د. محمد الوردي لـ«الوصال»: رفع الفائدة لن يضغط كثيرًا على أقساط القروض حاليًا.. والتضخم المستورد يظل التحدي الأكبر للأسعار
ساعة الظهيرة
الوصال ـ فسّر المكرم الدكتور محمد بن حميد الوردي، عضو مجلس الدولة، خلال حديثه في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال، عودة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة بأنها تأتي في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، إلى جانب الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت في حركة الإمدادات والتجارة العالمية.
وأوضح أن أحدث قراءة للتضخم في الولايات المتحدة بلغت، وفق ما أورده، نحو 3.4%، مشيرًا إلى أن الضغوط التضخمية ظلت مرتفعة خلال الفترة الماضية، بعد أن شهد الاقتصاد العالمي موجة تضخم واسعة منذ جائحة كورونا وما رافقها من سياسات التيسير الكمي. وأشار إلى أن البنوك المركزية اتجهت خلال السنوات الماضية إلى رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم، قبل أن تبدأ مرحلة من الخفض مع تراجع معدلاته، إلا أن المتغيرات الأخيرة أعادت الضغوط السعرية إلى الواجهة ودفعت السياسة النقدية إلى اتجاه جديد.
الطاقة تعيد التضخم إلى الواجهة
وربط الوردي بين التحولات الأخيرة في أسعار الفائدة وارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التوترات في المنطقة، موضحًا أن سعر نفط عُمان بلغ، بحسب حديثه، قرابة 124 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع اضطرابات أثرت في حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب. وبيّن أن التأثير لم يقتصر على النفط، وإنما امتد إلى المعادن والخامات ومجموعة من السلع والخدمات، بما رفع تكاليف الإنتاج والنقل وأسهم في اتساع الضغوط التضخمية عالميًا.
ورأى أن هذه الظروف دفعت الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو ما انعكس على السياسة النقدية في سلطنة عُمان في ظل ارتباط الريال العُماني بالدولار الأمريكي، مشيرًا إلى ارتفاع معدل إعادة الشراء «الريبو» إلى 4.5% وفق ما ذكره في اللقاء.
لماذا تتحرك الفائدة في عُمان مع الفيدرالي؟
وشرح الوردي أن ارتباط الريال العُماني بالدولار يجعل السياسة النقدية المحلية مرتبطة بدرجة كبيرة بتحركات أسعار الفائدة الأمريكية، وهو وضع تشترك فيه غالبية دول مجلس التعاون نظرًا إلى تسعير صادرات رئيسية، وفي مقدمتها النفط والغاز، بالدولار. وأضاف أن تقارب معدلات الفائدة يسهم في المحافظة على استقرار سعر الصرف والحد من انتقال رؤوس الأموال إلى أسواق تقدم عوائد أعلى، مبينًا أنه إذا اتسعت الفجوة بصورة كبيرة بين أسعار الفائدة في سلطنة عُمان والولايات المتحدة فقد تصبح الأسواق الخارجية أكثر جاذبية لبعض رؤوس الأموال.
وأكد أن الحفاظ على استقرار العملة والثقة في النظام المالي يمثلان عاملين رئيسيين في قرارات السياسة النقدية، إلى جانب انعكاسهما على المستثمرين المحليين والأجانب.
ماذا يعني القرار للمقترضين؟
وحول انعكاس رفع الفائدة على المواطنين الذين لديهم قروض قائمة أو يفكرون في الحصول على تمويل جديد، قال الوردي إن الارتفاع في سعر الفائدة لدى البنك المركزي يؤدي في العادة إلى رفع تكلفة الاقتراض لدى البنوك التجارية، إلا أن حجم التأثير يختلف وفق مجموعة من العوامل. وأوضح أن نوع القرض وطبيعة سعر الفائدة، سواء كان ثابتًا أم متغيرًا، إضافة إلى السيولة المتاحة لدى المصارف والملاءة المالية للمقترض ونوع التمويل، كلها عوامل تحدد مقدار التغير في تكلفة القرض.
وبيّن أن القروض ذات الفائدة الثابتة لن تتأثر مباشرة، فيما قد تشهد القروض المرتبطة بفائدة متغيرة تغيرًا في تكلفتها، وفقًا لشروط العقود وتحركات السوق. وأشار إلى أن الزيادة الحالية، البالغة ربع نقطة مئوية، تظل محدودة، مرجحًا ألا يكون تأثيرها كبيرًا على أقساط الأفراد في المرحلة الحالية، خاصة مع ما وصفه بمستويات السيولة الجيدة لدى المصارف العُمانية.
ولفت إلى أن ارتفاع الإيرادات النفطية يوفر بدوره مساحة إضافية للسيولة في الاقتصاد، ما قد يحد من انتقال الزيادة في أسعار الفائدة بصورة كاملة إلى المقترضين.
الودائع الجديدة قد تستفيد
وعن أصحاب المدخرات، أوضح الوردي أن ارتفاع الفائدة قد ينعكس كذلك على عوائد الودائع، إلا أن الأمر يعتمد على ظروف السيولة والطلب على الائتمان وسياسات كل مصرف. وقال إن الودائع القائمة ذات العائد الثابت تستمر وفق الشروط المتفق عليها حتى تاريخ انتهائها، بينما تخضع الودائع الجديدة للأسعار السائدة وقت إنشائها، وما يرتبط بها من ظروف السوق والسيولة والطلب على التمويل.
وأضاف أن العلاقة بين سعر الفائدة الأساسي وعوائد المدخرات ليست آلية بالكامل، إذ تدخل في تحديدها مجموعة من المؤشرات المرتبطة بأداء النظام المصرفي ومستويات الاقتراض والإيداع.
التضخم في عُمان «مستورد» بدرجة أكبر
وفيما يتعلق بالسؤال الأكثر ارتباطًا بالمستهلك حول ما إذا كان رفع الفائدة سيخفض الأسعار، رأى الوردي أن التضخم في سلطنة عُمان يرتبط بدرجة كبيرة بالسلع المستوردة وتكاليفها، أكثر من ارتباطه بضغوط محلية في الطلب. وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الأغذية والمواد المستوردة وبعض المنتجات الإلكترونية وغيرها ينتقل إلى السوق المحلية عبر تكلفة الاستيراد، ما يجعل معالجة جانب كبير من التضخم مرتبطة باستقرار الأسعار وسلاسل الإمداد في الأسواق العالمية.
وأوضح أن رفع الفائدة وحده قد لا يكون كافيًا لخفض هذا النوع من التضخم، لأن جانبًا مهمًا من أسبابه يعود إلى اضطرابات العرض وارتفاع أسعار النفط والطاقة والنقل وليس فقط إلى قوة الطلب الاستهلاكي. وأضاف أن زيادة الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس تظل محدودة من حيث قدرتها على تغيير معدلات التضخم بصورة كبيرة، خصوصًا إذا استمرت العوامل الجيوسياسية والقيود التي تؤثر في الإنتاج والإمدادات.
ورجّح الوردي أن يكون تراجع التضخم العالمي أكثر ارتباطًا بانحسار التوترات وعودة التدفقات الطبيعية للنفط والمواد الخام، بما يرفع المعروض ويخفف أسعار الطاقة والمعادن والنقل، ومن ثم يقلل الضغوط السعرية على السلع والخدمات. وأكد أن تأثير الرفع الحالي على المقترضين في سلطنة عُمان يتوقع أن يظل محدودًا في الوقت الراهن، فيما يبقى مسار التضخم خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والأوضاع الجيوسياسية.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


