أ.د عائشة الحارثي لـ«الوصال»: استطلاع وطني يرصد «رصيد التعلم» لدى العُمانيين.. والنتائج تمهد لمنظومة تعترف بالمهارات المكتسبة مدى الحياة
ساعة الظهيرة
الوصال ـ تحدثت الأستاذة الدكتورة عائشة بنت سالم الحارثي، أستاذ بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس، عن أهمية استطلاع «التعلم مدى الحياة لدى العُمانيين» في بناء قاعدة بيانات وطنية ترصد فرص التعلم ومهارات الأفراد ومستوى مشاركتهم واحتياجاتهم عبر المراحل العمرية المختلفة، مؤكدة أن التعلم لم يعد مرتبطًا بالمدرسة أو الجامعة، وإنما أصبح ضرورة مستمرة تفرضها التحولات المتسارعة في الحياة والعمل والتقنية.
وأشارت خلال حديثها في برنامج «ساعة الظهيرة» عبر إذاعة الوصال إلى أن الاستطلاع يأتي ضمن مشروع بحثي ممول من وزارة التعليم، بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ووزارة التربية والتعليم ممثلة في اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، موضحة أن الحاجة إلى الاستطلاع تنطلق من محدودية البيانات الوطنية المتخصصة التي توضح واقع التعلم مدى الحياة في سلطنة عُمان، والفرص المتاحة له، ومدى امتلاك الأفراد للكفايات اللازمة للاستمرار فيه.
وأضافت أن المشروع يتواءم مع المستهدفات الوطنية المرتبطة بتنمية القدرات البشرية ضمن رؤية «عُمان 2040»، إلى جانب الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد إتاحة فرص التعلم مدى الحياة للجميع، مبينة أن الاستطلاع سيساعد على الانتقال من الانطباعات العامة إلى قراءة الواقع استنادًا إلى بيانات قابلة للتحليل والاستفادة منها في التخطيط.
مسقط ونزوى وصور
وبيّنت الحارثي أن اختيار مسقط ونزوى وصور لتنفيذ الاستطلاع جاء لكونها من المدن المنضمة إلى الشبكة العالمية لمدن التعلم التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، مشيرة إلى أن هذه المدن تمتلك فرقًا تعمل على نشر فرص التعلم مدى الحياة وتطوير المبادرات المرتبطة به.
وقالت إن فريق المشروع التقى بفرق مدن التعلم في الولايات الثلاث، واطلع على الجهود المبذولة في هذا المجال، لافتة إلى أن المرحلة الحالية تستهدف توثيق الفرص المتاحة، ورصد الكفايات والاحتياجات، على أن تشكل هذه المدن نقطة بداية يمكن البناء عليها مستقبلًا للتوسع في الاستطلاع بصورة وطنية تشمل مدنًا ومناطق أخرى.
وأوضحت أن حجم العينة، الذي يتراوح بين نحو 1200 و1500 مشارك، جرى اختياره بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بصورة عشوائية تضمن تمثيل فئات المجتمع المختلفة، بما يشمل الشرائح العمرية وغيرها من الخصائص. وأضافت أن الاعتماد على العينة العشوائية يمنح النتائج قدرة أكبر على تمثيل المجتمع المستهدف، إذ تتوزع العينة على طبقات مختلفة تعكس تنوع المشاركين، وهو ما يسمح ببناء مؤشرات أكثر دقة عن واقع التعلم مدى الحياة.
التعلم لا يتوقف عند الشهادة
وأكدت الحارثي أن مفهوم التعلم مدى الحياة أوسع بكثير من التعليم النظامي أو الحصول على شهادة، موضحة أن القراءة والدورات الإلكترونية والبحث عن معلومة جديدة ومشاهدة المواد التعليمية عبر المنصات الرقمية، وحتى التعلم المرتبط بحل مشكلة يومية، كلها تدخل ضمن هذا المفهوم.
وأشارت إلى أن الفرد قد يتعلم عند البحث عن مواصفات جهاز يرغب في شرائه، أو عندما يحاول فهم حالة صحية، أو عندما يلتحق بدورة إلكترونية، أو يقرأ في موضوع يرتبط باهتماماته، موضحة أن قيمة التعلم ترتفع كلما ارتبط مباشرة باحتياجات الشخص.
ولفتت إلى أن الاحتياجات المعرفية تتغير مع العمر والمراحل المختلفة من الحياة، ولذلك لا يقتصر المفهوم على التعلم «مدى الحياة» فقط، وإنما يمتد إلى التعلم «عبر الحياة»، إذ تختلف أولويات الشخص في مرحلة الدراسة عنها في العمل أو بعد التقاعد.
وضربت مثالًا بتجربتها الشخصية بوصفها أستاذًا جامعيًا ما زالت تلتحق بدورات متخصصة، من بينها برنامج عبر منصة «Coursera» متعلق بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي مقدم من «اليونسكو»، مؤكدة أن الوصول إلى درجة علمية متقدمة لا يعني التوقف عن التعلم في ظل ظهور معارف ومهارات جديدة بصورة مستمرة.
قاعدة بيانات وطنية
وأشارت الحارثي إلى أن المشروع ينتظر أن يوفر كمًا واسعًا من البيانات، تشمل الجوانب الجغرافية والتعليمية والمهارية والشخصية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بمدى توافر فرص التعلم وأسباب المشاركة فيها أو العزوف عنها. وبيّنت أن أهمية هذه البيانات تكمن في قدرتها على مساعدة الجهات المعنية في إعادة ترتيب الأولويات، وتحديد المهارات التي تحتاج إلى مزيد من البرامج والمبادرات، بدل بناء الخطط اعتمادًا على تقديرات عامة.
وأوضحت أن نتائج الاستطلاع قد تكشف، على سبيل المثال، الحاجة إلى التركيز بصورة أكبر على مهارات مثل المرونة النفسية والقدرة على التكيف، أو الاستدامة والمحافظة على البيئة، أو ريادة الأعمال وغيرها من الكفايات التي أصبحت مرتبطة بمتطلبات الحياة والعمل الحديثة. وأضافت أن تحديد جوانب النقص في بعض المهارات يمكن أن يقود إلى تصميم مشروعات وبرامج أكثر دقة، وإعادة تنظيم منظومة التعلم مدى الحياة وفق الاحتياجات الحقيقية للأفراد والمجتمع.
«رصيد تعلم» لكل فرد
ولفتت الحارثي إلى أن بعض الدول تتبنى مفهوم «رصيد التعلم مدى الحياة»، الذي يقوم على توثيق ما يكتسبه الفرد من معارف ومهارات وتجارب تعليمية طوال حياته، على نحو يشبه وجود رصيد معرفي متراكم.
وأعربت عن أملها في أن تسهم نتائج المشروع مستقبلًا في طرح فكرة إيجاد منظومة وطنية للتعلم مدى الحياة في سلطنة عُمان، تستطيع توثيق المهارات التي يكتسبها الأفراد والاعتراف بها والاستفادة منها بصورة أفضل.
وأكدت أن الاعتراف بالمهارات يمثل جانبًا مهمًا من المنظومة، إذ لا يكفي أن يقرأ الفرد أو يلتحق بدورة ويطور قدراته إذا لم توجد آلية تحفظ هذه المهارات أو تعترف بها الجهات ذات العلاقة.
وأضافت أن وجود قاعدة بيانات أو سجل وطني للمهارات يمكن أن يساعد المؤسسات على معرفة القدرات الموجودة لدى الأفراد واستثمارها، وفي الوقت نفسه يشجع الشخص نفسه على مواصلة التعلم وتطوير رصيده المعرفي والمهاري.
المرونة النفسية والتعلم
وتطرقت الحارثي إلى أهمية المرونة والصلابة النفسية بوصفهما من المهارات الأساسية المرتبطة بالتعلم مدى الحياة، موضحة أن الاستمرار في التعلم يتطلب قدرة على مواجهة الصعوبات وعدم الانسحاب سريعًا عند ظهور تحديات. وأشارت إلى أن كثيرًا من الأشخاص يبدأون دورة أو كتابًا أو برنامجًا تعليميًا ثم لا يكملونه، بينما يمتلك الشخص الأكثر قدرة على التكيف والاستمرار فرصة أكبر لإنهاء ما بدأه والبحث لاحقًا عن فرص جديدة للتعلم.
وبيّنت أن المرونة النفسية لا ترتبط بالتعليم وحده، وإنما بكيفية تعامل الإنسان مع مختلف الظروف والمواقف التي يمر بها، وقدرته على التكيف معها على المديين القريب والبعيد. وأكدت أن التعلم مدى الحياة ينبغي أن يكون مرتبطًا باحتياجات حقيقية للفرد، سواء في الجانب المهني أو الشخصي أو الاجتماعي، حتى يتحول ما يتعلمه إلى معرفة قابلة للاستخدام وليست مجرد معلومات منفصلة عن حياته.
اختلاف الاحتياجات مع العمر
وفيما يتعلق باتساع الفئة العمرية التي يستهدفها الاستطلاع ابتداءً من سن 18 عامًا، أوضحت الحارثي أن هذا التنوع مقصود، لأن أحد أهداف المشروع يتمثل في معرفة اختلاف احتياجات التعلم من مرحلة عمرية إلى أخرى.
وقالت إن الشخص في مرحلة العمل قد يركز بصورة أكبر على المهارات التقنية والمهنية التي تخدم وظيفته، بينما تتغير الاهتمامات بعد التقاعد وقد يتجه الفرد أكثر نحو المشاركة المجتمعية أو اكتساب معارف مرتبطة باهتماماته الشخصية. وأضافت أن تقسيم العينة إلى طبقات عمرية مختلفة يسمح بالمقارنة بين أنماط التعلم والمهارات المطلوبة في كل مرحلة، ما يوفر مؤشرًا مهمًا يمكن الاستفادة منه عند تصميم البرامج والسياسات الموجهة للفئات المختلفة.
النتائج بنهاية العام
وأشارت الحارثي إلى أن العمل كان يستهدف الانتهاء من جمع بيانات الاستطلاع خلال الأسبوع الجاري، داعية من يتلقى اتصالًا من المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ضمن العينة إلى المشاركة والإجابة عن الأسئلة. وأكدت أن الإجابات سرية ولا تتضمن بيانات شخصية، موضحة أن اكتمال جمع البيانات سيعقبه انتقال فريق الباحثين، بالتعاون مع المركز، إلى مرحلة التحليل وإعداد عدد من الدراسات المرتبطة بالمشروع.
وبيّنت أن المخرجات المرتقبة لا تقتصر على تقرير واحد، وإنما تشمل العمل على تطوير مقياس وطني للتعلم مدى الحياة، إلى جانب دراسات وصفية وتقارير تتعلق بمدن التعلم والمهارات والاحتياجات التي يرصدها الاستطلاع.
وأعربت عن أملها في استكمال مختلف جوانب المشروع مع نهاية العام الجاري، بما يوفر قاعدة معرفية يمكن البناء عليها مستقبلًا في تطوير منظومة التعلم مدى الحياة في سلطنة عُمان، مؤكدة أن الإنسان لا يصل إلى مرحلة يصبح فيها أكبر من أن يتعلم، لأن كل يوم يحمل معرفة أو مهارة جديدة يمكن اكتسابها.
لمتابعة حلقة «ساعة الظهيرة» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


