الخطة الخمسية والميزانية 2026: مسار وطني نحو الاستدامة والتنويع الاقتصادي
الوصال - مصطفى المعمري
حملت الخطة الخمسية الحادية عشرة والميزانية العامة للدولة لعام 2026 العديد من التوجهات والبرامج الطموحة التي تنسجم مع رؤية عُمان 2040، وتوجهات الدولة في مسيرة العمل الوطني، والتي تستهدف في المقام الأول توفير الحياة الكريمة لأبناء الوطن، من خلال الاستثمار الحقيقي لكل الفرص المتاحة والممكنة التي من شأنها تنويع مصادر الدخل، والنهوض بالمقدرات الوطنية، وتنفيذ المشاريع التنموية في مختلف المجالات، بما يعزز التنمية الشاملة، خاصة في القطاعات القادرة على إحداث الفارق المطلوب في المشهدين الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.
نتحدث هنا تحديدا عن قطاعات مثل السياحة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وغيرها من القطاعات التي وضعتها الحكومة ضمن أجندتها الرئيسة في برنامج الخطة الخمسية، باعتبارها خارطة طريق نحو مستقبل أكثر استدامة، يعكس أولويات الوطن وتطلعات المواطن، ويترجم طموحات رؤية 2040 إلى أهداف استراتيجية وبرامج عمل قابلة للقياس والاستدامة والتطوير.
لقد جاءت الخطة مرنة ومنسجمة، مستمدة قوتها من عدة عناصر، في مقدمتها الاستقرار المالي لسلطنة عُمان، والتراجع الكبير في حجم الدين العام، والتحسن في التصنيفات الائتمانية العالمية، ونمو حجم الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحسن الأداء في العديد من القطاعات الاقتصادية، وغيرها من العوامل التي تمثل عناصر تنافسية ومحفزات لانطلاقة مشاريع أكثر حضورا واستدامة خلال سنوات الخطة المقبلة. وهو ما يبعث على التفاؤل بإمكانية حدوث تحولات جذرية في قطاعات حيوية وجاذبة، خاصة وأن الخطة حددت العديد من المستهدفات، من بينها استثمارات إضافية تُقدَّر بنحو 15.6 مليار ريال عُماني، تُوجَّه إلى قطاعات اقتصادية واجتماعية رئيسة، بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وتحقيق نمو مستهدف يبلغ 5 بالمائة.
كما تستهدف الخطة قطاعات استراتيجية لقيادة النمو الاقتصادي، يأتي في مقدمتها قطاع الصناعات التحويلية بمعدل نمو 5.9 بالمائة، والاقتصاد الرقمي بمعدل 10.8 بالمائة، وقطاع السياحة بنسبة 5.7 بالمائة، إلى جانب دعم القطاعات الأخرى عبر رفع مساهمتها، مثل القطاع الزراعي بنسبة 4.2 بالمائة، والثروة السمكية بنسبة 5 بالمائة، والتعدين بنسبة 6.2 بالمائة، وقطاع النقل والخدمات اللوجستية بنسبة 7 بالمائة، وقطاع التعليم بنسبة 3 بالمائة، وقطاع الصحة بنسبة 3.5 بالمائة.
وما يميز الخطة الخمسية والميزانية العامة للدولة أنها تراعي متطلبات كل مرحلة من مراحل التنفيذ، وتتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم، وفق برنامج عملي يوازن بين التنوع الاقتصادي، والاستدامة المالية، والجوانب التنموية والمجتمعية. كما تتضمن الخطة آلية مراجعة دورية كل سنتين، يتم من خلالها تقييم ما تحقق من نتائج، ومعالجة التحديات، وإعادة رسم المسارات عند الحاجة، وهو ما يُعد من التحولات الإيجابية التي راعتها الخطة في هذه المرحلة، ويعيد لها مرونتها وتوازنها بما يتناسب مع متطلبات كل مرحلة، وهو أمر لم يكن متاحًا بشكل عملي في الخطط السابقة.
وتولي الخطة الجانب الاجتماعي أولوية محورية ضمن توجهاتها، من خلال تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية عبر العديد من البرامج والمشاريع التي تهدف إلى تحسين مستوى معيشة الفرد ودخله. فقد تم رصد 614 مليون ريال عُماني لمنظومة الحماية الاجتماعية في موازنة عام 2026، مقارنة بـ 577 مليون ريال عُماني في عام 2025. كما تتضمن الخطة توفير 700 ألف وظيفة، من بينها مستهدف توفير 300 ألف فرصة عمل مباشرة للعُمانيين، بمعدل 60 ألف فرصة عمل سنويًا. وفي حال سارت الأمور وفق ما هو مرسوم في الخطة، فمن المؤكد أن ذلك سيسهم في استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل، ويحقق أحد أبرز المستهدفات التي شغلت اهتمامات الحكومة خلال السنوات الماضية ، وهو أستيعاب الباحثين عن عمل. إلى جانب ذلك، فإن توظيف هذه الأعداد من الباحثين عن عمل سيعزز من حركة الأسواق، ويسهم في إنعاش الأسواق التجارية التي تعاني من ضعف القوة الشرائية، فضلًا عن ما رصدته الخطة من مخصصات مالية كبيرة للنهوض بقطاعات التعليم، والصحة، والإسكان، وهي القطاعات التي ظلت تمثل أولوية في خطط الحكومة منذ بدايات النهضة العُمانية الحديثة عام 1970م.
إن الحديث عن المؤشرات الإيجابية والمستهدفات الوطنية في الخطة الخمسية والميزانية العامة للدولة يحمل أبعادًا استراتيجية تدعونا إلى التفاؤل بمستقبل واعد يحمل الخير لهذا الوطن ولكل من يعيش على أرضه، في ظل سياسات قائمة على الكفاءة، والاستدامة، والتنافسية، لتكون هذه الخطة بمثابة جسر للانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو والتوسع الاقتصادي، من خلال الخفض التدريجي لمستويات الدين العام، وتعزيز وتنويع الإيرادات غير النفطية، وتحقيق التوازن بين ضبط وترشيد الإنفاق العام والاستمرار في تمويل المشاريع التنموية ذات الأولوية، إضافة إلى المحافظة على سياسات الدعم للسلع والخدمات الأساسية، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يمكن الحديث عن آفاق الخطة الخمسية الحادية عشرة دون التوقف عند التحديات الكبيرة التي واجهتها الخطة الخمسية الماضية، والتي جاءت في ظروف استثنائية ومعقدة، في مقدمتها تراجع أسعار النفط، وما شهدته السنتان الأوليان من ضغوط مالية واقتصادية، إضافة إلى تداعيات جائحة كوفيد-19 التي ألقت بظلالها على مختلف الأنشطة الاقتصادية وأثرت على سلاسل الإمداد والنمو وفرص العمل. لقد كانت تجربة بالغة الصعوبة، إلا أن سلطنة عُمان تمكنت، بفضل حزمة من القرارات الجريئة والإصلاحات الهيكلية، من إعادة توجيه المسار وقيادة القاطرة الاقتصادية بكفاءة واقتدار، متجاوزة تلك التحديات بخيارات قد بدت صعبة في حينها، لكنها كانت صائبة في أبعادها الاستراتيجية، رغم ما خلفته من آثار مباشرة على الفرد والمؤسسة والمجتمع، الذي أبدى وعيًا وتفهمًا لخصوصية المرحلة ومتطلباتها. واليوم، ومع انطلاق الخطة الخمسية الجديدة، تبرز ثمار تلك القرارات في صورة توجهات أكثر توازنًا واستدامة، تراعي الجوانب الاقتصادية والتنموية، وتضع البعد المجتمعي في صدارة أولوياتها، من خلال تحسين الدخل، وتوليد فرص العمل، ومراجعة التشريعات الداعمة للنمو والاستثمار، بما يسهم في توفير الحياة الكريمة والآمنة لكل من يعيش على هذه الأرض المباركة.


