البروفيسور عبدالله باعبود في «فوانيس الوصال»: ذهبنا أطفالًا نطلب دعمًا في اللغة الإنجليزية… فعُدنا نحمل درسًا في قيمة التعليم وصناعة الإنسان
فوانيس الوصال
الوصال ــ استهلّ البروفيسور عبدالله باعبود أستاذ كرسي دولة قطر لدراسات المنطقة الإسلامية في جامعة واسيدا حديثه في برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري من بيت الجريزة، مستحضرًا المكان بوصفه ذاكرة شخصية حيّة قبل أن يكون موقعًا تاريخيًا عريقًا. قال إن عودته إلى عُمان عام 1970م قادمًا من لبنان وهو في العاشرة من عمره لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل بداية تشكّل وعي جديد، إذ كان يعيش آنذاك تجربة الدراسة في مدرسة برمانا بلبنان، حيث كانت المناهج تعتمد بصورة أساسية على اللغة الإنجليزية، في وقت لم يكن فيه قد تلقى تأسيسًا كافيًا في هذه اللغة داخل عُمان.
«فكرة بدت أكبر من أعمارنا»
وروى باعبود أن المشكلة لم تكن دراسية فحسب، بل كانت شعورًا يوميًا بالعجز أمام لغة لم يألفها من قبل، مؤكدًا أن العربية كانت مادة واحدة من بين مواد تُدرّس معظمها بالإنجليزية. وقال إنهم ــ هو وعدد من زملائه ــ بدأوا يتساءلون: كيف يمكنهم الاستمرار في بيئة تعليمية لا يملكون أدواتها الأساسية؟ ومن هنا وُلدت الفكرة التي وصفها بأنها «أكبر من أعمارهم»؛ وهي السعي للقاء السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – لعرض معاناتهم التعليمية عليه مباشرة.
«على بوابة اللقاء»
وأوضح أن وصولهم إلى المدخل أثار استغراب الحرس بسبب ملابسهم الغربية، إذ كانوا يرتدون بدلات مدرسية، وهو مظهر لم يكن مألوفًا آنذاك. إلا أن اللهجة العُمانية حسمت الموقف سريعًا، فدُوّنت أسماؤهم ورُفعت إلى الجهة المختصة، وجاءت الموافقة على دخول ثلاثة منهم للقاء. وقال إن اللحظة كانت مزيجًا من الخوف والدهشة والفضول، فهم أطفال يدخلون لمقابلة قائد دولة، دون وساطة أو ترتيبات معقدة.
«جلسة تعليم قبل أن تكون بروتوكولًا»
وبيّن الدكتور عبدالله باعبود خلال حديثه في برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري أن اللقاء لم يكن مصافحة سريعة أو تحية عابرة، بل جلسة مطوّلة سألهم فيها السلطان عن عائلاتهم، وعن تفاصيل حياتهم في لبنان، وعن طبيعة الدراسة والمواد التي يدرسونها، وكيف يقضون أوقاتهم. وأضاف أن السلطان أبدى اهتمامًا بخروج الشباب العُماني إلى العالم واكتساب المعرفة، معتبرًا أن الانفتاح على الثقافات والحضارات جزء من بناء الدولة الحديثة.
وأشار إلى أن الحديث لم يكن رسميًا بقدر ما كان تربويًا، إذ شعروا بأنهم أمام شخصية تستمع وتفهم وتسأل بدقة، وتقرأ ما وراء الكلمات.
«حين صار الطلب حقًا»
وتطرق إلى عرضهم مسألة ضعف تأسيسهم في اللغة الإنجليزية، موضحًا أنهم لم يدرسوها سابقًا في عُمان، الأمر الذي جعل انتقالهم إلى نظام تعليمي أجنبي صدمة أكاديمية. وأفاد بأن السلطان لم يكتفِ بالاستماع، بل تفاعل مع الموضوع وتواصل مع الجهة الداعمة للمنحة التعليمية، ما أتاح لهم الحصول على دعم إضافي مكّنهم من مواصلة دراستهم بصورة أفضل.
وقال إن تلك الاستجابة تركت أثرًا عميقًا في نفسه، لأنها أكدت له أن التعليم لم يكن ملفًا ثانويًا، بل أولوية وطنية حقيقية في تلك المرحلة المبكرة من نهضة عُمان.
«الحرب تغيّر المسار»
وأضاف أن الحرب في لبنان لاحقًا غيّرت الظروف بالكامل، واضطروا إلى العودة، موضحًا أن تلك العودة لم تكن نهاية التجربة، بل بداية إدراك أعمق لقيمة الفرصة التعليمية وأهمية الاستعداد لها. وأشار إلى أن المنح في تلك المرحلة كانت تأتي من دول عدة، وأن الطالب العُماني كان يتنقل بحسب المتاح والظروف السياسية، ما جعل التجربة التعليمية مرتبطة بسياقات إقليمية متغيرة.
«السكن الداخلي… مجتمع مصغّر»
وفي سياق حديثه في «فوانيس الوصال»، وصف تجربة السكن الداخلي بأنها مدرسة للحياة قبل أن تكون إقامة دراسية. قال إن النظام كان دقيقًا في مواعيد النوم والاستيقاظ والطعام والدراسة، وإن الطلبة كانوا موزعين حسب الأعمار، مع وجود مرافق رياضية وأنشطة ثقافية. وأضاف أن المدرسة كانت تضم طلبة من خلفيات متعددة، بينهم أبناء عائلات خليجية معروفة وطلبة أجانب، ما خلق بيئة متعددة الثقافات أثرت في شخصيته مبكرًا.
«القراءة… بداية الوعي المتشكل»
وختم هذا الجزء من حديثه بالتأكيد على أن وعيه لم يتشكل دفعة واحدة، بل ظل في حالة تطور مستمر. أوضح أن مكتبة المدرسة كانت نافذته الأولى على عالم أوسع، حيث بدأ بالشعر والروايات العربية، قبل أن تقوده الأحداث السياسية الكبرى في المنطقة إلى قراءة الفكر القومي وسير القادة العرب، لتتوسع اهتماماته لاحقًا إلى الحركات الفكرية والسياسية. وقال إن تلك المرحلة صنعت لديه فضولًا معرفيًا لا يزال يرافقه حتى اليوم.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


