الوصال ـ وصفت ثريا الناعبي، عضو الجمعية التاريخية العُمانية، زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهورية كازاخستان بأنها محطة تاريخية تستحق التوقف، كونها ـ بحسب حديثها ـ أول زيارة لسلطان عُماني إلى كازاخستان ومنطقة آسيا الوسطى.

وفي حديثها لبرنامج «ساعة الظهيرة» مع مديحة السليماني عبر إذاعة الوصال، أعادت ثريا الناعبي قراءة العلاقات بين سلطنة عُمان وآسيا الوسطى من منظور تاريخي، موضحة أن البلدين كانا يقعان على طرفي شبكة تجارية وحضارية واحدة؛ إذ ارتبطت عُمان بطريق الحرير البحري، بينما شكلت أراضي كازاخستان جزءًا من طريق الحرير البري، ما جعل المسارين يكمل أحدهما الآخر ضمن فضاء حضاري إسلامي واسع.

واستهلت حديثها بالتعريف بالجمعية التاريخية العُمانية، مشيرة إلى أنها تأسست عام 1972، وهو العام نفسه الذي صدر فيه أول قانون ينظم الأندية والجمعيات في سلطنة عُمان، وتعد من المؤسسات المبكرة في المجتمع المدني، فيما يمتد نشاطها لأكثر من خمسة عقود في البحث والتوثيق والنشر وتنظيم المحاضرات والزيارات الميدانية إلى المواقع الأثرية، ومن أحدث إصداراتها كتاب «تاريخ عُمان وتراثها العسكري».

صحار وطريق الحرير البحري

وعند تتبع الطرف العُماني من هذه الشبكة التاريخية، توقفت ثريا الناعبي عند مكانة صحار بوصفها أحد أبرز موانئ الشرق قديمًا، مشيرة إلى أن الجغرافي المقدسي وصفها في القرن العاشر الميلادي بأنها «دهليز الصين». وأضافت أن المصادر التاريخية تذكر رحلة البحار العُماني أبو عبيدة عبدالله بن القاسم إلى كانتون في الصين خلال القرن الثامن الميلادي، في دلالة على عمق الحركة البحرية العُمانية واتصالها المبكر بالشرق الآسيوي.

وفي الطرف الآخر، كانت أراضي كازاخستان تمثل ممرًا رئيسيًا لطريق الحرير البري الذي حمل السلع والحرير الصيني باتجاه الغرب، ومن بين مدنها التاريخية التي ارتبطت بهذا الطريق طراز وأتراك، فيما سجلت اليونسكو عام 2014 عددًا من المواقع الأثرية ضمن ممر طريق الحرير المشترك مع الصين.

طلاس والتحول الحضاري

واستحضرت ثريا الناعبي معركة طلاس عام 751م قرب مدينة طراز في جنوب كازاخستان الحالية، التي دارت بين الدولة العباسية وأسرة تانغ الصينية، معتبرة أن تلك المرحلة شكلت تحولًا في ارتباط المنطقة بالعالم الإسلامي، وأصبحت العربية خلالها لغة للعلم والدين. ومن البيئة الحضارية لآسيا الوسطى برز أبو نصر الفارابي، الذي أشارت إليه الناعبية باعتباره أحد أبرز أعلام الفكر في تلك المنطقة، فيما بقي الأثر العربي حاضرًا في الثقافة واللغة لقرون طويلة.

وأضافت أن اللغة الكازاخية ظلت تُكتب بالحروف العربية حتى عام 1929، وما زالت تضم كلمات ذات أصل عربي، وهو ما يعكس جانبًا من التأثير الذي تركته الحضارة الإسلامية في المنطقة.

رحالة عبروا المسارين

ولم يقتصر التواصل التاريخي، وفق ثريا الناعبي، على التجارة والطرق البرية والبحرية، إذ أسهم الرحالة في توثيق جوانب من العالمين العربي والآسيوي. وأشارت إلى رحلة أحمد بن فضلان، سفير الخليفة العباسي، عام 921م إلى مناطق في غرب كازاخستان الحالية وما دوّنه عن سكانها، بينما زار ابن بطوطة عُمان عام 1331م ووصف ظفار وقلهات، قبل أن يعبر بعد عامين مناطق خوارزم وبخارى وسمرقند في آسيا الوسطى. وترى أن حركة الرحالة تقدم مثالًا على الترابط الذي صنعته الطرق القديمة، إذ عبر الشخص نفسه بين فضاءات جغرافية مختلفة كانت تجمعها شبكات التجارة والثقافة والحضارة الإسلامية.

علاقات تجارية أكثر من وثائق مباشرة

وحول ما إذا كانت المصادر التاريخية توثق علاقات مباشرة وقوية بين عُمان وكازاخستان في مراحل قديمة، أوضحت أنه لا توجد ـ بحسب حديثها ـ وثائق تثبت وجود علاقات مباشرة بالحجم نفسه الذي تعكسه الروابط الجغرافية والاقتصادية. وقالت إن التقاطع الأوضح كان من خلال الموقع؛ فعُمان كانت على طريق الحرير البحري ومفتوحة على بحر العرب والمحيط، فيما تقع كازاخستان ضمن دولة حبيسة لا تطل على المحيطات، ولذلك شكلت طرق التجارة والممرات عاملًا رئيسيًا في التقارب غير المباشر بين المنطقتين.

من الاستقلال إلى العلاقات الدبلوماسية

وفي الانتقال إلى التاريخ الحديث، ذكرت ثريا الناعبي أن كازاخستان أعلنت استقلالها في 16 ديسمبر 1991، وأن سلطنة عُمان كانت من أوائل الدول التي اعترفت بها، قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين عام 1992. وترى أن العلاقة الحديثة تستند اليوم إلى قاعدة مختلفة عن طرق التجارة القديمة، لكنها تحمل روحًا مشابهة تقوم على الانفتاح والتواصل وبناء المصالح المشتركة.

السياحة ومساحة جديدة للتقارب

وتوقعت ثريا الناعبي أن تفتح الزيارة السامية مجالًا أوسع للعلاقات بين سلطنة عُمان وكازاخستان، خصوصًا في التجارة والسياحة والحركة بين البلدين. وتطرقت إلى إلغاء التأشيرات بين الجانبين، معتبرة أن هذه الخطوة يمكن أن ترفع حركة السياح في الاتجاهين وتنعكس على القطاعات المرتبطة بالسفر والفنادق ودور الضيافة.

وأشارت إلى أرقام تحدثت عن ارتفاع أعداد السياح من نحو 15 ألفًا إلى 22 ألفًا، معتبرة ذلك مؤشرًا على وجود مساحة أكبر لتنامي الحركة السياحية والاقتصادية بين البلدين.

التاريخ جسر للمستقبل

وفي قراءتها للزيارة من زاوية تاريخية، ربطت ثريا الناعبي بين الحضور العُماني القديم في فضاءات أفريقيا وآسيا وبين التوجه الحالي نحو بناء علاقات أوسع مع مناطق مختلفة من العالم، معتبرة أن الحركة الدبلوماسية والاقتصادية الحديثة تفتح مسارات جديدة للتواصل مع آسيا الوسطى.

واختتمت بالتأكيد على أن قراءة الأحداث الوطنية من منظور التاريخ لا تمثل معرفة بالماضي فقط، وإنما وعيًا يربط الأجيال بجذورها ويمنحها ثقة أكبر في المستقبل. وأضافت أن سفن صحار عبرت البحار نحو الشرق قبل أكثر من ألف عام، فيما تمضي سلطنة عُمان اليوم نحو قلب آسيا وفق نهج يقوم على الانفتاح والاحترام المتبادل والشراكة القائمة على المصالح المشتركة.

وأكدت أن الجمعية التاريخية العُمانية تضع خبراتها البحثية والتوثيقية في خدمة هذا المسار، من خلال نشر المعرفة التاريخية والتعاون مع المؤسسات العلمية في الدول الصديقة، انطلاقًا من أن التاريخ المشترك يمثل أحد أكثر الجسور رسوخًا بين الشعوب.

لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgW

--:--
--:--
استمع للراديو