الوصال ــ تناول معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، في حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، قراءة لملف الوقف في سلطنة عُمان، متناولًا تعريفه، وأركانه، وأنواعه، وطبيعة دوره في المجتمع، إلى جانب التطور الذي شهده هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، من مرحلة الحصر والتوثيق إلى الحوكمة والمؤسسات الوقفية، وصولًا إلى الاستثمارات النوعية التي دخلها الوقف العُماني في مجالات حديثة مثل الفضاء والذكاء الاصطناعي وبرمجيات اللغة العربية.

الوقف ليس تبرعًا عابرًا

واستهل معاليه حديثه في هذا المحور عبر برنامج «فوانيس الوصال» بالتأكيد على أهمية توضيح معنى الوقف للناس، مشيرًا إلى أن هناك خلطًا شائعًا بين الوقف والصدقة والتبرع والجمعيات الخيرية. وأوضح أن الوقف أداة مالية استثمارية آجلة، في حين تمثل الزكاة أداة إغاثية عاجلة، ولذلك لا يمكن الفصل بين الوقف والزكاة، لأن كليهما يخدم المجتمع ولكن بطريقتين متكاملتين. فالوقف يبقى فيه الأصل محفوظًا ويستثمر، ثم يصرف ريعه على الجهة الموقوف لها، بينما الزكاة تصرف مباشرة في أوجه الاستحقاق العاجلة.

وبيّن أن الوقف ليس مجرد رغبة آنية في فعل الخير، بل هو عمل مؤسسي مستدام، يراد منه تحقيق أثر طويل المدى في حياة المجتمع، وتوفير مورد دائم للفئات أو الجهات التي يحددها الواقف. وأكد أن هذه الطبيعة هي التي جعلت الوقف في التجربة الإسلامية عمومًا، وفي التجربة العُمانية على وجه الخصوص، من أكثر الأدوات رسوخًا في بناء المجتمعات وحفظ مصالحها.

ثلاثة أركان يقوم عليها الوقف

وأوضح معالي الدكتور محمد المعمري، في «فوانيس الوصال»، أن الوقف يقوم على ثلاثة أركان أساسية، أولها الواقف، وهو الشخص الذي يوقف مالًا أو أصلًا لجهة بر معينة، وثانيها الوقف نفسه، أي الأصل الذي يجري وقفه، وثالثها الموقوف من أجله، وهي الجهة أو الجهات التي يخصص لها ريع هذا الوقف. وأشار إلى أن هذه الأركان الثلاثة كلها تنشأ من المجتمع نفسه، فالواقف من المجتمع، والوقف من المجتمع، والموقوف من أجله في المجتمع، بينما يقتصر دور الوزارة على التنظيم والرعاية والرقابة، بحكم مسؤوليتها عن صيانة هذا الأصل وحماية شرط الواقف وضمان وصول الريع إلى الجهة المقصودة.

وأكد أن من واجب الوزارة والمجتمع معًا الحفاظ على شرط الواقف، وعدم تغييره أو العبث به، لأن هذا الشرط يمثل إرادة الواقف وقصده عند إنشاء الوقف، وهو ما يضفي على الوقف صفة الاستدامة والاستقرار عبر الزمن.

أربعة أنواع رئيسة للأوقاف

وفي شرحه لطبيعة الأوقاف في سلطنة عُمان، أشار معاليه إلى أن الوقف يأخذ أربعة أنواع رئيسة من حيث الأصل الموقوف، هي الأراضي، سواء كانت زراعية أو سكنية أو تجارية أو صناعية أو سياحية، والعقارات والمباني، ثم الأشجار كالنخيل وغيرها، وأخيرًا المياه، بما في ذلك الأفلاج وحصص المياه. وأضاف أن هناك تطورًا حديثًا في الفهم الوقفي يتمثل في ما يعرف بوقف المنافع ووقف الوقت، بحيث يمكن للإنسان أن يوقف من وقته أو خبرته أو مهنته ما يخدم المجتمع، كما يفعل بعض الأطباء أو المهندسين أو المحامين حين يخصصون جزءًا من وقتهم لأعمال ذات نفع عام.

وبيّن أن هذا الاتساع في مفهوم الوقف يعكس مرونة الفكرة الوقفية وقدرتها على مواكبة حاجات العصر، من دون أن تفقد جوهرها القائم على البذل المستدام وخدمة المجتمع.

أوقاف تتجاوز المئة والعشرين نوعًا

وكشف معالي الوزير، في «فوانيس الوصال»، عن أن الموقوف من أجله في سلطنة عمان يتجاوز 120 نوعًا، وهو ما يعكس اتساع التجربة الوقفية العُمانية وعمقها الاجتماعي والإنساني. وأوضح أن الأوقاف في عُمان تشمل طيفًا واسعًا من المجالات، من بينها أوقاف للمساجد، وأخرى للمدارس، وطلبة العلم، والمطلقات، والأرامل، والأيتام، والمصاحف، والضيوف، وغير ذلك من صور الوقف التي تستجيب لحاجات الناس في أوقات الرخاء والشدّة.

وأضاف أن التجربة الوقفية العُمانية لم تقف عند الإنسان وحده، بل تجاوزت ذلك إلى أوقاف للحيوانات والطيور، بل وأوقاف خاصة بطيور الحرم، إلى جانب أوقاف مرتبطة بالحجاج والمعتمرين داخل السلطنة وخارجها، وهو ما يعكس سعة أفق الواقف العُماني وحضوره الإنساني في تصور الوقف ووظيفته.

إرث عمره قرون

وفي استعراضه للمسار التاريخي للوقف، أوضح معاليه أن الوقف في عُمان ليس ظاهرة حديثة، بل هو امتداد لتاريخ طويل بدأ منذ دخول الإسلام إلى البلاد، مشيرًا إلى أن هناك أوقافًا في سلطنة عُمان يزيد عمرها على ألف ومئتي سنة، بينما يعود بعضها إلى ثمانمئة أو سبعمئة أو خمسمئة سنة. وأكد أن ميزة الوقف الأساسية أنه يبقى ويدوم، لأن الأصل لا يجوز تغييره ولا العبث به، ما يجعل صيانته مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال.

وأضاف أن الدولة الحديثة منذ عام 1970 أولت هذا القطاع عناية مؤسسية واضحة، من خلال تخصيص وزارة كاملة ترعاه، لأن في عُمان مكتسبات وموارد دينية كبيرة تستحق الحفظ والإدارة الرشيدة، سواء على مستوى المساجد، أو مدارس القرآن الكريم، أو الأصول الوقفية المختلفة التي يزيد عددها على أربعين ألف أصل وقفي.

من الحصر إلى السجل الوطني للأوقاف

وأشار معالي الدكتور محمد المعمري، خلال حديثه في «فوانيس الوصال»، إلى أن مرحلة مهمة من العناية الحديثة بالأوقاف تمثلت في حصرها وإحصائها. وأوضح أن أول إحصاء قامت به الدولة لأموال الأوقاف وبيت المال كان عام 1993، ثم تكرر ذلك كل عشر سنوات، في 2000 و2010 و2020، إلى أن أصبحت السلطنة تمتلك اليوم السجل الوطني للأوقاف، وهو سجل مدوّن فيه كل ما يتعلق بالأوقاف الموجودة في عُمان، بتفاصيلها الدقيقة.

وبيّن أن هذا السجل يشمل معلومات عن الواقف، وطبيعة الوقف، وموقعه، وحدوده، وكل ما يرتبط به جغرافيًا ووثائقيًا، إلى جانب الجهات الموقوف لها. وأكد أن وجود هذا السجل يمثل إنجازًا مهمًا في حفظ هذا الإرث، لأنه يجعل الأوقاف موثقة للأجيال، ومحفوظة في إطار قانوني وتنظيمي واضح.

الانتقال إلى العمل المؤسسي

وتحدث معاليه عن التحول الكبير الذي شهده قطاع الوقف في السلطنة منذ مطلع الألفية الجديدة، موضحًا أن الفترة من 2000 إلى 2010 شهدت بداية العمل المؤسسي الحقيقي، من خلال قانون الأوقاف ولائحته التنفيذية، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2010 لتفتح الباب على مصراعيه أمام مأسسة الوقف، عبر إنشاء المؤسسات الوقفية العامة والخاصة.

وأوضح أن الفصل التاسع من قانون الأوقاف نص على إنشاء المؤسسات الوقفية، وهو ما مثّل علامة فارقة في مسار الوقف العُماني، لأن الوقف لم يعد قائمًا فقط على الوكلاء الأفراد كما في النمط التقليدي، بل دخل مرحلة العمل المؤسسي القائم على مجالس الإدارة، والإدارات التنفيذية، واللجان الاستثمارية، واللجان الشرعية، وأدوات الحوكمة الحديثة.

وأضاف أن الوزارة عملت على الجمع بين ميزتين أساسيتين في إدارة الأوقاف، هما «الحافظ الأمين» و«التاجر المستثمر»، بمعنى أن الوقف يحتاج إلى من يصونه ويحفظه، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى من يحسن استثماره وتعظيم عوائده، بحيث لا يبقى الوقف مجرد أصل محفوظ، بل أصل فاعل ومنتج ومؤثر في حياة المجتمع.

عام الوقف.. نقطة تحول

ولفت معالي الوزير، في «فوانيس الوصال»، إلى أن الوزارة خصصت عام 2023 ليكون «عام الوقف»، وكرّست فيه جهودها لتنظيم قطاع الوقف والعناية بكل مفرداته، مع تركيز خاص على تثبيت الملكيات الوقفية، بوصفها أحد أبرز التحديات التي واجهت الوزارة والقطاع خلال سنوات طويلة. وأوضح أن هذا التوجه ترافق مع حوكمة شاملة لقطاع الوقف، بما في ذلك الوكلاء، والمؤسسات الوقفية، وآليات العمل والاستثمار والرقابة.

وأكد أن هذه المرحلة أفرزت نتائج واضحة، من بينها ارتفاع الثقة المجتمعية في القطاع الوقفي، وزيادة وعي الناس بأهميته، إلى جانب قفزات ملموسة في حجم الأصول الوقفية الجديدة. وكشف أن الأصول الوقفية الجديدة التي كانت في حدود المليونين ريال حتى عام 2020، قفزت لاحقًا إلى 45 مليون ريال عُماني خلال سنة واحدة.

وأوضح أن الأهم من الرقم في ذاته هو ما يعكسه من تحول في الوعي والثقة، لأن هذه القفزة تدل على أن الواقفين باتوا أكثر اطمئنانًا إلى طريقة إدارة الوقف، وأكثر اقتناعًا بأثره المستدام في المجتمع.

مؤسسات حكومية ورجال أعمال في ساحة الوقف

وأشار معالي الدكتور محمد المعمري إلى أن هذا التحول في النظرة إلى الوقف لم يقتصر على الأفراد، بل امتد إلى المؤسسات الحكومية ورجال الأعمال. ففي «فوانيس الوصال» أوضح أن بعض الجهات الحكومية بدأت في إنشاء مؤسسات وقفية ترعى القطاعات التي تشرف عليها، مثل وزارة الصحة من خلال مؤسسة «أثر» الوقفية المعنية بالقطاع الصحي، ومؤسسات أخرى تعنى بالتعليم والبحث العلمي والابتكار، مثل مؤسسة «سراج» الوقفية.

وأضاف أن عددًا من رجال الأعمال في السلطنة اتجهوا كذلك إلى إنشاء مؤسسات وقفية خاصة تحمل أسماءهم، وهو ما عده مؤشرًا إيجابيًا على رسوخ الفكرة الوقفية في الوعي العام، وعلى رغبة كثيرين في أن تبقى أعمالهم الخيرية مستدامة وتحمل أثرًا طويل المدى في المجتمع.

الوقف يدخل الفضاء

ومن أكثر المحاور جذبًا في حديث معاليه عبر برنامج «فوانيس الوصال» حديثه عن دخول الوقف العُماني مجالات استثمارية غير تقليدية، وفي مقدمتها قطاع الفضاء. وأوضح أن الوزارة دخلت هذا المجال منذ عام 2020 من خلال إنشاء شركة «التقنيات الصاعدة» كشركة وقفية مملوكة بالكامل للوقف، واستطاعت عبر شراكاتها المحلية والدولية أن تشق طريقها في هذا القطاع حتى باتت تملك قمرين صناعيين، إلى جانب محطة أرضية ومحطة استقبال وتحليل بيانات.

وبيّن أن هذا الاستثمار، رغم ما يحمله من درجة مخاطرة، أثبت فاعليته وجدواه، وبدأ يجد له مكانًا في السوق، كما بدأت مؤسسات عامة وخاصة تستفيد من خدمات هذه الأقمار الصناعية، وهو ما يعكس إمكانات الوقف إذا أُحسن توجيهه إلى قطاعات واعدة.

من مصحف مسقط إلى الذكاء الاصطناعي

وفي امتداد لهذا التوجه النوعي، أشار معالي الوزير إلى إنشاء شركة «إبانة» المملوكة للوقف، والمتخصصة في برمجيات اللغة العربية والذكاء الاصطناعي. وأوضح أن هذه الشركة أنتجت عددًا من المشاريع النوعية، من أبرزها «مصحف مسقط الإلكتروني» المسجل لدى منظمة اليونيكود العالمية، إلى جانب تقنيات متقدمة في تشكيل النصوص العربية، وربط الحرف العربي بالطابعات ثلاثية الأبعاد، والعمل على ابتكار «خط عُمان» بالتعاون مع باحثين من جامعة السلطان قابوس.

وأضاف أن هذا المسار لا ينفصل عن رسالة الوقف، بل يأتي في إطار توسيع دوائر الاستثمار في مجالات حديثة يمكن أن تحقق عائدًا أفضل، وفي الوقت نفسه تخدم اللغة العربية والقرآن الكريم وتفتح للوقف آفاقًا جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية المعروفة.

من يريد أن يوقف.. الطريق ميسّر

وتناول معاليه في «فوانيس الوصال» مسألة إنشاء الأوقاف الجديدة، موضحًا أن الأمر يبدأ أولًا من نية الشخص الراغب في الخير، وهل يريد أن يكون ما يقدمه وقفًا أو صدقة أو تبرعًا. فإذا كانت نيته الوقف، فإنه يستطيع تسجيل هذا الوقف عبر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أو عبر الكاتب بالعدل، أو من خلال السجل العقاري في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، مع ضرورة أن يتم إدراج هذا الوقف في السجل الوطني للأوقاف.

وأكد أن الوزارة لا تعقد الإجراءات، بل تجعلها ميسرة وسريعة، وأن الواقف هو من يحدد شروط وقفه، وطريقة إدارته، سواء أراد أن يبقى الوقف تحت وكالته أو وكالة من يختاره، أو أن يؤسسه في صورة مؤسسة وقفية ذات مجلس إدارة وإدارة تنفيذية.

مؤسسة وقفية في كل ولاية

وفي جانب آخر من حديثه عبر «فوانيس الوصال»، أوضح معالي الدكتور محمد المعمري أن توجه الوزارة يقوم على إنشاء مؤسسة وقفية عامة في كل ولاية من ولايات سلطنة عُمان، بحيث تتولى هذه المؤسسة رعاية الأصول الوقفية الموجودة في الولاية واستثمارها، وصرف عوائدها في خدمة الولاية ومجتمعها. وأشار إلى أن عددًا من الولايات بدأت فعليًا في هذا المسار، مثل بوشر وإبراء وسمائل، وأن الأصول الوقفية الخيرية تنقل تدريجيًا إلى هذه المؤسسات لتكون في عهدتها وتحت إدارتها.

وبيّن أن هذه المؤسسات يمكن أن تسهم في دعم خدمات الولاية ومرافقها واحتياجاتها الاجتماعية والتنموية، بما في ذلك البنية الأساسية والمشروعات الصحية والتعليمية والاجتماعية، إضافة إلى دعم الفئات الهشة والضعيفة من أبناء المجتمع.

الوقف في عُمان.. من الحفظ إلى الفاعلية

وشدد معالي الوزير، في ختام هذا المحور من حديثه في برنامج «فوانيس الوصال»، على أن الوقف العُماني لم يعد يقف عند حدود الحفظ والرعاية التقليدية، وإنما دخل مرحلة جديدة عنوانها الحوكمة، والثقة، والاستثمار، والفاعلية المجتمعية. وأكد أن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة يعكس وعيًا مؤسسيًا ومجتمعيًا جديدًا بأهمية الوقف، وبإمكاناته الكبيرة في الإسهام في التنمية، وصناعة الأثر، وخدمة المجتمع على المدى الطويل.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من البناء على هذه المنجزات، سواء في التوسع المؤسسي، أو في تعظيم العوائد، أو في دخول مجالات استثمارية جديدة، بما يجعل الوقف أكثر قدرة على مواكبة العصر، وأكثر حضورًا في حياة الناس، وأكثر وفاءً لرسالته التي بقيت حيّة في عمان منذ قرون طويلة.

لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:

تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.

للانضمام:

https://whatsapp.com/channel/0029VaCrTgWAu3aWNVw28y3F

--:--
--:--
استمع للراديو