الوصال ــ قدّم معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، في حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال» مع سالم العمري، الذي يأتيكم من «بيت الجريزة» رؤية موسعة للموجهات العامة التي تقود عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، موضحًا أن هذه الموجهات لم تُبنَ بوصفها إطارًا إداريًا مجردًا، وإنما انطلقت من رؤية فكرية وقرآنية عميقة تقود مختلف قطاعات الوزارة، بما يشمل الأوقاف، والمساجد، والوعظ والإرشاد، وتنمية أموال الأوقاف وأموال الأيتام والقصر، إلى جانب الفتوى الشرعية والاستشارات الدينية.

وأشار معاليه إلى أن الوزارة تدبرت في الموجهات العامة التي ينبغي أن تقود دفة عملها، فوجدتها في سورة قريش، بما تحمله من دلالات تتصل بالمجتمع الإنساني في تكوينه، وحركته، ووحدة وجهته، وحاجته إلى الأمن والعيش الكريم. وأوضح أن قوله تعالى: «لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف» يعكس معنى الاجتماع البشري والحراك الذي يقوم عليه المجتمع، فيما يعبّر قوله تعالى: «فليعبدوا رب هذا البيت» عن وحدة الوجهة والمرجعية التي تجمع ذلك المجتمع، ثم تأتي الخاتمة في قوله تعالى: «الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» لتضع الموجهين الأهم في حياة الناس، وهما التنمية والسلام.

من سورة قريش إلى رؤية الوزارة

وبيّن معالي الدكتور محمد المعمري، في «فوانيس الوصال»، أن الوزارة استنبطت من هذه السورة شعارها الاستراتيجي للسنوات الخمس المقبلة تحت عنوان «الدين من أجل السلام والتنمية»، موضحًا أن المقصود بالتنمية هو كل ما يتصل بحياة الإنسان ورفاهيته وحمايته وتحسين واقعه، بينما لا يقف السلام عند معناه السياسي وحده، بل يمتد ليشمل السلام الإنساني والنفسي والاجتماعي، بما يحقق للإنسان الحياة الطيبة ويمنحه الطمأنينة والاستقرار.

وأضاف أن هذا الشعار تُرجم في عمل الوزارة إلى أربعة موجهات أساسية، أولها المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وثانيها بناء الثقة والشراكة المجتمعية، وثالثها استثمار الموارد الدينية، ورابعها بناء المواطنة الصالحة وتعزيز قيم التسامح والتعايش والاعتدال في المجتمع. وأكد أن هذه المحاور لا تُقرأ بمعزل عن بعضها، وإنما تتكامل في ما بينها لتشكّل الإطار العام الذي تتحرك من خلاله الوزارة في مختلف أعمالها وبرامجها خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح أن الموجه الأول، المرتبط بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، يندرج تحته كثير من المفردات التي تعمل عليها الوزارة، مثل العناية بالأوقاف والزكاة والتعليم الديني وبناء الشراكات المحلية والعالمية، مبينًا أن الوقف يمثل تنمية مستدامة للمجتمع، والزكاة تمثل إغاثة عاجلة للمجتمع، أما التعليم الديني فهو الذي يبني المجتمع ويحرره من الجهل ويرفع وعيه إلى ما فيه خيره وخير غيره.

الثقة أولًا.. شراكة مجتمعية تقوم على الحوكمة

وفي حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، توقف معاليه عند محور بناء الثقة والشراكة المجتمعية، موضحًا أن الثقة تمثل أساس عمل الوزارة، وأن تعميق هذه الثقة بين الوزارة والمجتمع لا يتم إلا عبر أدوات واضحة، من أهمها الحوكمة. وأشار إلى أن الوزارة قطعت شوطًا مهمًا في هذا الجانب، إذ أتمت حوكمة أغلب القطاعات التي تشرف عليها، بدءًا من قطاع الزكاة الذي بدأ العمل على حوكمته منذ عام 2018، ثم قطاع الأوقاف منذ عام 2019، وصولًا إلى استكمال منظومة الحوكمة في قطاعات أخرى، مثل قطاع المساجد، وقطاع القرآن الكريم، وقطاع مدارس القرآن الكريم، وغيرها من المجالات المرتبطة بعمل الوزارة.

وبيّن أن الحوكمة ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي الأداة التي تضبط العلاقة بين كل أطرافها، وتعزز مبدأ الثقة، وتؤسس لشراكة مجتمعية أكثر وضوحًا واستقرارًا. وأضاف أن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تعد من أكثر المؤسسات الحكومية تماسًا اليومي مع المواطنين والمقيمين، نظرًا لما تشرف عليه من مساجد، وخطب جمعة، ودروس ومواعظ، وفتاوى واستشارات دينية، وقطاعات الزكاة والوقف، وكلها مجالات تستدعي وضوح الرؤية، والشفافية، والإدارة الرشيدة.

ولفت معاليه إلى أن الوزارة، في إطار بناء الثقة بشكل أعمق، تتبنى أيضًا تشجيع المبادرات الفردية، وتحفز الابتكار، وتحرص على استخدام أدوات العصر، مشيرًا إلى أن 95 بالمائة من أعمال الوزارة أصبحت اليوم خاضعة للتحول الرقمي، وأن معظم الخدمات التي تقدمها في قطاعات المساجد، والأوقاف، والزكاة، وأموال الأيتام والقصر، وتعليم القرآن الكريم، تقدم عبر منصات إلكترونية فاعلة، حازت على رضا المستخدمين وثقتهم.

التعليم الديني المتوازن.. حين يصبح الميزان منهجًا

وعند تناوله محور التعليم الديني المتوازن في «فوانيس الوصال»، أوضح معالي الدكتور محمد المعمري أن التوازن والميزان سنة كونية أكدها القرآن الكريم في أكثر من موضع، وأن هذا الميزان لا يقتصر على الكون في انتظامه وحركته، بل ينبغي أن ينعكس أيضًا على بناء الإنسان وفهمه للدين وتعاطيه مع الحياة. واستشهد بقوله تعالى: «والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»، مبينًا أن هذه الآيات ترسخ معنى التوازن في كل شيء، من أكبر الأجرام السماوية إلى التفاصيل اليومية التي يعيشها الإنسان في حياته.

وأشار إلى أن التعليم الديني المتوازن هو الذي يعلم الإنسان كيف يكون إيجابيًا، وكيف يفهم القرآن الكريم بوصفه كتاب هداية أنزل للتدبر والوعي، لا لمجرد التلاوة المجردة. وبيّن أن القرآن الكريم أنزل «هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان»، وأن هذه الثلاثية تحمل دلالات عميقة في فهم وظيفة الوحي في حياة الإنسان. فالهدى هو انكشاف الطريق أمام الإنسان، والبينات هي العلامات والإرشادات التي ترشده في أثناء سيره في هذا الطريق، أما الفرقان فهو القدرة على التمييز عندما تتداخل الأمور وتتشابك الخيارات وتحتاج النفس إلى ما يميز الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والجائز من غير الجائز.

وأكد معاليه أن هذا الفهم هو الذي ينبغي أن يحكم التعليم الديني، بحيث لا يكون قائمًا على التلقين والحفظ وحدهما، وإنما على التدبر والفهم وبناء الوعي، حتى تكون مخرجاته مخرجات متوازنة، قادرة على حمل الدين في صورته الصحيحة، وعلى التعامل مع الذات والآخر والمجتمع بروح أكثر اتزانًا ووعيًا.

ما المقصود بالتعليم الديني؟

وفي سياق توضيحه لهذا المفهوم، لفت معالي الدكتور محمد المعمري في «فوانيس الوصال» إلى أن المقصود بالتعليم الديني لا يقتصر على التعليم المدرسي أو المؤسسي المباشر فحسب، وإنما يشمل كل ما يتعلق بنشر الكلمة الطيبة، والإرشاد الديني، وتعليم القرآن الكريم، سواء في مدارس القرآن أو حلقات التحفيظ أو خطب الجمعة والعيدين أو المواعظ والدروس والمحاضرات التي تقام في مختلف المناسبات. وأضاف أن هناك نوعًا آخر من التعليم لا يقل أهمية، وهو التعليم غير المباشر، الذي يتم من خلال الزكاة في ترسيخ قيم التكافل، ومن خلال الوقف في ترسيخ البذل والعطاء، ومن خلال احترام الآخر وتقدير التنوع الإنساني، وهي كلها أشكال من التعليم الذي ينتقل إلى الناس عبر الممارسة والسلوك لا عبر الكلمة فقط.

وبيّن أن التعليم في هذا السياق لا ينبغي أن يفهم بالمفهوم التقليدي الضيق، بل باعتباره كل ما يمكن نقله إلى المجتمع من معرفة أو قيمة أو خلق أو وعي، سواء تم ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مادام يسهم في بناء الإنسان وتوجيهه نحو الخير والصلاح.

الدين في خدمة التنمية المستدامة

وأكد معاليه، خلال حديثه في «فوانيس الوصال»، أن مساهمة الوزارة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ليست مساهمة نظرية أو خطابية، بل هي مرتبطة اتصالًا مباشرًا بالقطاعات التي تشرف عليها، وفي مقدمتها الوقف والزكاة والتعليم الديني. وأوضح أن الوقف، بطبيعته، يمثل تنمية مستدامة لأنه يبقي الأصل وينمي العائد ويوجه هذا العائد إلى المجتمع، بينما تمثل الزكاة استجابة سريعة وعاجلة لاحتياجات الفئات المستحقة، وهو ما يجعل الاثنين معًا يشكلان تكاملًا حقيقيًا بين البعد الإغاثي والبعد التنموي.

وأضاف أن التعليم الديني كذلك يؤدي وظيفة مركزية في هذا الإطار، لأنه لا يقتصر على تعليم الأحكام، بل يسهم في بناء الإنسان الواعي، القادر على فهم موقعه في الحياة، وتحمل مسؤوليته تجاه نفسه ومجتمعه، والانطلاق في عمله على قاعدة من القيم والمعرفة والاتزان.

بناء المواطن الصالح.. السلام يبدأ من الإنسان

وفي المحور الرابع من الموجهات العامة، أوضح معالي الدكتور محمد المعمري أن الوزارة تضع ضمن أولوياتها بناء المواطنة الصالحة، وتعزيز قيم التعايش والتسامح والاعتدال، مؤكدًا أن هذا الجانب لا ينفصل عن مفهوم السلام الذي تتبناه الوزارة في رؤيتها. وبيّن أن السلام هنا لا يعني فقط غياب الصراع، وإنما يعني أيضًا بناء الإنسان المتزن، القادر على التعايش، واحترام التنوع، والتفاعل الإيجابي مع محيطه.

وأشار إلى أن هذا الهدف يقتضي تفعيل دور المؤسسات الدينية، من مسجد ومدرسة قرآن وقطاعات الوعظ والفتوى، إلى جانب العناية بتأهيل الكوادر الدينية التي تتولى هذه الرسالة. وأوضح أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا برفع كفاءة هذه الكوادر، وتشجيعها على التخصص والدراسات العليا، لأن صناعة الخطاب الديني المعتدل والمتسق مع مقاصد الشريعة الإسلامية تتطلب علمًا وتأهيلًا ووعيًا متجددًا.

وأضاف أن الوزارة تعمل كذلك على حوكمة قطاع الوعظ والإرشاد وقطاع الفتوى، بما يضمن ضبط الخطاب الديني وجعله خطابًا منسجمًا مع مقاصد الدين في تحقيق السلام والتنمية، ومع مقتضيات المرحلة التي تحتاج إلى خطاب يرسخ التسامح، ويرفض الغلو والتطرف والعنف وخطابات الكراهية.

القيم المشتركة لا تلغي الاختلاف

وأوضح معاليه في «فوانيس الوصال» أن الحديث عن القيم الإنسانية المشتركة لا يعني الدعوة إلى ذوبان أمة في أمة، أو تحويل مجتمع إلى نسخة من مجتمع آخر، وإنما يعني بناء أرضية قائمة على احترام الاختلاف والتنوع والحريات. وأكد أن هذه القيم تؤمن بأن الناس لا يمكن إكراههم على معتقدات معينة، وأن مبدأ «لكم دينكم ولي دين» يعكس هذا الفهم الذي يقبل الاختلاف ويديره بدلًا من إنكاره أو الصراع معه.

وبيّن أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن إلغاؤها، مستشهدًا بقوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»، مضيفًا أن المطلوب ليس إزالة الاختلاف، بل الوعي به، وحسن إدارته، وتحويله إلى مساحة للتفاهم والعمل المشترك، بدلًا من أن يكون مدخلًا للعداء أو الإقصاء.

رؤية متكاملة لا تعمل في جزر منفصلة

وشدد معالي الدكتور محمد المعمري، في ختام هذا المحور من حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، على أن هذه الموجهات الأربعة لا تعمل في جزر منفصلة، بل تتكامل في ما بينها ضمن إطار واحد هو «الدين من أجل السلام والتنمية»، موضحًا أن مساهمة الوزارة في التنمية المستدامة، وبناء الثقة والشراكة، واستثمار الموارد الدينية، وتعزيز قيم المواطنة والاعتدال، ليست مسارات متوازية فقط، بل أجزاء من رؤية واحدة تريد أن تجعل الدين قوة بناء واستقرار وازدهار في المجتمع.

وأضاف أن هذه الرؤية ستقود عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، وستظهر ترجمتها في مختلف البرامج والمبادرات والسياسات التي تنفذها الوزارة، بما يحقق رسالتها في خدمة المجتمع، وترسيخ قيم السلام، وتعزيز التنمية، وبناء الإنسان العماني الواعي القادر على التفاعل الإيجابي مع دينه ووطنه وعالمه.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو