الوصال ــ استعاد الكاتب والشاعر هاشم الشامسي صاحب إصدار بيت الجريزة في برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري، البدايات التي سبقت الوصول إلى «بيت الجريزة»، موضحًا أن الأسرة تنحدر من قرية فنجا بولاية بدبد، وأن الآباء والأجداد عملوا في سلك القضاء، قبل أن تقود ظروف التنقلات إلى انتقال الأسرة إلى ولاية السيب واستقرارها فيها منذ أكثر من ثمانين إلى تسعين عامًا.

1959… ميلاد في مطرح ومحطة انتقالات مبكرة

وتناول الشامسي مسار والده التعليمي والوظيفي، مبينًا أنه تلقى العلوم الفقهية واللغة العربية في نزوى، ثم سافر إلى دولة الكويت عامًا للعمل، قبل أن يعود ويُستدعى إلى مكتب والي مطرح ليُعيَّن كاتبًا. وفي عام 1959م وُلد الشامسي في مدينة مطرح بمستشفى الرحمة المعروف بمستشفى توماس، لتبدأ بعدها رحلة الأسرة بين مطرح ونزوى والسيب وفق متطلبات العمل.

بيت البرزة… الطريق إلى مسقط القديمة

وأشار إلى انتقال والده مع السيد حمد بن سعود بن حارب البوسعيدي عند تعيينه واليًا على نزوى، ثم عودة الأسرة إلى السيب، قبل أن يأخذ العمل مسارًا جديدًا نحو مسقط القديمة بعد تعيين والده في مكتب «بيت البرزة» بنظارة الداخلية تحت إشراف السيد أحمد بن إبراهيم، الأمر الذي ترتب عليه انتقال الأسرة للسكن في مسقط القديمة.

حارة العور…

وتوقف هاشم الشامسي عند «حارة العور» القريبة من بيت الجريزة، مبينًا أنها كانت مقرّ سكن الأسرة، وأنها أزيلت لاحقًا ضمن مشاريع التحديث والتطوير، بينما تغيّر الاسم في عهد السلطان قابوس طيب الله ثراه إلى «حارة العود»، مع بقاء المسمى القديم حاضرًا في ذاكرة الناس وتداولهم.

لعب الطفولة بجوار السور…

وأوضح الشامسي أن قرب منزله من بيت الجريزة جعله جزءًا من تفاصيل الطفولة اليومية؛ إذ كان يلعب مع رفاقه بجانب سور البيت، مستعيدًا مواقف عالقة في ذاكرته، من سقوطه من إحدى الدرجات الخارجية وإصابته في الرأس، إلى حادثة إصابة ذراعه خلال لعبة الكرة، وصولًا إلى منعه من لعبة النقود حين رآها والده شبيهة بالقمار.

اسمٌ تغيّر في الطفولة

وتوقف الشامسي عند موقفٍ طريف من بداياته، إذ كان اسمه عند الولادة «هشام»، قبل أن يقرر والده تغيير الاسم إلى «هاشم» بعد تجربة طفلية مرتبطة باسم معلمة القرآن، ليُسجَّل لاحقًا في المدرسة السعيدية بهذا الاسم الذي لازمه حتى اليوم.

«الكوة» التي فتحت باب الدهشة

وروى الشامسي لحظة تسلله مع أحد الأطفال إلى داخل بيت الجريزة عبر «كوة» صغيرة لا تسمح إلا لطفل يزحف، واصفًا ما رآه من مهابة التصميم العمراني وارتفاعات الأسقف، وما كان يسكن المكان من حمام وخفافيش وأصوات ريح مخيفة، قبل أن يفرّا سريعًا بعد جولة قصيرة داخل البيت.

لماذا «بيت الجريزة»؟…

وختم الشامسي هذا الجزء بتفسير اختياره عنوان «بيت الجريزة» لجزء من سيرته الذاتية، مؤكدًا أن الاسم ارتبط لديه بذكريات وجدانية وعاطفية، وأن العنوان أسهم أيضًا في التعريف بالمعلم نفسه؛ إذ تلقى اتصالات تستفسر عن الاسم وكأنه خطأ، قبل أن يكتشف كثيرون لأول مرة وجود معلم في مسقط يحمل هذا المسمى وموقعه.

من «إجريكا» إلى «الجريزة»

وتحدث عن أصل الاسم، مبينًا أن البيت كان في الأساس كنيسة برتغالية تسمى «إجريكا»، ومنها اشتُق لفظ «جريزة» بالعربية، وأنه أضاف «أل» ليمنح المسمى جمالياتٍ لغوية، قبل أن يتحول المكان عبر التاريخ إلى حامية ومقر للحاكم العسكري البرتغالي.

1650م.. التحول بعد طرد البرتغاليين

وتطرق إلى أن البيت شهد مرحلة جديدة بعد عام 1650م حين طُرد البرتغاليون من مسقط وضواحيها، وأصبح البيت مقرًا للحكام العُمانيين، ثم سكنًا للسادة والحكام بعد أن صارت مسقط عاصمة لعُمان، مشيرًا إلى أن آخر من سكنه كان السيد سلطان بن الإمام أحمد البوسعيدي حتى عام 1800م قبل انتقاله إلى قصره على الواجهة البحرية المعروف بقصر العالم.

داخل السور.. حياةٌ بنظامٍ صارم

وفي محورٍ آخر من حديثه في «برنامج فوانيس» مع سالم العمري، وصف الكاتب والشاعر هاشم الشامسي تفاصيل الحياة داخل سور مسقط القديمة، مشيرًا إلى أن المدينة كانت تضم حارات داخل السور وأخرى خارجه مثل حارة المدبغة وحارة الدلاليل وحارة البحارنة وحارة التكية، وأن الإحساس بالمدينة كان مختلفًا بين «داخل السور» و«خارجه».

التاسعة مساءً.. «النوبة» تعلن الإغلاق

وقال إن بوابات المدينة كانت تُغلق في تمام الساعة التاسعة مساءً، ويُمنع الخروج إلا للضرورة، ومع حلول الوقت كانوا يسمعون دقات الطبول المتفاوتة المعروفة بـ«النوبة»، في إشارةٍ إلى بدء المنع الليلي، وعلى من يخرج أن يحمل قنديلًا ويُجيب العسس عن وجهته وسبب خروجه.

أربع بوابات.. وممرات للمشاة

وأشار إلى أن مسقط القديمة كانت تضم أربع بوابات، من بينها الباب الكبير والباب الصغير المخصص للمشاة، وباب المثاعيب، وباب والجاد، وأن الدخول بالسيارات كان عبر الباب الكبير وباب المثاعيب، فيما ظل الباب الصغير للمشاة ومسارهم اليومي نحو المدرسة والأسواق.

مشهدٌ لا يُنسى..

وتناول الشامسي جانبًا من ذاكرة الطفولة القاسية، حين كانت تُنفذ أحكام الإعدام تحت سفح الجبل أسفل قلعة الميراني قرب بيت الجريزة، موضحًا أن الإعلان كان يتم عبر الطبل وأن الجموع تتوافد للمشاهدة، وأن لحظة السؤال عن العفو كانت فاصلة بين فرحٍ مفاجئ أو صمتٍ ثقيل ينتهي بتنفيذ الحكم، مشيرًا إلى أنه شهد تلك الوقائع مرتين.

بيوت متراصة.. ودفء الجوار

ووصف بيوت الحارة في تلك الفترة بأنها صغيرة ومتقاربة تفصل بينها سكك ضيقة، ما خلق حميمية اجتماعية بين الناس، لكنها كانت ضعيفة أمام الأمطار وتسرباتها، مستعيدًا أمطارًا قوية في بدايات السبعينيات استمرت ثلاثة أيام واضطرت الأسرة للخروج نهارًا والسكن في الخيام.

كهرباء ضعيفة.. والنوم فوق السطوح

وأضاف أن الكهرباء كانت محدودة، ولا تتجاوز إضاءة بسيطة ومراوح قليلة، وفي الصيف كانوا ينامون فوق السطوح لغياب المكيفات وشدة الحر في مسقط القديمة.

وتحدث عن واقع الخدمات الصحية آنذاك، مبينًا أن مسقط كان فيها مستشفيان: والجات للأمراض العامة والسعادة للولادة، واستعاد فقدان أخيه الأصغر إثر حمى شديدة رغم نقله إلى المستشفى مشيًا على الأقدام، في صورةٍ تعكس صعوبة الطبابة في تلك المرحلة.

المدرسة السعيدية.. طريقٌ عبر السوق والبوابة

وعاد الشامسي إلى تفاصيل الذهاب للمدرسة السعيدية التي كانت تقع خارج السور، مبينًا أنه كان يمر بالسوق الداخلي ثم يخرج من الباب الصغير باتجاه المدرسة، وأن سوق مسقط الداخلي كان يشبه في تفاصيله سوق مطرح، وضم خياطين ومصلحي ساعات وأدوات ومحلات غذائية وإلكترونيات.

ميناء مسقط.. «البنت» في ذاكرة الصغار

واستعاد كذلك ملامح ميناء مسقط القريب من بيت الجريزة وخلف قلعة الميراني، موضحًا أنهم كانوا يسمونه «البنت»، ويتجولون فيه لمشاهدة المؤن التي تُنزل من السفن، وأحيانًا يمارسون صيد الأسماك للتسلية في مواقع قريبة.

روبية وقرش.. ورواتب محدودة

وأوضح أن التعاملات في الستينيات كانت تتم بـالروبية الهندية والقرش الفرنسي، وأن الأسعار كانت بسيطة قياسًا باليوم، إلا أن الرواتب كانت ضعيفة ولا تتجاوز غالبًا حدود ستين ريالًا، قبل أن تتبدل الأحوال وتبدأ الملامح تتغير مع فجر النهضة.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو