الوصال - شدد سعادة المدعي العام في رسالة واضحة على دور الأسرة والمجتمع والمدرسة في المحافظة على الأبناء، ورعايتهم، ومراقبة سلوكهم، وتعزيز الجانب التوعوي والتثقيفي لديهم، مؤكداً أن ذلك يعكس خطورة الوضع الراهن وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأسرة.

وجاءت هذه الرسالة في إشارة واضحة وصريحة إلى الارتفاع الملحوظ في عدد قضايا التحرش والاغتصاب والعنف التي سجلها الادعاء العام خلال عام 2025م ضد الأطفال، وما نتج عنها من انعكاسات سلبية تنذر بحجم الخطر الذي بات يهدد الأبناء في هذه المرحلة.

إن ارتفاع قضايا الأطفال يمكن ربطه، في المقام الأول، بغياب دور الأسرة، وفقدانها عناصر أساسية من التوجيه والمتابعة، إلى جانب جوانب أخرى أصبحت مفقودة أو منسية لدى كثير من الأسر، الأمر الذي أسهم في ظهور سلوكيات منبوذة ودخيلة على مجتمعنا. ويعد غياب التواصل بين أفراد الأسرة، وضعف التوعية والتثقيف، من أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع، فضلًا عن تراجع الدور المجتمعي الذي ظل لسنوات طويلة مشرفًا وموجّهًا وداعمًا لجيل الشباب.

ففي السابق، كانت المؤسسات الاجتماعية، كالمسجد والمجلس والمؤسسة التعليمية والدينية، تشكّل منظومة متكاملة تضع تربية الأبناء وسلوكهم في مقدمة أولوياتها، وهو ما أوجد جيلًا واعيًا يدرك قيمة التربية، ويحافظ على النسيج الاجتماعي، ويولي أهمية كبيرة لتنـشئة النشء على السمت والاتزان وتحمل المسؤولية.

إن التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع، وما أفرزته من متغيرات متسارعة بفعل التطور التقني والانفتاح الثقافي، أسهمت في ترسيخ مفاهيم جديدة لدى شريحة واسعة من الأطفال، لا تمت إلى الدين ولا إلى قيم المجتمع بصلة. وقد تفاقمت هذه المشكلات نتيجة غياب الرقابة والتوجيه والتوعية، فضلًا عن انشغال الوالدين بأعباء الحياة والسعي وراء كسب الرزق، الأمر الذي أحدث فجوة واضحة بين الأسرة وأبنائها، وأضعف دورها التربوي.

أما الأرقام التي عرضها سعادة المدعي العام، وما تضمنه حديثه حول قضايا الأطفال، فهي مؤشرات خطيرة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لما تحمله من دلالات تستوجب وقفة جادة ومسؤولة من الجميع. فقد كان واضحا في تحميل الأسرة المسؤولية الأولى في حماية الأبناء والمحافظة على فلذات أكبادها، باعتبار أن هذه المسؤولية لا تقتصر على الأسرة وحدها، بل تمتد لتشمل الفرد والمؤسسة، أيًا كانت طبيعة عملها، في إطار مسؤولية وطنية مشتركة"، هذا الاهتمام الذي ينبع من ادراك جلالته بأهمية

 إن التحولات التي نمر بها في هذه المرحلة تتطلب وضع توجه واضح ورؤية شاملة تعيد الاعتبار لقيم التربية والوعي، وتعزز الشراكة بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات، بما يضمن حماية الأبناء من المخاطر المتزايدة، ويحفظ تماسك المجتمع واستقراره ، وهو ما يؤكد عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه والله ورعاه ـفي كلمته ولقاءاته عندما قال في أحدى كلماته " نحن إذ نرصد التحديات التي يتعرض لها المجتمع ومدى تأثيراتها غير المقبولة في منظومته الأخلاقية والثقافية؛ لنؤكد على ضرورة التصدي لها، ودراستها ومتابعتها، لتعزيز قدرة المجتمع على مواجهتها وترسيخ الهوية الوطنية، والقيم والمبادئ الأصيلة، إلى جانب الاهتمام بالأسرة؛ لكونها الحصن الواقي لأبنائنا وبناتنا من الاتجاهات الفكرية السلبية، التي تخالف مبادئ ديننا الحنيف وقيمنا الأصيلة، وتتعارض مع السمت العماني الذي ينهل من تاريخنا وثقافتنا الوطنية " كلمات سامية تدرك أهمية البناء والتوجيه، وتؤكد ضرورة أن تعمل مؤسسات الدولة بالشراكة مع مختلف فئات المجتمع على احتضان هذا الجيل من أبناء عُمان، ورعايتهم، وحمايتهم من الأفكار والمعتقدات الدخيلة. ومن هنا تكمن

أهمية إيجاد وسائل تعليمية وتوعوية وتثقيفية فاعلة، عبر برامج تعليمية وإعلامية وتقنية، تسهم في تنوير عقولهم وإرشادهم إلى طريق الصواب.

ويأتي ذلك في إطار السعي إلى بلورة رؤية مشتركة تقوم على إطلاق برنامج وطني من شأنه تقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ، تستهدف البيت والأسرة والمجتمع والمؤسسة. أما الاكتفاء بمرور هذه الأرقام دون اتخاذ خطوات عملية، فإنه من شأنه تفاقم المشكلة وتعقيدها.

كما أن تسليط الضوء على بعض القضايا التي يتعرض لها الأطفال يسهم في تعزيز الجانب التوعوي لدى الجميع، بما يدفعهم إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وهو جانب مهم وجدير بأن يتبناه الادعاء العام، سواء فيما يتعلق بقضايا الأطفال أو بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية الأخرى التي يشهدها مجتمعنا، وبما يتيح نشرها وإيصالها إلى الرأي العام.

--:--
--:--
استمع للراديو