الوصال ـ حذّر الدكتور ناصر العزواني، رئيس تقنية المعلومات في بنك العز الإسلامي والمختص في الأمن السيبراني، من تحوّل منصات التواصل الاجتماعي إلى أسواق إلكترونية غير منضبطة، مؤكدًا أن غياب جهة وسيطة تضمن حقوق البائع والمشتري يجعل مستخدميها أكثر عرضة للاحتيال وخسارة أموالهم.

وذكر خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» عبر إذاعة الوصال أن المحتالين أصبحوا أكثر تنظيمًا وتعقيدًا، ويعتمدون على بناء الثقة لفترات طويلة، واستغلال المؤثرين والعروض الوهمية، قبل إغلاق الحسابات المصرفية والرقمية والاستيلاء على مبالغ العملاء.

ورأى أن الأمن السيبراني لم يعد شأنًا تقنيًا يخص المؤسسات والمتخصصين وحدهم، وإنما أصبح خط الدفاع الأول لحماية أموال الأفراد وخصوصيتهم وأسرهم، في ظل الارتباط المتزايد بالهواتف والتطبيقات والخدمات الرقمية على مدار اليوم.

اعتماد رقمي

وأوضح العزواني أن تصاعد الاهتمام بالأمن السيبراني يرتبط مباشرة بحجم اعتماد المجتمع على التقنية في مختلف تفاصيل الحياة. وأشار إلى أن الفرد يستخدم هاتفه منذ الاستيقاظ وحتى النوم، لإجراء المعاملات المصرفية ودفع الفواتير وطلب الخدمات وحجز الرحلات والتواصل مع الجهات الصحية والتعليمية.

وأضاف أن الاعتماد الرقمي يمتد من الفرد إلى الأسرة والمؤسسات والدولة، إذ تتعامل الجهات المختلفة مع كميات كبيرة من بيانات المستخدمين، وتخزنها وتعالجها وتستفيد منها في تطوير خدماتها. وبيّن أن هذا التشابك المعلوماتي يرفع حجم المخاطر، ويجعل حماية البيانات مسؤولية مشتركة بين المستخدم والجهة التي تستقبلها.

مشاركة البيانات

ودعا العزواني الأفراد إلى التفكير قبل مشاركة معلوماتهم مع التطبيقات والمؤسسات، والتحقق من موثوقية الجهة التي يتعاملون معها. ولفت إلى أن المستخدم يمنح بعض التطبيقات موقع منزله ورقم هاتفه وصورًا ومعلومات شخصية، مقابل الحصول على خدمة قد تكون بسيطة.

وتساءل عن مدى حاجة كل تطبيق إلى البيانات التي يطلبها، ومدى قدرة المؤسسة على حمايتها وعدم استخدامها لأغراض أخرى. وأكد أهمية اقتصار المشاركة على المعلومات الضرورية، وعدم الانفتاح الكامل أمام أي منصة لمجرد أنها تقدم خدمة إلكترونية.

مسؤولية المؤسسات

وأفاد العزواني بأن مسؤولية المؤسسة تبدأ فور استلام بيانات العملاء أو المستفيدين، سواء كانت جهة حكومية أو مصرفية أو تعليمية أو صحية أو تجارية. وأوضح أن الجهات أصبحت ملزمة بحماية البيانات الشخصية من التسريب أو المشاركة أو التوظيف غير المشروع، وفق التشريعات المنظمة.

وأضاف أن المؤسسة مطالبة بإنشاء فرق متخصصة في الأمن السيبراني، وتطبيق أنظمة تمنع الاختراق وتتابع أي نشاط غير طبيعي داخل شبكاتها. وأشار إلى أن الحماية لا تقتصر على تأمين الأنظمة، وإنما تشمل توعية الموظفين والمستخدمين بأساليب التعامل الصحيح مع المعلومات.

الإفصاح عن الاختراق

وبيّن العزواني أن بعض الأنظمة تلزم المؤسسات بالإفصاح عند تعرضها لاختراق أو تسريب للبيانات. وذكر أن المؤسسة ينبغي أن توجه عملاءها إلى الإجراءات الواجب اتخاذها، مثل تغيير كلمات المرور أو تحديث معلومات الدخول أو وقف استخدام حساب معين مؤقتًا.

وأضاف أن طلب تغيير كلمة المرور بصورة متكررة لا يهدف إلى إزعاج المستخدم، وإنما إلى حمايته من استغلال بيانات قد تكون تسربت في واقعة سابقة. ودعا إلى عدم إعادة استخدام كلمة المرور نفسها في أكثر من حساب، واختيار كلمات قوية تجمع بين الحروف والأرقام والرموز.

احتيال متغيّر

ووصف العزواني الهجمات الرقمية بأنها موجات متغيرة، تظهر خلالها أساليب محددة ثم تتراجع لتحل محلها طرق أخرى. وأشار إلى انتشار محاولات الحصول على رمز التحقق لمرة واحدة، واختراق حسابات «واتساب»، وانتحال الشخصيات وإرسال الرسائل المزيفة.

وأضاف أن المحتالين يختارون أحيانًا مواسم الأعياد والتخفيضات لإطلاق عروض تبدو مغرية، مستفيدين من اندفاع المستخدم للحصول على سلعة بسعر منخفض. وحثّ المستهلك على التوقف أمام الأسعار غير المنطقية، وعدم اعتبار كثرة المتابعين أو جمالية الحساب دليلًا على موثوقيته.

سوق غير مضمون

وانتقد العزواني استخدام «إنستجرام» بوصفه سوقًا إلكترونية لإتمام عمليات بيع وشراء بمبالغ كبيرة. وأوضح أن المنصة صُممت في الأساس لنشر الصور والمحتوى، ولا توفر بالضرورة نظامًا يضمن حقوق المشتري أو يسمح له باسترداد أمواله عند عدم وصول السلعة.

وأضاف أن إنشاء حساب تجاري وحساب مصرفي واستقبال التحويلات يمكن أن يتم بسهولة، ثم يغلق المحتال الحسابين بعد جمع مبالغ مالية كبيرة. وأشار إلى أن الجرائم التي وقعت عبر هذه الحسابات ليست افتراضات، وإنما حالات فعلية خسر فيها أشخاص آلاف الريالات.

صناعة الثقة

وكشف العزواني خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن المحتال لا يسرق المال دائمًا منذ أول عملية، وإنما قد يبدأ ببيع سلع حقيقية بأسعار مخفضة لكسب ثقة الجمهور. وبيّن أنه قد يستمر عامًا أو أكثر في تنفيذ الطلبات، ويستعين بأحد المؤثرين للترويج للحساب وإقناع المتابعين بموثوقيته.

وأضاف أنه بعد اتساع قاعدة العملاء وارتفاع قيمة التحويلات، يغلق الحساب الإلكتروني والمصرفي ويغادر بالمال. وشدد على أن ظهور أحد المشاهير مع المنتج لا يمثل ضمانًا قانونيًا أو ماليًا، إذ قد يكون الترويج مدفوعًا ولا يستند إلى تحقق من الجهة البائعة.

منصات موثوقة

وفرّق العزواني بين الشراء عبر منصات تجارية منظمة وبين التعامل المباشر مع حساب مجهول على وسائل التواصل. وأوضح أن المنصات الموثوقة تتوسط بين البائع والمشتري، وتتيح تقديم شكوى واستعادة المبلغ إذا لم تصل السلعة أو خالفت المواصفات.

أما الحسابات غير المنظمة، فلا تتيح في الغالب تعقب البائع أو ضمان وصول المنتج أو استرجاع قيمة الشراء. ودعا إلى البحث عن بيانات المؤسسة وسجلها ووسائل التواصل الرسمية وسياسة الاسترجاع قبل تحويل أي مبلغ.

تزييف عميق

وحذر العزواني من إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق في انتحال الشخصيات وإصدار أوامر مالية وهمية. وأوضح أن المحتال يمكنه محاكاة صورة مسؤول وصوته، والدخول إلى اجتماع إلكتروني بصفته ذلك الشخص، ثم توجيه الموظفين إلى تحويل مبالغ أو تنفيذ معاملات.

وأشار إلى تسجيل وقائع خسرت فيها مؤسسات مبالغ كبيرة بعد تنفيذ أوامر صدرت خلال اجتماعات افتراضية ظهر فيها شخص مزيف بصورة شديدة الإقناع. وبيّن أن التقنية في ذاتها مفيدة في الطب والتعليم والبحث العلمي، لكن سهولة استخدامها فتحت المجال أمام أنماط احتيال أكثر خطورة.

انتحال المؤسسات

وذكر العزواني أن عمليات الانتحال لم تعد تستهدف الأفراد وحدهم، وإنما أصبحت تطال المؤسسات والعلامات التجارية والمواقع الحكومية. وأضاف أن المحتالين ينشئون حسابات وروابط ومواقع تشبه الجهات الأصلية، ثم يستخدمونها لاستدراج العملاء أو الموظفين وجمع بياناتهم.

ووصف بعض هذه العمليات بأنها حملات منظمة تُخطط بعناية، وتستهدف سمعة المؤسسة وحساباتها وقاعدة عملائها في وقت واحد. وأشار إلى وجود تقنيات مخصصة لحماية العلامة التجارية ورصد الحسابات والمواقع التي تنتحل هوية المؤسسات.

تزييف الأصوات

وأفاد العزواني بأن تقنيات محاكاة الصوت أصبحت متاحة وسهلة الاستخدام، ويمكن من خلالها تقليد صوت شخص واستعماله في عمليات الاحتيال. وفي المقابل، بدأت بعض المؤسسات العالمية استخدام بصمة الصوت للتحقق من هوية المتصل، باعتبارها طبقة إضافية إلى جانب رقم الحساب أو الرقم المدني.

وأوضح أن التقنية تسجل الخصائص المميزة للصوت، ثم تقارنها بصوت الشخص الذي يتواصل مع مركز الاتصالات. وأضاف أن تطوير وسائل الحماية يأتي استجابة مباشرة لتطور أدوات المحتالين، الذين يبحثون باستمرار عن ثغرات جديدة.

خطوة إلى الأمام

ورأى العزواني أن المحتالين يظلون عادة «خطوة واحدة» أمام المدافعين عن الأنظمة، إذ يطورون أساليبهم كلما ظهرت وسيلة حماية جديدة. وأوضح أنه عند اعتماد كلمات مرور قوية، يبحث المهاجم عن طرق لكسرها، وعند إضافة رمز التحقق يحاول الاستيلاء عليه، ثم ينتقل إلى مواجهة وسائل التحقق الحيوي.

وأشار إلى أن الاعتماد على رمز التحقق لمرة واحدة قد يتراجع مستقبلًا بسبب نجاح المحتالين في خداع المستخدمين والحصول عليه. وذكر أن تقنيات التحقق بالوجه أو بصمة العين لا تزال أكثر موثوقية، شريطة ضبط إعداداتها ورفع مستوى الدقة في المطابقة.

هجمات الفدية

واستعاد العزواني مرحلة لم تكن فيها المؤسسات تنظر إلى الأمن السيبراني بوصفه أولوية، وكان المتخصص يُتهم أحيانًا بإضافة إجراءات معقدة تعطل العمل. وأضاف أن هذا التصور تغير بعد ظهور هجمات مؤلمة، وفي مقدمتها فيروسات الفدية التي تشفر الأنظمة وتوقف الخدمات وتربك العمليات اليومية.

ولفت إلى أن تعرض مؤسسة مصرفية أو شركة اتصالات أو جهة خدمية لهجوم واسع قد يؤثر في شريحة كبيرة من المجتمع، وليس في موظفيها فقط. وأكد أن الأمن السيبراني أصبح مرتبطًا باستمرارية المؤسسة وقدرتها على تقديم خدماتها والبقاء في السوق.

تخصصات دقيقة

وبيّن العزواني خلال حديثه في برنامج «منتدى الوصال» أن الأمن السيبراني تحول إلى مجال واسع يضم عددًا من التخصصات الدقيقة، ولم يعد وظيفة واحدة يؤديها متخصص عام. وذكر من بينها التحقيقات الجنائية الرقمية، وأمن الشبكات، وتحليل العمليات داخل مراكز المراقبة الأمنية، وتعقب الهجمات والاستجابة لها.

وأضاف أن التحقيق الرقمي يتطلب معرفة من نفذ الهجوم، وكيف دخل إلى النظام، والوقت الذي بدأ فيه، والقنوات التي استخدمها والآثار التي تركها. وأشار إلى أن تعقيد الهجمات يستوجب بناء فرق متخصصة، يستطيع كل عضو فيها التعامل مع جانب محدد من الحادثة.

كوادر غير كافية

ورأى العزواني أن أعداد الكوادر الوطنية المتخصصة لا تزال غير كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمؤسسات. ودعا الجامعات والكليات إلى رفع الجانب التطبيقي في برامج الأمن السيبراني، وإنشاء مختبرات تمكّن الطلبة من التعامل مع سيناريوهات حقيقية. وأوضح أن سوق العمل يحتاج إلى خريجين يمتلكون قدرات فنية، ولا يكتفون بالمعرفة النظرية والمصطلحات العامة. وأضاف أن المؤسسات مطالبة بدورها بالاستثمار في فرق الحماية، وقياس فاعلية برامجها، وتوفير التدريب المستمر للعاملين.

الطفل والتقنية

ورفض العزواني منهجي المنع الكامل أو الإتاحة المطلقة عند تعامل الأطفال مع الأجهزة الرقمية. وأوضح أن الطفل يحتاج إلى التقنية في الدراسة وتنمية المهارات، لكن تركه يستكشفها دون توجيه قد يعرّضه لمخاطر لا يدركها.

ودعا إلى التوازن من خلال السماح بالاستخدام، بالتوازي مع تدريب الطفل على حماية نفسه والتعامل بحذر مع التطبيقات والألعاب. وأشار إلى أن اللعبة قد تتضمن محادثات وقنوات يتواصل من خلالها الطفل مع غرباء من دول ومجتمعات مختلفة.

حوار أسري

وأكد العزواني ضرورة استمرار الحوار بين الوالدين والأبناء حول الألعاب والحسابات والأشخاص الذين يتواصلون معهم. وأضاف أن التوعية ينبغي أن تشمل مخاطر إرسال الصور العائلية أو الإفصاح عن أسماء الأقارب أو مشاركة تفاصيل الحسابات والموقع.

وبيّن أن بعض الغرباء يستدرجون الطفل عبر منحه امتيازات داخل اللعبة أو مساعدته على الوصول إلى مراحل جديدة مقابل معلومات أو صور. ورأى أن بناء الوعي والاستقلالية أكثر فاعلية من إشعار الطفل بأنه مراقب طوال الوقت، لأن الرقابة الصارمة قد تدفعه إلى فتح حسابات وأجهزة سرية.

حسابات موازية

وحذر العزواني ضمن حديثه في برنامج «منتدى الوصال» من فتح الطفل أو المراهق حسابات على منصات التواصل دون علم أسرته، معتبرًا أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحساب وسيلة للهروب من الوالدين. ودعا الأسرة إلى مساعدة الابن على فتح حسابه وضبط إعدادات الخصوصية وتعليمه كيفية اختيار من يتابعه ويتواصل معه.

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من الإخوة الأكبر سنًا في إيصال رسائل التوعية إلى الأصغر، بأسلوب أقرب إلى اهتماماتهم. وأضاف أن أدوات الرقابة الأبوية مفيدة، لكنها لا تكفي وحدها، إذ يستطيع الطفل أحيانًا استخدام جهاز آخر أو إنشاء حساب موازٍ.

عالم بلا حدود

ولفت العزواني إلى أن الإفراط في نشر الصور والتفاصيل الشخصية يجعل الإنسان أكثر عرضة لإعادة استخدام محتواه في التزييف والابتزاز والانتحال. وأوضح أن بعض المستخدمين يعيشون بشخصية رقمية تختلف تمامًا عن شخصيتهم الواقعية، وكأنهم في عالم منفصل عن الأسرة والمجتمع.

ودعا إلى الانتباه إلى أثر كل منشور في سمعة الشخص وحياته وعلاقاته، وعدم الاعتقاد بأن ما يحدث في الفضاء الإلكتروني ينفصل عن الواقع. وختم بالتأكيد على أن التقنية أصبحت جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه، لكن التعامل معها يحتاج إلى وعي مرتفع على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والمؤسسات، لأن الفضاء الرقمي نطاق بلا حدود، يجعل المستخدم مكشوفًا أمام العالم كله وليس أمام محيطه الجغرافي فقط.

لمتابعة حلقة «منتدى الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو