وزير الأوقاف والشؤون الدينية في «فوانيس الوصال»: الوسطية والمؤتلف الإنساني والوعي الوطني ركائز الخطاب الديني في مواجهة الغلو والاضطراب
فوانيس الوصال
الوصال ــ قدّم معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، خلال حديثه برنامج «فوانيس الوصال» مع الإعلامي سالم العمري الذي يأتيكم من بيت الجريزة، طرحًا فكريًا ووطنيًا واسعًا حول مفاهيم الوسطية والاعتدال، ومشروع المؤتلف الإنساني، ورسالة خطب الجمعة، ودور الكوادر الدينية، إلى جانب نظرته إلى تنظيم بناء المساجد، ثم ختم حديثه برسالة مباشرة عن الوعي الوطني، وصون أمانة عُمان، وعدم الانجرار خلف الانفعالات والشعارات التي قد تسيء إلى المصلحة العامة.
الوسطية ليست تنازلًا عن الثوابت
توقف معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، في حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، عند مفهوم الوسطية، موضحًا أن هذا المصطلح كثيرًا ما يثار حوله جدل، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث وتحولات، وفي ظل ما يتردد على وسائل التواصل الاجتماعي من تصورات متباينة حول معناه. وأكد أن الوسطية ليست ابتعادًا عن نصوص الدين، ولا تمييعًا له، ولا تخليًا عن الثوابت، كما يتوهم بعض الناس، وإنما هي عودة إلى الأصل الذي قام عليه الدين نفسه، وهو أصل الميزان والتوازن في كل شيء.
وأوضح أن القرآن الكريم رسخ هذا المعنى في أكثر من موضع، مستشهدًا بقوله تعالى: «والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان»، مبينًا أن هذه الآيات لا تتحدث فقط عن نظام الكون، وإنما تعلم الإنسان أن كل ما في الحياة ينبغي أن يجري على هذا الميزان، وأن الطغيان في أي جانب من الجوانب هو خلل يفسد التوازن المطلوب. وأضاف أن الإنسان في علاقته بنفسه، وفي عبادته، وفي تعامله مع الناس، وفي نظرته إلى الحياة، مطالب بأن يقيم هذا الميزان، وألا يطغى في طرف على حساب طرف آخر.
وأشار معاليه في «فوانيس الوصال» إلى أن الفهم الخاطئ للوسطية هو الذي يدفع بعض الناس إلى تصورها باعتبارها تنازلًا عن الأصول، بينما هي في حقيقتها التزام بالأصل الصحيح الذي جاء به الدين. واستشهد بما وقع لبعض الصحابة حين ظنوا أن شدة التعبد والمغالاة فيه هي الطريق الأمثل إلى الله، فأراد أحدهم أن يقوم الليل كله، وآخر أن يصوم الدهر، وآخر أن يعتزل النساء، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليصحح هذا الفهم، وقال: «أما أنا فأصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وبيّن أن هذا الحديث يجسد المعنى الحقيقي للاعتدال، وأن الغلو، حتى في باب العبادة، ليس من الدين، بل خروج عن نهجه السوي.
وأكد أن الاعتدال لا يقتصر على علاقة الإنسان بربه، بل يمتد إلى علاقته بالآخرين. فالناس، في أصلهم، خلقوا ليعيشوا في هذا العالم في إطار من الاحترام المتبادل والعدل، وليس من أجل أن يخاف بعضهم من بعض أو يخيف بعضهم بعضًا. ومن هنا جاء قول الله تعالى: «لكم دينكم ولي دين»، وجاء النهي عن سب معتقدات الآخرين في قوله تعالى: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»، كما جاء التأكيد على العدل حتى مع من يقع الخلاف معهم في قوله تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى». وأوضح معاليه أن هذه النصوص وغيرها تؤكد أن الاعتدال هو الأصل، وأن التطرف هو الخروج عن هذا الأصل.
الدين يحمي التوازن في العبادة والحياة
وفي سياق حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، أوضح معالي الدكتور محمد المعمري أن الدين الإسلامي نفسه قام على مراعاة الطاقة البشرية، وعلى تحقيق التوازن بين مطالب الروح والجسد، وبين حق العبادة وحق الحياة. وأشار إلى أن الصلوات فرضت خمس مرات في اليوم، لا لتستغرق حياة الإنسان كلها، بل لتنظمها وتضبطها، وأن الصيام فرض شهرًا واحدًا من السنة، فيما بقيت بقية الشهور مفتوحة للإنسان في أكله وشربه وسعيه في الأرض، وأن الحج فرض مرة في العمر، وكل ذلك يدل على أن هذا الدين لم يأت لإرهاق الإنسان ولا لتحميله ما لا يطيق، وإنما ليهديه إلى الصراط المستقيم في حدود وسعه وقدرته.
وبيّن أن الغلو في العبادة أو في الحكم على الناس أو في التعامل مع المخالفين هو خروج عن هذا الميزان، وأن العودة إلى الوسطية ليست دعوة مترفة أو خطابًا تجميليًا، بل هي ضرورة تمليها مقاصد الشريعة نفسها، لأنها الأقدر على حفظ النفس والعقل والدين والمال والكرامة الإنسانية.
المؤتلف الإنساني.. مشروع يبني المشترك ولا يلغي الاختلاف
وانتقل معالي الوزير، في حديثه عبر «فوانيس الوصال»، إلى مشروع «المؤتلف الإنساني»، موضحًا أنه مشروع رائد أطلقته سلطنة عُمان منذ عام 2019، ويهدف إلى تعزيز قيم التعايش والتفاهم والمؤتلف الإنساني على نطاق واسع، لا في إطار ضيق أو ظرفي. وأكد أن هذا المشروع يستند إلى أفكار كبرى تعيد صياغة العلاقة بين الناس على أسس من العقل والعدل والأخلاق.
وأوضح أن ثلاثية «العقل والعدل والأخلاق» تمثل أرضية مشتركة يمكن أن يلتقي عليها الناس جميعًا على اختلاف أديانهم وطوائفهم وثقافاتهم. فاحترام العقل يعني احترام الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا مكرمًا، واحترام حرياته ووعيه وإبداعه، كما يعني احترام ما راكمته البشرية من معارف وخبرات ومنجزات، من غير أن تُنسب تلك المنجزات إلى طائفة دون أخرى. وأضاف أن العدل هو ما ينظم العلاقة بين الإنسان ونفسه وبينه وبين الآخرين وبينه وبين البيئة التي يعيش فيها، فيما تمثل الأخلاق السياج الذي يحمي هذا العقل وهذا العدل من الانحراف أو القسوة أو الاستعلاء.
وأشار إلى أن هذه الثلاثية، في نظره، تمثل قاعدة يمكن أن تقوم عليها الحياة المشتركة بين الناس، لأنها لا ترتبط بدين بعينه أو ثقافة بعينها، بل هي معانٍ إنسانية عليا يحتاجها الجميع ليعيشوا في احترام متبادل وشراكة حقيقية.
المعرفة والتعارف والاعتراف
وفي «فوانيس الوصال» أيضًا، شرح معالي الدكتور محمد المعمري ثلاثية «المعرفة والتعارف والاعتراف»، بوصفها إحدى أهم الأدوات الفكرية والعملية في مواجهة التعصب والتطرف وبناء المؤتلف الإنساني. وأوضح أن الخطوة الأولى تبدأ بالمعرفة، أي أن يعرف الإنسان نفسه أولًا، ويعرف الآخر ثانيًا. لأن الذي يجهل نفسه يضطرب في فهم رسالته وواجباته وحدوده، والذي يجهل الآخر يتحول بسهولة إلى عدو له، لأن الإنسان عدو ما يجهل، والخوف من الآخر ينشأ غالبًا من الجهل به، وحين يتفاعل الخوف مع الجهل ينتج عن ذلك التطرف.
وأكد أن هذه المعرفة لا تكفي وحدها، بل يجب أن تنتقل إلى الدائرة الثانية وهي التعارف، الذي لا يقصد به مجرد أن يعرف الناس أسماء بعضهم أو صور بعضهم، وإنما أن تتفاعل هذه المعرفة في الحياة العملية، وأن تتحول إلى علاقة قائمة على الفهم والتقدير والحوار. وأضاف أن هذا التعارف، إذا قام على أساس صحيح من معرفة الذات ومعرفة الآخر، أمكن أن يبني علاقة صحية ومتوازنة بين الأفراد والمجتمعات.
أما المرحلة الثالثة، وهي الاعتراف، فقد وصفها معاليه بأنها الأصعب، لأنها تعني أن يعترف الإنسان بحق الآخر في أن يكون مختلفًا في دينه أو مذهبه أو لغته أو ثقافته، من غير أن يعني ذلك التنازل عن الثوابت أو الذوبان في الآخر. فالاعتراف، في هذا السياق، هو وضع كل شيء في نصابه، والإقرار بأن التنوع سنة كونية، وأن للآخرين حقًا في الوجود، وفي الاختلاف، وفي ممارسة حياتهم ضمن ما يضمنه الشرع والقانون.
ولفت إلى أن كثيرًا من الأزمات تنشأ من غياب هذا الاعتراف، سواء بين الأفراد أو في الحياة الأسرية أو بين المجتمعات، لأن الاعتراف هو الذي ينظم الحقوق والواجبات ويمنع تحويل الاختلاف إلى خصومة دائمة. وأكد أن هذه الثلاثية، إذا طُبقت بوعي، يمكن أن تكون طريقًا لإلغاء التعصب والغلو، وبناء مساحات أوسع من المؤتلف الإنساني.
خطب الجمعة.. واحة أسبوعية لا منبرًا للجدل
وفي محور آخر من حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، تناول معالي الوزير فلسفة خطب الجمعة، موضحًا أن من المهم أن يفهم الناس رسالة الجمعة وخطبتها على وجه التحديد. فالجمعة، في نظره، واحة أسبوعية يجدد فيها الإنسان إيمانه، ونفسيته، وطاقته، ويستعد بها لأسبوع جديد وهو أكثر توازنًا ووعيًا. ومن هنا فإن خطبة الجمعة يجب أن تكون موعظة مركزة، تبني في الإنسان زادًا إيمانيًا وأخلاقيًا، لا أن تتحول إلى منبر لإثارة الجدل أو التسييس أو إدخال الناس في معترك القضايا التي سمعوها طيلة الأسبوع من كل المنابر الأخرى.
وأوضح أن الوزارة تعتمد خطة سنوية لخطب الجمعة موزعة على محاور محددة، تشمل العبادات، والأخلاق، والمعاملات، والمناسبات الدينية والوطنية. وأشار إلى أن 30 بالمائة من الخطب تتناول العبادات، و30 بالمائة تتناول الأخلاق، و30 بالمائة تعالج المعاملات، فيما تخصص النسبة المتبقية للمناسبات المختلفة، بما يضمن توازن الخطاب الديني واتصاله بحاجات الناس الأساسية.
وبيّن أن إعداد خطب الجمعة يتم من خلال فريق متخصص، وأنها تخضع للمراجعة الدقيقة، وأن الهدف منها ليس مخاطبة فئة محددة من المثقفين أو البسطاء فقط، بل تقديم خطاب متوازن يصل إلى الجميع. كما أوضح أن تقييم الناس لخطب الجمعة سيظل مختلفًا بطبيعة الحال، لأنهم يأتون من بيئات ومستويات تعليمية ونفسية وثقافية مختلفة، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن خطبة الجمعة، في فلسفة الوزارة، منبر رسالة وأمانة وصناعة أثر.
وأشار إلى أن ترك المنبر مفتوحًا لكل ما يريده الخطيب قد يقود إلى إدخال الخطبة في مسارات لا تخدم الناس ولا تحقق مقصود الجمعة، كالتسييس أو معالجة الجدل اليومي أو إثارة الحساسيات. ولذلك فإن ضبط الخطبة ليس حجرًا على الناس، بل صون لرسالة المنبر، وحماية للأثر الذي ينبغي أن تخرجه الخطبة في المجتمع.
خطب العيد.. رسالة عامة تصنع الأثر
وفي حديثه عن خطب العيد، أوضح معالي الدكتور محمد المعمري في «فوانيس الوصال» أن إعداد هذه الخطب يأخذ منه وقتًا طويلًا، لأنها ليست مجرد خطب لمناسبة عابرة، بل رسائل عامة تصنع أثرًا على المستوى المحلي، وربما الإقليمي أيضًا. وأكد أن بناء هذه الخطب يقوم على قراءة الواقع، وعلى استحضار دلالات المناسبة نفسها، سواء كانت مرتبطة بعيد الفطر أو بعيد الأضحى، وربط ذلك كله بالمعاني التي يحتاجها المجتمع، وبالرسائل التي ينبغي أن تصل إلى الناس في تلك اللحظة.
المساجد.. الحاجة والاستدامة قبل البناء
وتناول معاليه أيضًا، عبر برنامج «فوانيس الوصال»، ملف بناء المساجد، موضحًا أن الوزارة وضعت أربعة اشتراطات أساسية تحكم هذا الأمر في المرحلة المقبلة. أول هذه الاشتراطات أن لا يبنى مسجد إلا للحاجة، لأن المسجد يبنى من أجل العبادة وخدمة الناس، لا لمجرد الرغبة في التوسع في البناء. والاشتراط الثاني أن يكون البناء بقدر الحاجة، بما يشمل مساحة المسجد وسعته، وهل هو جامع لصلاة الجمعة أو مسجد للصلوات الخمس.
أما الاشتراط الثالث، فيتمثل في وجود وقف يغطي المصاريف التشغيلية للمسجد، لأن البناء وحده لا يكفي إذا لم تتوفر موارد دائمة تضمن استمرار خدمات المسجد وصيانته. والاشتراط الرابع هو وجود الملاءة المالية الكافية لإنجاز البناء دون تعثر، بما يحول دون اللجوء إلى التبرعات المفتوحة أو التوسع في جمع الأموال بطريقة غير منظمة.
وأكد أن الوزارة، مع ذلك، تتيح بدائل مرحلية مثل المصليات وغرف الصلاة، إذا لم تتوافر شروط إنشاء مسجد متكامل، بما يضمن للناس وجود مكان يؤدون فيه صلاتهم، إلى أن تتكامل متطلبات البناء الدائم.
الكوادر الدينية.. من التشغيل إلى الإتقان
وفي حديثه عن العنصر البشري، شدد معالي الدكتور محمد المعمري، في «فوانيس الوصال»، على أن الإنسان هو محور كل تنمية، وأن الكوادر الدينية والمهنية في الوزارة هي التي تقوم فعليًا بحمل الرسالة في قطاعات الوقف، والزكاة، والمساجد، والوعظ، والفتوى، والحج، وغيرها. ومن هذا المنطلق، أوضح أن الوزارة خصصت عام 2025 ليكون «عام الموظف»، بما يعكس تركيزها على الإنسان الذي يصنع الأداء المؤسسي ويقوده.
وأضاف أن هذه العناية ستتبعها مرحلة أخرى هي «عام الإتقان»، انطلاقًا من قناعة بأن المطلوب لم يعد مجرد التشغيل أو إدارة المهام، بل الوصول إلى مرحلة أعلى من الجودة، يكون فيها العمل أكثر إتقانًا، والخدمات أكثر سلاسة، والكوادر أكثر تخصصًا وتأهيلًا. وأشار إلى أن الوزارة تتجه إلى مزيد من المهنية في التعامل مع الأنشطة الدينية، بما في ذلك الإمامة، وخطب الجمعة، وتعليم القرآن الكريم، عبر معايير واضحة، وتأهيل مستمر، ورقابة وإشراف، بما يجعل هذه المجالات أقرب إلى المهنية المنظمة.
وبيّن أن أداء الوزارة المؤسسي شهد تحسنًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس جهود العاملين فيها، لكنه أكد في الوقت نفسه أن المرحلة المقبلة تستدعي المزيد من التطوير، خاصة في ما يتعلق برفع جودة الخدمات، وتبسيطها، وتعظيم أثرها في المجتمع.
رسالة عُمان.. الوعي قبل الانفعال
وفي ختام حديثه عبر برنامج «فوانيس الوصال»، وجّه معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري رسالة وطنية مباشرة، دعا فيها إلى الوعي وعدم الانجرار خلف الشعارات أو المناكفات التي قد تسيء إلى المصلحة الوطنية أو تضر بالبلد. وأكد أن عُمان حملت منذ القدم رسالة خاصة، وشهد لها النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد لها الصحابة، وأن هذه الرسالة أمانة في أعناق الأجيال التي ينبغي أن تصونها وتحافظ عليها.
وأشار إلى أن ما تشهده المنطقة من ويلات وصراعات وظلم قد يستفز العاطفة والضمير الإنساني، لكن الاستجابة لذلك يجب أن تكون استجابة حكيمة ومتزنة، لا قائمة على الغلو أو ردات الفعل غير المحسوبة. وأضاف أن الإنسان ينبغي أن ينظر إلى الأمور بوعي وعقلانية وعمق، وألا يفرط في أمانة الوطن تحت تأثير الانفعال أو الشعارات.
ودعا في ختام حديثه إلى حفظ عُمان، وإدامة نعمة الأمن والأمان عليها، وحفظ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه، وأن يجعل الله أبناء هذا الوطن خير خلف لخير سلف، متمسكين برسالتهم، عاملين بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالتي هي أحسن.
لمتابعة حلقة «فوانيس الوصال» عبر الرابط التالي:
تابع قناة الوصال عبر الواتساب واطّلع على آخر الأخبار والمستجدات أولاً بأول.
للانضمام:


