقيات السياسية والتعاون في مجالات متعددة، وصولًا إلى المرحلة الحديثة الممتدة منذ عام 1970 وحتى اليوم.
وأوضح الشعيلي خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» مع سالم العمري عبر إذاعة الوصال، أن زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المتحدة تأتي لتضيف محطة جديدة إلى مسار تاريخي طويل، وتدفع بالروابط القائمة بين البلدين إلى مساحات أوسع من التعاون. وبيّن أن العلاقات العُمانية البريطانية تصنف ضمن أقدم العلاقات بين دولة عربية ودولة غربية، إلا أن بدايتها لم تكن في صورة علاقات رسمية بين الحكومتين، وإنما سبقتها زيارات فردية قام بها رحالة ومستكشفون بريطانيون إلى عُمان.
رحالة بريطانيون منذ القرن السابع عشر
وأشار الشعيلي إلى أن بعض الرحالة البريطانيين وصلوا إلى عُمان منذ القرن السابع عشر، ومن بينهم توماس هربرت الذي زار عُمان قرابة عام 1627، خلال عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، في طريق عودته من بلاد فارس. وأضاف أن زيارات أخرى توالت بعد ذلك، من بينها زيارة جون فراير عام 1677، ثم جون أوفنجتون عام 1693، قبل أن تتزايد حركة الرحالة والمستكشفين والمسؤولين البريطانيين خلال القرون اللاحقة.
ولفت إلى أن القرن التاسع عشر شهد زيارات تركت آثارًا علمية وسياسية مهمة، من بينها زيارة ولستد إلى عُمان في عهد السيد سعيد بن سلطان عام 1835، إضافة إلى زيارات أخرى استمرت خلال القرن العشرين، وكان بين أصحابها مسؤولون جمعوا بين العمل الإداري والاهتمام بالاستكشاف والبحث. وأشار إلى أسماء من بينها برترام توماس، الذي عُرف بعبوره صحراء الربع الخالي، إضافة إلى جيمس موريس وغيرهما ممن زاروا عُمان أو تناولوها في مؤلفاتهم، وأسهموا في توثيق تفاصيل واسعة عن المجتمع والاقتصاد والجغرافيا والتاريخ.
الاقتصاد سبق السياسة
وأوضح الشعيلي ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن تأسيس العلاقات الاقتصادية سبق العلاقات السياسية الرسمية بين عُمان وبريطانيا، مستعرضًا السياق الذي مرت به عُمان في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، الذي نجح في إعادة توحيد البلاد والعمل على إنهاء الوجود البرتغالي. وقال إن عام 1646 شهد ما يشبه اتفاقية اقتصادية بين عُمان وشركة الهند الشرقية الإنجليزية التي تأسست عام 1600، وكانت تمثل إحدى الأدوات البريطانية في مناطق الشرق لأغراض اقتصادية وسياسية.
وأضاف أن تواصلًا جرى بين الإمام ناصر بن مرشد وممثلي الشركة في الهند، وأفضى إلى قدوم مسؤول بريطاني إلى صحار وتوقيع اتفاقية يمكن عدّها بداية لتأسيس العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. وأوضح أن الاتفاقية لم تُفعّل بالصورة التي نصت عليها بنودها، إلا أنها ظلت حدثًا تاريخيًا مهمًا مهد لمسار العلاقات الاقتصادية في الفترات التالية.
وبيّن أن الجانب التجاري استمر حاضرًا حتى قبل نشوء العلاقات السياسية، فيما ظلت القيادة والمجتمع في عُمان يتحفظان تجاه الوجود السياسي الأوروبي بعد التجربة البرتغالية التي استمرت أكثر من قرن. وأشار إلى أن طرد البرتغاليين نهائيًا عام 1650 لم ينهِ بصورة فورية آثار تلك المرحلة، وهو ما انعكس على حذر العُمانيين من إقامة مؤسسات دبلوماسية وسياسية للقوى الأوروبية داخل البلاد.
وأضاف أن حركة التجارة استمرت رغم ذلك، خصوصًا مع الموانئ الهندية ووصول السفن البريطانية إلى الموانئ العُمانية، بينما واصل الإمام أحمد بن سعيد لاحقًا اتباع نهج يقوم على الحياد وعدم منح القوى الأوروبية حضورًا سياسيًا رسميًا داخل عُمان.
1798 بداية العلاقات السياسية
وانتقل الشعيلي إلى مرحلة تأسيس العلاقات السياسية الرسمية، موضحًا أنها بدأت خلال عهد السيد سلطان بن أحمد مع توقيع أول معاهدة سياسية بين عُمان وبريطانيا عام 1798. وأشار إلى أن المعاهدة جاءت في سياق دولي اتسم بتصاعد المنافسة بين بريطانيا وفرنسا، بالتزامن مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت.
وأوضح أن بريطانيا كانت تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ الفرنسي في الشرق، وإمكانية قيام علاقات أقوى بين عُمان وفرنسا، خصوصًا مع وجود تقارب بين السيد سلطان بن أحمد والفرنسيين في تلك المرحلة. وأضاف أن الإدارة البريطانية في الهند أرسلت مبعوثها ميرزا مهدي خان للقاء السيد سلطان بن أحمد ونقل المخاوف البريطانية، وانتهى اللقاء بتوقيع معاهدة 1798.
ولفت الشعيلي إلى أن المعاهدة جاءت في ظاهرها لمواجهة اتساع النفوذ الفرنسي، لكنها في الوقت نفسه فتحت لاحقًا مجالات أوسع للحضور البريطاني في الشؤون المرتبطة بعُمان ومناطق الإمبراطورية العُمانية. وبيّن أن معاهدة ثانية وقعت عام 1800، بعد إرسال مبعوث بريطاني آخر للتباحث مع السيد سلطان بن أحمد، وأفضت إلى خطوات عملية نحو وجود بريطاني رسمي في عُمان، من بينها تعيين قنصل بريطاني في مسقط.
وقال إن هذه المرحلة شكلت بداية العلاقات السياسية المنظمة بين البلدين، بعد أن كان التواصل في الفترات السابقة أقرب إلى المجال الاقتصادي والتجاري.
عهد السيد سعيد بن سلطان.. مرحلة استثنائية
ووصف الشعيلي في برنامج «منتدى الوصال» فترة حكم السيد سعيد بن سلطان بأنها من أكثر المراحل ثراءً في تاريخ عُمان الحديث وفي مسار العلاقات مع بريطانيا. وأوضح أن الإمبراطورية العُمانية بلغت خلال عهده أقصى اتساعها، وامتدت إلى مناطق في الخليج وساحل مكران والساحل الشرقي لأفريقيا، بالتزامن مع تطور كبير في القدرات البحرية العُمانية.
وأشار إلى أن السيد سعيد بن سلطان اهتم بالأسطول العُماني حتى وصل إلى مستوى متقدم في منطقة المحيط الهندي، وأسهم في تعزيز نفوذ الدولة وتأمين الملاحة وتطوير العلاقات الخارجية. وأضاف أن النشاط الاقتصادي في القسم الأفريقي من الإمبراطورية شهد نموًا كبيرًا، خصوصًا في زنجبار التي تحولت إلى ميناء نشط استقطب سفنًا من دول مختلفة، ما جعل القوى الغربية، ومن بينها بريطانيا، حريصة على الاستفادة من الموقع والنشاط الاقتصادي العُماني.
ورأى أن عهد السيد سعيد بن سلطان يمكن وصفه بأنه مرحلة لإعادة تأسيس العلاقات العُمانية البريطانية بصورة أكثر اتساعًا، إذ شهد عددًا من الاتفاقيات المهمة، من بينها معاهدة عام 1839 التي نظمت شؤون الملاحة والتجارة والقناصل وبعض الجوانب المرتبطة بالرعاية البريطانية في مسقط وزنجبار. وأشار كذلك إلى اتفاقيات أخرى ارتبطت بجهود بريطانية دولية لمكافحة تجارة الرقيق، وكانت عُمان ضمن الدول التي دخلت في ترتيبات واتفاقيات مرتبطة بهذا الملف.
سفينة هدية للملك البريطاني
وتناول الشعيلي جانبًا آخر من العلاقات في عهد السيد سعيد بن سلطان، يتمثل في استخدام الأسطول العُماني كأداة لتعزيز العلاقات الخارجية. وقال إن السيد سعيد أهدى سفينة إلى الملك البريطاني وليم الرابع تقديرًا للعلاقات القائمة بين الجانبين، موضحًا أن السفينة حملت في مرحلة من المراحل اسم «ليفربول»، قبل أن يعيد الملك البريطاني تسميتها باسم «الإمام» في دلالة على التقدير المتبادل.
وأضاف أن السفينة «السلطانة»، إحدى أشهر سفن الأسطول العُماني، مثلت محطة بارزة أخرى في تاريخ العلاقات الخارجية، إذ زارت نيويورك عام 1840، ثم وصلت إلى لندن بعد ذلك بعامين، حاملة مبعوث السيد سعيد بن سلطان علي بن ناصر الهنائي وهدايا إلى الملكة فيكتوريا. وبيّن أن مهمة المبعوث تضمنت كذلك إجراء مباحثات مع وزير الخارجية البريطاني حول العلاقات بين عُمان وبريطانيا.
وأشار إلى أن عهد السيد سعيد شهد أيضًا تعاونًا عسكريًا في مواجهة بعض القوى الإقليمية، ما جعل العلاقة في تلك المرحلة متعددة الأبعاد سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. ولخص خصوصية المرحلة في اتساع الدولة العُمانية وقوة أسطولها ونشاطها الاقتصادي وامتلاكها قدرات بحرية مهمة، وهي عوامل دفعت إلى توسيع التعاون مع بريطانيا حتى وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856.
زيارات رسمية عززت التواصل
وتحدث الشعيلي خلال برنامج «منتدى الوصال» عن الزيارات المتبادلة باعتبارها محورًا أساسيًا في تاريخ العلاقة، مشيرًا إلى أن المسؤولين العُمانيين والبريطانيين قاموا عبر مراحل مختلفة بزيارات ساعدت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الجانبين. وأشار إلى زيارة نائب الملك البريطاني في الهند إلى مسقط عام 1903 ولقائه بالسلطان فيصل بن تركي، موضحًا أن تلك الفترة شهدت في الوقت نفسه اشتدادًا في التنافس والتوتر بين عُمان وبريطانيا في عدد من الملفات.
وأضاف أن السلطان فيصل بن تركي أوفد نجله السيد تيمور لتمثيله في إحدى المناسبات المرتبطة بالملك البريطاني في الهند، مصطحبًا هدايا مقدمة إلى الملك. ولفت إلى أن السلطان سعيد بن تيمور قام بزيارة تاريخية إلى بريطانيا عام 1938 ضمن جولة عالمية، وزار خلالها مؤسسات مدنية وعسكرية، من بينها مؤسسة الإذاعة وعدد من الجهات المرتبطة بالقطاع العسكري.
وتطرق كذلك إلى ارتباط السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ ببريطانيا خلال مرحلة دراسته العسكرية في أكاديمية ساندهيرست، قبل أن يقوم عام 1982 بزيارة دولة إلى لندن ويلتقي الملكة إليزابيث الثانية. وأشار إلى أن الملكة إليزابيث الثانية زارت سلطنة عُمان عام 1979، ثم كررت الزيارة عام 2010، في محطات عكست استمرار التواصل بين القيادتين.
زيارة الدولة بعد 44 عامًا
وقال الشعيلي إن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ سبق أن قام بعدد من الزيارات إلى بريطانيا، من بينها زيارة عام 2021 ولقاؤه بالملكة إليزابيث الثانية، إلى جانب زيارة عام 2022 لتقديم العزاء في وفاتها وتهنئة الملك تشارلز الثالث، وزيارة أخرى عام 2025.
وأكد أن الزيارة الحالية تختلف من حيث تصنيفها باعتبارها «زيارة دولة»، وتأتي بعد 44 عامًا من آخر زيارة دولة لسلطان عُماني إلى بريطانيا، متوقعًا أن تسهم في دفع العلاقات إلى مستويات أوسع من التعاون. وأضاف أن المرحلة الحديثة من العلاقات، الممتدة منذ عام 1970، شهدت توسعًا ملموسًا في التعاون، وصولًا إلى الاتفاقية الشاملة للصداقة الراسخة وتعزيز التعاون بين البلدين عام 2019، وما أعقبها من تعاون في مجالات سياسية واقتصادية وثقافية وتعليمية وغيرها.
الرحالة وثقوا أدق تفاصيل عُمان
وتناول الشعيلي في جانب آخر من حديثه إرث الرحالة والمستكشفين البريطانيين، مؤكدًا أن رحلاتهم إلى عُمان كانت الأكثر عددًا مقارنة بالكثير من الرحلات الغربية الأخرى. وأوضح أن دوافعهم اختلفت بين البحث العلمي والعمل السياسي والجوانب الاستخباراتية والاستكشاف والمصالح الاقتصادية، إلا أنهم خلفوا في النهاية مادة واسعة حول عُمان.
وقال إن هؤلاء الرحالة سجلوا تفاصيل تتعلق بالعادات والتقاليد وصفات العُمانيين والطعام واللباس، إضافة إلى طرق العلاج والتداوي والأحوال الصحية. وأضاف أنهم كتبوا كذلك عن الأنشطة الاقتصادية والموانئ والمنتجات والواردات والصادرات، ووصل بعضهم إلى توثيق ما تشتهر به كل منطقة أو قرية من منتجات ومزروعات وثروة حيوانية.
وأشار إلى أنهم تناولوا أيضًا التنوع الموجود في المجتمع العُماني، وركز عدد منهم على التسامح الفكري، إلى جانب الطبيعة والمناخ والصحراء وغيرها من الجوانب. وأكد أن قيمة هذه الكتابات تكمن في الإرث العلمي الذي تركته، إذ لا يزال الباحثون يستفيدون منها للوصول إلى تفاصيل دقيقة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عُمان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى القرن العشرين.
ولستد ومايلز ولوريمر ضمن أبرز المراجع
وأشار الشعيلي إلى ضرورة التفريق بين من زار عُمان ميدانيًا وكتب بناءً على مشاهداته المباشرة، وبين من تناولها في مؤلفات أوسع عن تاريخ المنطقة. وذكر من بين الرحالة الذين زاروا عُمان ولستد، الذي جال في مناطق عديدة خلال عهد السيد سعيد بن سلطان وترك كتابات لا تزال تستخدم لفهم أوضاع عُمان في القرن التاسع عشر.
كما أشار إلى مايلز الذي جمع بين الاهتمام الجغرافي والعلمي ومسؤولياته في الإدارة البريطانية، وقدم مادة معرفية واسعة في كتاباته عن الخليج وعُمان. وتطرق كذلك إلى برترام توماس وكتابه «البلاد السعيدة»، وموسوعة لوريمر التاريخية والجغرافية، وجيمس موريس صاحب كتاب «سلطان في عُمان»، إضافة إلى مبارك بن لندن الذي سجل مشاهداته وانطباعاته عن رحلته في صحراء الربع الخالي.
وأكد الشعيلي أن الحديث عن العلاقات العُمانية البريطانية لا يمكن اختزاله في مدة زمنية قصيرة، بالنظر إلى غزارة الأحداث والمعلومات والمحطات التي شهدتها، مشيرًا إلى أن هذا الإرث التاريخي أسهم في تشكيل طبيعة العلاقات الحالية بين البلدين، ويوفر قاعدة لفهم مسارها وتطورها عبر العصور.
لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


